عساني أكون مخطئا يا سيد باراك أوباما!../ ناصر السهلي*

قبل انتخاب أوباما لرئاسة الولايات المتحدة راقبت وكتبت عن مشهد العرب وهم يعتقدون أن أوباما سيغير كل السياسات الأميركية التي سبقه إليها بوش وقبله كلينتون الذي لم يتصف بالشجاعة ليقول الحقيقة.. ولم يمارس مُكر كارتر المتحول إلى "قديس" يدعي الإنسانية بعد خروجه من البيت الأبيض.. فراح يبيع شعوب المنطقة كلاما كثيرا عن حقوق الشعب الفلسطيني.. ويعلم الجميع ما فعله كارتر نفسه في اتفاقات كامب دافيد بهذه الحقوق..

لا داعي الآن للخوض في تفاصيل ما بات يدركه أي مبتدئ بعلم السياسة والمصالح التي تحكم علاقات أميركا بالمنطقة.. ولكن، ما معنى أن تعاد علينا اسطوانة قالها بوش الأب على لسان جيمس بيكر .. هل توقف شيء مما طالب به البيت الأبيض آنذاك؟.. المسيرة شاهدة على أن لا شيء تغير سوى نحو الأسوأ وبدعم أميركي واضح كل الوضوح لهذه الشعوب التي يريد باراك أوباما مخاطبتها من بوابة القاهرة..

إعادة الاسطوانة المشروخة عن المستوطنات والالتزام بحل "الدولتين"، وعن "مد اليد" للعالمين الإسلامي والعربي. في ذات الوقت الذي تجري في كواليس اتخاذ القرارات تجييش المنطقة، وربط الأمر بإيران يعيدنا حقا إلى عام 1991، أي إلى ما قبل مرحلة أوسلو. ألم يسبق صدام حسين الجميع حين طرح تشابك المصالح والصراعات بالقضية الفلسطينية؟

هذا الإصرار اليميني المتطرف الذي يلعب فيه ايهود باراك وشيمون بيريس لعبة لبس القفازات الحريرية يذكرنا بتبادل الأدوار الذي لا يجيده/ لا يريده العرب ( ولو من منطلق المصالح الذاتية إذا ما كانوا عاجزين عن المشترك بينهم). فنتنياهو بكل بساطة يمد لسانه ويرفع سبابته بوجه أوباما غير آبه بما قاله الرجل ولا وزيرة خارجيته. وهو ما لا يمكن للسياسة الرسمية العربية، المهزومة بأزماتها الداخلية والبينية، أن تمارسه لا مع أوباما ولا مع غيره من زعماء الغرب الذين ينفذون سياسات الحفاظ على المصالح القومية لبلادهم أكثر من بحثهم عن تطبيق كل هذه الخطابات المتعلقة بالدمقرطة وحقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي..

بعض العرب سيصفق بلا شك للرئيس أوباما واستخداماته اللغوية، و "لكرمه البالغ" في قضاء سويعات في أكبر بلد عربي، ليبث بعض ما ظللنا نسمعه منذ مؤتمر مدريد.

لا أشك بأن باراك أوباما سيتحدث لفترة طويلة عن "تجميد الاستيطان" وعن " حل الدولتين" وعن "التطبيع للتشجيع". والأخيرة تُذكرنا بوضع العربة أمام الحصان. "تشجيع"! على ماذا؟ على أن قلب المبادرة العربية رأسا على عقب سيرضي هؤلاء الذين يعودون بنا إلى لغة العنجهية والاستعلاء في نفي كلي لوجود الشعب الفلسطيني والعودة إلى استخدام تعبير "السكان".

ورغم أني لا أشك بما سيقوله الرجل في القاهرة، إلا أنني ما زلت مقتنعا بأنه لا يملك بضاعة جديدة ولا حتى مواقف جديدة، لا من حيث تخطي سوء ما وصلت إليه صورة وسمعة موحلة لبلاده عند الشعب العربي، طالما أن المصالح لا يعيقها موقف جماعي ضاغط ولا حتى الخروج من بيت الطاعة للبيت الأبيض. فتكرار الكلام ليس دائما مفيد لـ" الشطار" الذين صارت السياسة العربية تفتقدها منذ زمن التخلي عن الشعب العربي ومصالحه.

"تجميد الاستيطان" ليس كلاما سحريا. فالقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف الرابعة الموقعة عليها إسرائيل منذ 1951 ليس فيها ولا في غيرها بما يتعلق بالاحتلالات استثناءات هنا أو هناك. فعدم شرعية كل ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يحتاج للكثير من العبقرية ليقول العرب: "كفى تعني كفى".. والثرثرة التي تعطي الانطباع بأن السيد أوباما قادر على ليّ ذراع التوليفة اليمينية المتطرفة هي في جوهرها ثرثرة للعرب والعيون موجهة لاتجاهات أخرى كارثية، إلا إذا كنت مخطئا في قراءتي، وعسى أن أكون كذلك، للمصالح القومية الأميركية التي تكتشف الكارثة التي جلبها الدعم الصريح والمفضوح للحكومات الإسرائيلية والتعهدات التي قيل إن بوش منحها لشارون.

فهل نحن أمام مشهد مسرحي متقن الإخراج واللغة الشاعرية التي تأخذ الألباب أم نحن أمام حقبة جديدة؟
أعتقد أننا أمام حقبة جديدة، لكنها ليست كما يتمناها العرب. وسياسات التمني لا تجدي نفعا كما تعلمنا، لأننا في واقع الأمر أمام سيناريو متعدد الحلقات:

سيكرر أوباما على مسامعنا "حل الدولتين"، لكنه سيقلب المبادرة العربية إلى مبادرة أخرى: "57" دولة جاهزة للتطبيع، والاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.. غير آبه بما يحمله الأمر من احتقان وسخط آخر على الدوران في حلقة مفرغة من الوعود غير المطبقة.

سيكرر أوباما مطالبه بتجميد الاستيطان وحل الدولتين، لكن عيونه على مصالح حزبه ودولته وعلى إعادة انتخابه. ولن يجرؤ على المطالبة بضرورة العودة إلى خط الرابع من حزيران على كل الجبهات بما فيها السورية، ولا على أن تكون للفلسطينيين دولة ذات سيادة كاملة على حدودها وأجوائها، وبحرها المحاصر حصارا لا يعيره انتباها.

سيكرر أوباما على أهمية "التسامح"، لكنه يستثني من ذلك أو يصمت على ترهات اليمين المتطرف ودعواته لتنظيف الدولة اليهودية من "سكانها الأصليين" والدعوات العلنية لحرق ونهب أراضي الفلسطينيين كما كان يفعل رعاة البقر مع شعب أميركا الأصلي، عدا عن بث روح التطرف "من على منبر الديمقراطية" ضد الفلسطينيين والعرب عموما والقاهرة التي يتحدث منها..

في قضية التسامح لا مشكلة ولا فيتو على "ليبرمان"، لكن يوجد صمت كلي على ما يجري بحق نواب منتخبين ومعتقلين. وشروط الاعتراف بيهودية الدولة لا يقابلها كلمة واحدة عن فوران العنصرية الاستعلائية في تشريعات ومقترحات تحويل الأردن تارة إلى دولة للفلسطينيين، وتارة أخرى بفرض أسرلة كاملة في زمن وجد أوباما نفسه في مجتمع التعددية رئيسا، بينما أجداده كانوا ممنوعين بسبب ألوان هذه العنصرية من كل ألوان الحياة.

سيكرر أوباما و"بحزم" أنه صديق للعرب وصديق لدولة إسرائيل وسيعمل وفق المثل العربي "صديقك من صدقك"، وسنظل نسمع الكلمات المعسولة، لكن عين الشركات والمصالح الأميركية على المال العربي وثروته لإنقاذ مشروع الرأسمالية الجشعة التي تعاني ما تعانيه. ومن قال إن نتنياهو مختلف مع أوباما على أن إيران ليست في سلم الصعود على ظهر الاعتدال العربي؟ ألم يبشرنا ساسة ومحللون إسرائيليون ( وأصحاب نفوذ في واشنطن) بأن إسرائيل تشكل اليوم تحالفا مع البعض العربي بوجه "الخطر الإيراني"؟ صحيح أن أوباما هو القائد الأعلى للقوات الأميركية، لكن التجربة الأميركية علمتنا دروسا كثيرة عن قيمة ووزن الرئيس الخاضع لعقلية الحروب الإستباقية، حتى في زمن كينيدي. أم أن ذاكرتنا قصيرة إلى هذا الحد؟

هل أجزم بأن شيئا ما يُحضر للمنطقة؟
من السذاجة ألا تؤخذ كل السيناريوهات بعين الاعتبار..

ألا يردد الإسرائيليون اليوم بأن لا شريك فلسطينيا للتفاوض معه؟ ألا يتحدثون بأنهم ليسوا على استعداد للتنازل للرئيس عباس؟ ألا يتدخلون في الشأن الفلسطيني الداخلي، بينما الفلسطينيون يقولون لا شأن لنا بمن يحكم، المهم التقيد بالالتزامات؟ فممنوع على الفلسطينيين نقض أي التزام بينما يدرك العالم كله ما يقوله هذا اليمين الحاكم بشأن الالتزامات من أوسلو حتى خارطة الطريق. وهي سياسة كارثية على المدى البعيد على المجتمع الإسرائيلي الذي يجري ساسته بين الفينة والأخرى عملية متواصلة من حصره في زاوية الرعب والخوف والتشكك بمناورات وتقديرات عسكرية تصيب المجتمع بحالة من الشلل والذهول والخطف المستمر على قاعدة "الكل ضدنا". والآن حتى الحليف الأميركي الاستراتيجي هناك من يطلق عليه مثل هذه التسميات..

فعلى ماذا يستند العرب في تفاؤلهم؟

ربما على فترة 8 أعوام شبيهة بعصر كلينتون، أو ما يسمى "استمرار العملية"، واستمرار طوني بلير في "الأميركان كولوني" في القدس الشرقية يعيش حالة الإمبراطورية على حساب الشعب الفلسطيني، وبالقرب منه تعيش أم كامل الكرد في خيمتها بانتظار "الأمل"!

الثمانية أعوام هي السر؟ وهي مفتاح كل الكلام المنمق. فشخصيا لا يهمني لا لون ولا عرق ولا ديانة من يحكم أميركا، هذا أمر لا يقدم ولا يؤخر، ولا تهمني كل الأحلام المتحولة إلى كوابيس عند أطفال الشعب الفلسطيني.

عسى يا سيد أوباما أكون مخطئا، وسأكون سعيدا لو أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية ينتبه إلى هذا اللسان الممدود له ولمصالح بلاده من قبل نتينياهو وتوليفته اليمينية ليجرؤ على قول كلمة توقف هذا العبث بحياة ومستقبل المنطقة الذي إذا استمر فلن تفيد عندها لا أموال ولا نيات العرب الطيبة.