قبل القمة وبعدها .. فلسطين .. مصالحات مبتورة أم خلافات مستمرة/ نزار السهلي

البيان الختامي للقمة العربية بعد كل دورة عادية أو استثنائية يأخذ صداه في الدقائق الأولى بعد إعلانه ثم سرعان ما يتلاشى من ذهن المواطن و من أجندة النظام الرسمي العربي لافتقاده كما كل القرارات لآليات التنفيذ وغياب الإرادة الحقيقية لتفعيلها واختلاف الأجندات خارج مؤسسة القمة التي سرعان ما يرتدي النظام الرسمي العربي رداء القطرية الضيقة , واجتماعات القمم منذ التئامها الأول كانت تصنف نفسها على أنها تاريخية في قراراتها , وكلماتها المهدورة التي حفظها المواطن العربي عن ظهر قلب وبقي يترقب سماع المصالحات المبتورة الممتدة عبر زمن الدولة العربية الحديثة تاركا جوهر مصالحه وقراراته لهامش عمله القطري الضيق فيما الهوية العربية المستهدفة أساسا لا تجد من يدافع عنها سوى بشعارات زادت ضعفها ضعفا وهوانها هوانا وتمزقا في الرؤى والأهداف

وبات البيت العربي المتصدع منذ عقود أسير التجاذب والتناحر مع محاولات الترميم الخجولة الذي تعصف به رياح التحديات التي شكلت فلسطين جوهر الصراع وقضيته المركزية
فإذا كانت المخاطر المحيطة بالنظام الرسمي العربي وشعوبه منذ ولادة الدولة العربية لم تفلح في تكوين رؤية عربية مشتركة لمواجهتها على الصعيد السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي لتغدو في أفضل حالاتها وهي منشغلة في تقريب وجهات النظر ومصالحات لا تسمن و لا تغني من جوع كما هي حالة الحوار الفلسطيني والعربي العربي الذي بدا فارغا ومترفا بشعارات ولقاءات تخفي تحت عباءتها مصالحها الضيقة التي أثبتت تجربة النظام الرسمي العربي فشله في تحقيق أية مكاسب تصب في المصلحة القومية العليا لدوله وشعوبه

فبعد تجربة 60 عاما على نكبة فلسطين وخبرة العالم العربي مع جرائم إسرائيل وسياساتها التوسعية وجرائم الحرب والإبادة التي تنتهجها دولة الاحتلال لم يدرك النظام الرسمي العربي بعد طبيعة هذه الدولة مصرا ان يجلد نفسه بسلاح الوقت وإعطاء الفرص لاكتشاف ما هو مكتشف أصلا عن توجه حكومات الاحتلال المتعاقبة على الأرض العربية المغتصبة والابتعاد عن الأهداف الحقيقية لدعم الهوية العربية أمام مخاطر استهدافها وتهويدها .. تارة بالسلام الاقتصادي وأخرى بسلاح المفاوضات الذي أطلقه الصهيوني شامير في مدريد وانتهاء بالتشكيلة الجديدة لحكومة نتنياهو , وعدم القراءة الصحيحة لتوجه المجتمع الإسرائيلي الذي عبرت عنه انتخاباته الأخيرة

المطروح اليوم أمام الفلسطينيين وأمام العرب وقادتهم من قبل إسرائيل وحكومتها الجديدة مشاريع لا تختلف عن سابقاتها في ممارسة العدوان وبناء المزيد من المستوطنات وممارسة سياسة القتل المنظم ضد الفلسطينيين وإدامة حصارهم وعدم الاعتراف بحقوقهم التاريخية وتهويد ما تبقى من القدس وعدم الانسحاب من الجولان السوري ومن مزارع شبعا وعدم الاعتراف بحل الدولتين الذي هو بالأساس حل لا يلبي طموحات الشعب الفلسطيني لعدم التزام إسرائيل بالحقوق التاريخية لشعوب المنطقة في أراضيها المحتلة بينما يشغل المحاور الفلسطيني ذاته بين حرفية كلمة الالتزام و الاحترام بما وقعه من اتفاقات نسفتها إجراءات إسرائيل على الأرض

وسجلت شاشات التلفزة في العالم اجمع حجم الجرائم المرتكبة أثناء العدوان على غزة كدليل معبر عن طابع هذا الكيان الذي لم يحظى النظام الرسمي العربي الأسير لمبادرته الهزيلة للسلام بفرصة التعرف عليه وظلت عقلية المفاوض الفلسطيني تتجرع الوهم تلو الوهم من وراء سياسة القهر بالمفاوضات التي أنتجت عدوانا بصورة جرائم الحرب الكبرى واستيطانا وحصارا أودى بمشروع الدولة والوهم إلى السراب الذي يلهث وراءه أصحابه .. الذين تصدروا الواجهات الإعلامية لتسويق وهم الدولتين

وإذا كان اعتقاد البعض أن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة سيوجد مناخا ملائما للدفع بتسريع الحوار بين الأطراف الفلسطينية فان ذات السبب لدى أطراف أخرى يقود الى تعقيدات هذا الحوار وعدم جهوزيتها للإسراع بانجاز توافق وطني على مجمل النقاط المختلف عليها وبقاء حالة الضغط القهري الخارجي تحول دون انجازه وستبقى الملفات المتعلقة بإعادة اعمار قطاع غزة إعادة بناء المنظمة وبناء الأجهزة الأمنية وغيرها دون تغيير يذكر لارتباط ملفاتها بضغوط باتت معروفة للقاصي والداني ولن يغير مشهد المصالحات الكاريكاتوري العربي و الفلسطيني الوقائع لأنه بعيدا عن جوهر قضاياه المطروحة ومصلحته العليا في مواجهة الأخطار المتلاحقة التي تعصف به و ثبات سياسة العدوان والاستيطان والحصار والتهويد وصعود حكومة أكثر عدوانية وعنصرية

القراءة الصحيحة لواقع الحال العربي والفلسطيني تقود إلى الاستنتاج الذي بقي راسخا دون تغيير تناثر المواقف والتخندق خلف أجندات قطرية وفصائلية جعلت من الشعارات المتعلقة بالمصالحات المبتورة والخلافات المستمرة العنوان الأبرز المرحل لقمة قادمة عادية أو استثنائية تفرضها إسرائيل بعدوان جديد وعنوان جديد يجتهد النظام الرسمي العربي بعدم مواجهتها طالما ظن أن عناقا أو مصافحة تجعله يتخندق إلى قمة قادمة أو اجتماع آخر .