نتنياهو وضع النقاط على الحروب../ نزار السهلي*

دشن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير مشروعه ورؤيته "للسلام". ومن على منبر جامعة "بار ايلان" توجه نتنياهو إلى العالم العربي والغربي برؤيته العنصرية التي أثنى عليها الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية كرؤية مهمة في الاتجاه الصحيح لتحقيق السلام في المنطقة التي دخلت عقدين من الزمن في مفاوضات عبثية لم تر في العربي والفلسطيني إلا تابعا لمنطق سياسة الغطرسة والتفوق والقوة.

وبايدولوجيا عنصرية صهيونية حدد معالم مستقبلها خطاب اليمين الصهيوني المتمثل في رفض الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه، وضع نتياهو لاءات اليمين الصهيوني المتمثلة في رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحل مشكلتهم خارج حدود "إسرائيل"، أي نفي المسؤولية التاريخية عن نكبتهم بفعل قيام دولة الاحتلال فوق أرضهم وإبقاء المستوطنات، و السيطرة الإسرائيلية على دولة للفلسطينيين منزوعة السلاح والحدود والمياه والأمن، وعدم الإقرار بالانسحاب من الجولان السوري ومن مزارع شبعا اللبنانية، تاركا لدولة الاحتلال الحق بالتحكم في مصير المنطقة وشعوبها.

وضع نتنياهو الفلسطينيين والعرب أمام حقيقة ثابتة من وهم الانتظار والرهان على الراعي الأمريكي ومنة المحتل في الخضوع للمطالب العربية المتمثلة في المبادرة العربية الشهيرة للسلام التي لم يتعظ الواهمون من الرد الإسرائيلي عليها وما فعله شارون بعد يوم واحد من إطلاقها وبعد ثماني سنوات من الاستجداء الرخيص من السلام الذي أصبح رديفا للتسول والفشل في تبني الخيارات السلمية لمواجهة الخطر الإسرائيلي ومشاريعه التي تقضي على مستقبل وحياة الشعب الفلسطيني.

الوقاحة التي عبر عنها نتنياهو في خطابه بدعوة الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة كشرط للقبول بكيان فلسطيني حدد معالمه بنزع سلاحه وغير ومحدد في حدوده وسيطرة إسرائيلية على أرضه وبحره وجوه ودعوة العالم العربي بخطاب استعلائي متعجرف لإقامة سلام اقتصادي للاستثمار في أرض "إسرائيل" والاستفادة من التفوق الإسرائيلي في مجال الصناعات التكنولوجية والتقنية للري، هو تقديم إسرائيل كدولة استعلائية متفوقة على محيطها العربي غير الديمقراطي والاستفادة من نموذجها في المنطقة كمدخل للسلام.

الكرة الآن في الملعب العربي والفلسطيني ولن نعول كثيرا على ردة الفعل الأمريكية والغربية من خطاب وسياسات نتنياهو الواضحة في كتابه "مكان تحت الشمس" كترجمة لأفكار اليمين الصهيوني. والسؤال الموجه للنظم العربية أولا عن أية صهيونية نتصالح ونفتش بعد 61 عاما على نكبة الشعب الفلسطيني؟

لقد حان الوقت لسحب المبادرة العربية للسلام كعبارة ممجوجة في الخطاب السياسي العربي والفلسطيني التي أعطت الحق لإسرائيل في التغول في عدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني، وتصعيد إجراءاتها وخطابها العدواني ضد العرب والفلسطينيين. وهي دعوة لإيقاظ النائمين والواهمين من الفلسطينيين والمعتدلين العرب من نعيم السلام المنتظر في أن يمنه الإسرائيلي والأمريكي عليهم.

وهي دعوة لأطراف السلطة الفلسطينية بإعادة النظر باليات التفاوض مع الجانب الإسرائيلي والعمل الجدي والمسؤول أمام شعبها والشعوب العربية بأخذ موقف موحد وحاسم بالتنسيق مع كل القوى الوطنية الفلسطينية لمواجهة مخاطر الخطاب الصهيوني الذي له ترجمة وفعل على الأرض الفلسطينية تكون بإنهاء حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والتنسيق مع سوريا والفصائل الموجودة على أرضها وإعطاء الأغلبية الصامتة من الشعب الفلسطيني حقها ودورها في إدارة الصراع، وأن يكون شعار جولة الحوار القادمة في القاهرة هو عودة اللحمة الوطنية لمواجهة العدوان.

ودعوة أيضاً للأنظمة العربية للخروج عن صمتها المريب من خطط حكومة اليمين الصهيوني، وإسقاط خيار الرهان على المبادرات وخيار الانتظار من الراعي الأمريكي الذي اثني على خيار اليمين الإسرائيلي ورسائله التي حملها خطاب نتنياهو.

خيبة المشهد الذي لا نريده أن يكون مقتلنا إن استمر التماهي مع مشاريع "السلام" المطروحة مع ابتلاع الأراضي و فرض الحصار وسرقة المياه والعدوان واستمرار الاستيطان وضياع القدس أمام ناظرينا والمخاطر التي تتهدد فلسطينيي 48 من خلال الدعوة للاعتراف بيهودية الدولة كشرط و لتأسيس نكبة جديدة لمليون ونصف فلسطيني لا يحق لهم الاعتراض والعيش كأقلية في دولة يهودية حسب التصنيف الإسرائيلي.

وفي معرض قراءة التاريخ والواقع ليس من الغريب في ظل هذا الانصياع والصمت العربي الغريب أن نرى سياسة عربية يعاد استنباطها مجددا سمتها الانصياع والزحف على البطون أمام رهان الاعتقاد على خطاب متغير من جامعتي القاهرة وتل أبيب حمله أوباما ونتنياهو إلى العالمين العربي والإسلامي لن يكون لها في نهاية المطاف سوى وضع النقاط على الحروب التي تجتهد دولة الاحتلال في إشعالها في كل محطة من محطات التيه العربي والفلسطيني طالما ظل الفلسطيني والعربي مفتقداً إلى بوصلته الحقيقية..