حركة فتح: الخروج من الأزمة../ مصطفى إبراهيم*

لم يكن من السهل البحث في ما يدور من اشتباك مستمر داخل حركة فتح في ظل تغييب لقواعد وقيادات فتحاوية مناضلة، وعقد تحالفات مستغربة من معظم القاعدة في حركة فتح، فأعداء الأمس أصبحوا أصدقاء وحلفاء اليوم، فالحركة الدائمة والدؤوبة داخل صفوف قيادة حركة فتح تزيد من حال الاشتباك والاستقطاب ومن حال الشرذمة، وتغييب للعديد من القيادات التي لا يراد لها أن تشارك في إعادة استنهاض حركة فتح.

فخلال جلسة مع عدد من الأصدقاء الفتحاويين الذين عبروا عن حجم الأزمة الكبير داخل حركة فتح، والذين أجمعوا على أن الأزمة ليست وليدة التحضير لانعقاد مؤتمرها السادس، فأزمة حركة فتح تاريخية والسلطة عمقت من أزمة فتح، وتم إفسادها بالسلطة مع وجود ذلك تاريخياً. والأسباب الحقيقة للأزمة تتمثل بأسباب داخلية وإقليمية ودولية، فمن الأسباب الداخلية أن حركة فتح من دون تنظيم وهو في حال من الانهيار، وعدم انعقاد المؤتمرات بشكل دائم ومستمر عمّق من حال الترهل وإسقاط العديد من القادة والعناصر في بريق السلطة بشكل متعمد، ولا يوجد تجديد في القيادة التي شاخت وظلت تعمل على استبعاد عدد كبير من المناضلين الذين قادوا الانتفاضتين.

كما أن أوسلو كان أكبر مفسدة لحركة فتح، فقال أحدهم: مثلا تشكيل جهاز الأمن الوقائي لم يأت صدفة، فالجهاز الذي تم تشكيله من رموز الحركة التنظيمية في الداخل والذين تحولوا من مناضلين إلى سجانين، ومن ثم تحولت حركة فتح من حركة تقود الشعب الفلسطيني، وتمتلك القدرة على تمويل ذاتها عبر مؤسساتها المالية إلى مجرد جهاز في السلطة تتلقى مصروفاتها من السلطة مثلها مثل أي جهاز امني في السلطة، فجاء وقت على حركة فتح أنها لم تستطيع تنظيم مسيرة جماهيرية.

فحركة فتح لم تأخذ العبر ولم تستخلص النتائج من تجربة حكمها وسيطرتها على مقاليد الحكم خلال سنوات التسعين من القرن الماضي وخلال انتفاضة الأقصى. وهذا ما يجري الآن في الضفة الغربية، وهي لا تزال لا تمتلك الرؤية في ما يتعلق ببرنامجها هل تستمر في النهج الذي يقوده الرئيس محمود عباس، أما تعود الحركة إلى الجذور ومبادئها التي من اجلها انطلقت من أجل تحرير فلسطين بكافة أشكال النضال.

وأضاف أن غياب الرمز النضالي عجل من أسباب تعميق الأزمة، فالرئيس محمود عباس لا يمثل الرمز لحركة فتح والشعب الفلسطيني، ومع ما يتمتع به من إجماع داخل الحركة، إلا انه لا يمتلك صفات القائد الرمز، بالإضافة إلى أنه يتحمل المسؤولية في أزمة فتح، ففي عهده أصيبت حركة فتح بعدة انتكاسات بدءا من الفشل في الانتخابات المحلية مرورا بالانتخابات التشريعية إلى الانقسام السياسي والخروج من غزة.

وهو يساهم من خلال استمراره في نهج التسوية غير المجدي بالتعجيل في انهيار الحركة واستبعادها من المشاركة في قيادة الشعب الفلسطيني، وأنه لا يدرك أو يدرك أن رأس حركة فتح مطلوب إسرائيلياً وأمريكياً وعربياً، والهدف تفريغها من محتواها الوطني والاستمرار في انخراط حركة فتح في سلطة لا تمتلك من أمرها سوى توفير الغطاء لعدد من المستفيدين من السلطة والحفاظ على مصالحهم.

وإن ما يدور من اشتباك وصراع داخل حركة فتح من خلال التنافس على قيادة الحركة، ما هو إلا صراع على مواقع قيادية من بعض الشخصيات والتي تطمح في الحفاظ على مكانتها ومناصبها، وليس النهوض بحركة فتح، والصراع يتمثل بجيلين الجيل القديم الذي يتغنى بأمجاد الماضي ويريد أن يحافظ على مكانته، وبين الجيل الشاب الذي يرى أن له الحق في قيادة الحركة لعجز وفشل الجيل القديم. وحديث من يقود هذا التيار هو حديث حق يراد به باطل، فالتحرر والنضال ليس على أجندة هذا البعض من هذا الجيل فمشروع بعضهم واضح ويتنافى مع مبادئ وقيم حركة فتح في النضال والتحرر من الاحتلال.

فالصراع داخل الحركة هو صراع على قيادة اللجنة المركزية، وهو ليس من أجل العودة بحركة فتح إلى جذورها، بل هو من أجل السيطرة على اللجنة المركزية والحفاظ على المناصب للجيل القديم، وتنفيذ مشاريع وأجندات شخصية لبعض القيادات من الجيل الشاب، ولتبقى اللجنة المركزية من دون مشروع وطني نضالي يقود إلى التحرر.

وذكرني احد الأصدقاء بكتاب هاني الحسن " الخروج من مأزق أوسلو" في العام 1998، حيث شبه حركة فتح بحوت ضخم عظيم واجه العواصف والأنواء، وكلما واجه عاصفة خرج منها أكثر قوة وعنفواناً، وكيف جلس الأعداء على الشاطئ وأخذوا يفكرون كيف يمكن أن يسلبوا هذا الحوت قوته، واكتشفوا أن سر قوته بقاؤه في الماء "بين الناس والجماهير"، فقاموا برمي الطعم له " أوسلو والسلطة"، وبدءوا باستدراجه نحو الشاطئ إلى أن وصل الحوت إلى المياه الضحلة التي بالكاد تحمله، و كان أمام هذا الحوت ولا يزال خياران: الأول البقاء في المياه الضحلة ومصيره الموت كي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

والخيار الثاني أن يستجمع قواه الذاتية من جديد ليعود سيد البحار والمحيطات ويتوجه نحو الأعماق "الاستنهاض" ، واستجماع قوة فتح من خلال مؤتمرها السادس، فهل فتح قادرة على استجماع قوتها واستنهاض نفسها من جديد والخروج من الأزمة؟

وفي النهاية أجمع الأصدقاء الفتحاويين على أن طبيعة فتح وبنيتها التنظيمية والفكرية والنكسات التي مرت بها جعلتها أقرب إلى حال الانهيار والتلاشي منها إلى حال النهوض والاستنهاض، وهذا المؤتمر نكسه جديدة وقد يكون شهادة وفاة، وهذا ما تولد من قناعات لدى كثيرين من قيادات حركة فتح خاصة في غزة، وهم يؤكدون أن الصراع هو من أجل السيطرة على اللجنة المركزية وليس للخروج من الأزمة.