نتنياهو ومساعدة المتاجرين بالأوهام../ د.جمال زحالقة

انتهت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن، وعنوانها المكشوف للرأي العام، هو بداية تحديد نقاط الاختلاف والتباين في المواقف بين الإدارة الأمريكية الجديدة والحكومة الإسرائيلية الجديدة أيضاً.

لم يرق الاختلاف بعد إلى خلاف جدي ولم يقترب من حالة الأزمة في العلاقات، وبقي الأمر يدور على السطح السياسي دون أن يمس في العمق العلاقة الإستراتيجية القائمة بين واشنطن وتل أبيب.

خلال الزيارة، أوضح أوباما المواقف التي بلورتها إدارته بشأن الملف النووي الإيراني وبشأن الملف الفلسطيني وربما السوري أيضاً. رئيس الوزراء الإسرائيلي من جهته أراد التركيز على الملف الإيراني، وهذا هو تقريباً الموضوع الوحيد الذي تطرحه الدبلوماسية الإسرائيلية في اتصالاتها بكافة دول العالم. نتنياهو ضغط للتعجيل في التعامل مع الملف الإيراني، وحاول كل جهده التسويف في الموضوع الفلسطيني.

وضوح وسرعة وحزم مع إيران، ومراوغة ومناورة ولف ودوران مع فلسطين، كل هذا لا يغطي الموقف الحقيقي لنتنياهو وهو أنه لا يؤمن بأي إمكانية للتوصل إلى تسوية من أي نوع، ولا يعتقد أن مفاوضات جدية هي أمر ممكن. السبب بسيط، وهو أن نتنياهو يعرف مواقفه هو وحكومته جيداً، وهذه المواقف لا يمكن أن يقبلها أي فلسطيني وأي عربي مهما كان مستعداً للتنازل والتفريط بالحق الفلسطيني.

بقي الخلاف إذن ليس على السلام ومستلزماته بل على الكلام والحاجة إليه. المطلوب من نتنياهو ليس التحرك نحو تسوية بل أن يقول كلاماً ويساهم في صناعة الأوهام، ليساعد المتاجرين بالأوهام. حتى الآن يبدو نتنياهو بخيلاً في الكلمات المطلوبة منه، وبدأ بالحديث فقط عن شروطه ومطالبه هو، قبل أن ينطق بكلمة واحدة بخصوص التسوية. الحكومة الإسرائيلية الحالية تصر على ثلاث نقاط تجعل من أي مفاوضات أمراً عبثياً، وما قاله نتنياهو كان واضحاً، فهو يطالب العرب والفلسطينيين برفع الرايات البيضاء والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية والإقرار بمراعاة مصالح إسرائيل الأمنية والبدء بمفاوضات من نقطة الصفر بلا شروط مسبقة.

أوباما يريد تحركاً ما على المسار الفلسطيني لتكوين حلف إسرائيلي أمريكي عربي ضد إيران، وهو يريد أن يعيد ترتيب السياسة الأمريكية في المنطقة تبعاً للانسحاب من العراق واحتواء الملف الإيراني، وهذا يتطلب إرضاء ما يسمى بمعسكر الاعتدال العربي، الذي يحتاج على الأقل إلى ضريبة كلامية من إسرائيل وأمريكا للقيام بالدور الذي تريده الولايات المتحدة منه.

في كل الأحوال، قبل نتنياهو بالنطق بكلمة دولتين أم لم يقبل فإنه لا يريد إلا أن يكسب الوقت الفلسطيني حتى يقصر الزمن الإيراني، وفي نهاية المطاف هو لن يمنح الطرف الفلسطيني المتلهف للتفاوض، سوى ضريبة كلامية.

كل تساوق مع نتنياهو لن يأتي إلا بالكوارث، فهو متطرف فعلاً وليس قولاً فقط، ولا ينفع معه سوى حشد ضغط فلسطيني وعربي ودولي ضده وضد حكومته، وتاريخ هذا السياسي يدل على أنه يخضع للضغط، إذا توفر الضغط.