الفلسطينيون في الداخل: معركة لا مناص من خوضها../ د. عبد المجيد سويلم

لا تبدو سلسلة "القوانين" التي شرع اليمين المتطرف بإدراجها على جدول أعمال الحكومة تمهيداً لطرحها على التصويت في الكنيست غير البداية لحملة منسقة ومنظمة ومدروسة بعناية فائقة لوضع فلسطينيي الداخل في حالة من الدفاع عن النفس ومحاصرة طموحاتهم وتخفيض سقف توقعاتهم وإرغامهم على التسليم و"التعايش" مع عملية طويلة من ترسيخ واقع تحول إسرائيل إلى دولة يهودية وصهيونية.

ليس صحيحاً على الإطلاق أن هذه المحاولات هي محاولات غبية كما حاولت بعض الأوساط الأقل تطرفاً أو الأقل جنوناً حتى هذه اللحظة أن توحي وأن تشرح فهمها الخاص لهذه المحاولات، ذلك أن طرح هذه السلسلة من القوانين من حيث التوقيت ومن حيث الظروف الداخلية الإسرائيلية والإقليمية والدولية أيضا يؤكد على أن هذه المحاولات ليس مجرد محاولات تمايز يقوم بها السيد ليبرمان عن باقي أطراف اليمين الإسرائيلي، وليس مجرد محاولات لجس النبض وقياس ردود الأفعال، وليس بهدف حرف الأنظار عن جملة من الاستحقاقات التي باتت ماثلة أمام حكومة إسرائيل الحالية، وهي (المحاولات) ليست لعبة مكشوفة ولا حتى مستترة لتغيير قواعد اللعبة السياسية، فهذه كلها ربما تكون واردة في الحسبان إلى هذه الدرجة أو تلك وبهذا الشكل أو ذاك، لكن الشيء الأهم والأخطر والأعمق والذي يقف وراء هذه المحاولات أبعد من كل ما ذهبنا إليه.

لقد قلنا أكثر من مرة ومن على صفحات "الأيام" كما قال كثيرون غيرنا إن موضوع يهودية الدولة قد انتقل في السنوات الأخيرة من قضية ثقافية للنقاش على المستوى الفكري إلى قضية سياسية والى هدف مباشر مطروح على جدول الأعمال الإسرائيلي بحيث تحولت قضية يهودية الدولة إلى أهم وأكبر إجماع إسرائيلي منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا.

ما يسمى بالإجماع القومي الإسرائيلي على القضايا المصيرية والوجودية ما زال موجوداً وله طابع دائم، ويكاد يكون ثابتاً، لكن هذا النوع من الإجماع يخضع لمفاهيم وخلفيات وتفسيرات ليس عليها إجماع تام.

خذوا على سبيل المثال قضية الأمن أو قضية السلام أو قضية القدس، أو قضية الجولان أو قضية غور الأردن أو الدولة الفلسطينية أو قضية الحدود أو غيرها من القضايا ذات الطابع الكبير أو المفصلي أو المصيري أو الوجودي أو غيرها من المواصفات، فماذا نلاحظ؟

هناك إجماع إسرائيلي (صهيوني) عليها، ولكن هذا الإجماع يمكن أن يكون مختلفاً بالأبعاد وبالمفاهيم وفي الكثير من التفاصيل الجوهرية. مفهوم السيادة الإسرائيلية على الجولان وعلى الغور وحتى على القدس مفهوم ملتبس ويحتمل التمدد والتقلص حسب حرارة الانتخابات وحرارة الجو المحيط إقليميا ودولياً، وكذلك الأمر بالنسبة لمفهوم الحدود والدولة الفلسطينية، نفس الشيء يمكن أن نلمسه في قضية الأمن وفي قضية السلام وفي العلاقة بينهما أيضا.

القضية الوحيدة التي عليها إجماع صهيوني كامل هي قضية اللاجئين، وقضية اللاجئين بالذات هي جذر (أو الجذر) الحقيقي لتحول قضية يهودية الدولة من دائرة النقاش الفكري والثقافي إلى دائرة وجدول أعمال السياسة الإسرائيلية وهي بالتالي (قضية اللاجئين) هي الهاجس الذي يقلق المستقبل الإسرائيلي في هذه المنطقة.

ليس الخوف الإسرائيلي هنا هو عودة اللاجئين بالمعنى المادي الفيزيائي للكلمة، لأن عودة أربعة أو خمسة ملايين فلسطيني في إطار عملية سلام هي نوع خاص ومؤكد من المستحيل، وعودة هذه الأعداد في إطار عملية صراع هي عملية افتراضية حتى هذه اللحظة وهي مسألة موازين قوى ليست متوفرة ومن الصعب توفرها في المدايات المرئية وأحيانا يصعب تصورها في المدايات المتوسطة، ولهذا وبسبب ارتباط العودة الناجمة عن التغير في ميزان القوى بالمستقبل والمستقبل البعيد فإن العودة المطروحة على جدول الأعمال هي عودة نظرية وتتعلق بالحق وليس بالفعل المادي المباشر وهي عودة رمزية من وجهة النظر الإسرائيلي (في أقصى حدود وجهة النظر هذه).

إذا ما الذي يقلق إسرائيل ولماذا هذا الخوف ولماذا كل هذه الهواجس؟!، لأن حق العودة هو نوع من المطاردة التاريخية لإسرائيل وشرعيتها. إن إسرائيل الصهيونية تدرك كأفضل ما يكون الإدراك، وتعي بأحسن ما يكون عليه الوعي، وتعرف بأدق الحسابات وبأكثر أدوات المعرفة تطوراً وبكافة المعاني والأبعاد العلمية والتاريخية، أن قضية الدولة الفلسطينية هي إجراء حتمي واستحقاق لا يمكن تفاديه إن هي أرادت أن لا تغرق في وحل الدولة الواحدة المعروفة نتائجها سلفاً على المشروع الصهيوني، وعلى المفهوم الصهيوني للدولة الإسرائيلية، والمعادلة هنا بسيطة: يهود أقل وفلسطينيون أكثر (في المسار التاريخي)، الفلسطينيون محاطون بالبيئة والثقافة والعنصر واللغة والواقع المتجانس بعكس الإسرائيليين تماماً، أقلية يهودية ستحكم أكثرية عربية، نظام عنصري يطول عمره أو يقصر، وفي النهاية (بصرف النظر عن المدى الزمني النسبي للكلمة) نهاية المشروع ونهاية الحلم وسقوط النظام.

أيعقل أن تذهب إسرائيل باتجاه الدولة الواحدة إذا؟ الشيء المعقول هنا هو انفصال عن الفلسطينيين بأعلى درجة من التحكم بهم، وبأقل الخسائر على مستوى الأرض وبأعلى ثمن ممكن الحصول عليه نتيجة هذا الانفصال.

لكن المشكلة بالمعنى الاستراتيجي البعيد لن تحل عبر قيام الدولة الفلسطينية، لأن فلسطينيي الداخل طالما يتمتعون بهذه الدرجة من الوعي القومي وطالما أن هذا الوعي يزداد تبلوراً وقوة، فإن الدولة الواحدة قادمة لا محالة، وهذا هو بيت القصيد في كل مسألة الدولة اليهودية.

لهذا فإن معركة فلسطينيي الداخل قادمة وهي وضعت على جدول الأعمال فعلاً، وعلى عاتق ذلك الجزء العزيز من شعبنا تقع مسؤولية خوضها دون هوادة.

المعركة تحتاج إلى حنكة والى حكمة والى أعلى درجات الديمقراطية لأن الخروج عن "الشرعية الديمقراطية" ربما سيعجل من حسمها وسيسهل على إسرائيل حسمها لصالحها بالذات.

لكن الأهم هنا هو لماذا على ذلك الجزء العزيز والأصيل من شعبنا أن يخوض هذه المعركة وحده، ولماذا علينا أن ننتظر نتيجة هذه المعركة من على قارعة الطريق؟

علينا أن نطرح على العالم أنه مقابل الدولة اليهودية لا بوجود الدولة الفلسطينية وإنما هو قرار التقسيم والحل المتفق عليه لحق العودة يمكن أن يتم على قاعدة هذا القرار إذا أرادت إسرائيل أن تكون دولة يهودية. فإما أن تتخلى إسرائيل عن شعار الدولة اليهودية وإما عليها أن تقبل القرار.

علينا أن نكون في منتهى الوضوح، بأننا لن نقبل بتبادل سكاني أو تبادل للأرض تحت أي مسمى وتحت أية ذريعة إذا ما كان هذا التبادل يمس حق فلسطيني واحد من فلسطينيي الداخل في البقاء على أرض آبائه وأجداده، وعلينا أن نجاهر بأن إقرار أي قانون من سلسلة القوانين التي يتم الحديث عنها اليوم يعني عدم وجود أية إمكانية لحل سياسي، وعلى العرب والجامعة العربية وكل مؤسسات السياسة العربية أن تعتبر معركة عرب فلسطينيي الداخل مكوناً رئيسياً من مكونات الصراع وركناً أساسيا من أركان الحل، وأن كل مساس بهم وبحقوقهم في البقاء على أرضهم يعني نهاية السلام ونهاية العملية السلمية ليس فقط بين الفلسطينيين وإسرائيل وإنما بين العرب، كل العرب وإسرائيل أيضا.

هذا هو المطلوب إذا أردنا أن نخوض معركة الصراع على الوجود والبقاء والصراع على المستقبل أيضا.
"الأيام"