فتح الداخل../ ساطع نور الدين

أضاعت حركة حماس فرصة ذهبية عندما امتنعت عن الإعلان أنها تمنع الفتحاويين المقيمين في قطاع غزة الخاضع لسيطرتها من التوجه إلى بيت لحم للمشاركة في المؤتمر السادس لحركة فتح المقرر افتتاحه اليوم، لا لأنها تريد إطلاق معتقليها في الضفة الغربية المحتلة، بل أساسا لأنها تريد الحؤول دون انعقاده في منطقة خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، بدافع الحرص على الحركة المؤسسة للمشروع الوطني الفلسطيني وتاريخها ودورها.

لكن حركة حماس أثبتت مرة أخرى أنها جزء من المعضلة الداخلية للفلسطينيين أكثر مما هي الحل أو البديل لحركة فتح التي ستفقد اعتبارا من اليوم الكثير من رصيدها التاريخي عندما تكرس في مؤتمرها السادس المؤجل منذ عشرين سنة، العودة إلى الداخل تحت السقف الإسرائيلي، للبحث في أشكال التعايش مع المحتلين، والسعي للحصول منهم على ما يمكن ان يسمح به الموقف الاسرائيلي المتشدد والظرف العربي الصعب والمناخ الدولي الملتبس من حقوق وطنية فلسطينية، صارت أشبه بمطالب نقابية!

الفترة الفاصلة بين المؤتمر الخامس في تونس في العام 1989، والمؤتمر الحالي في رام الله، كانت أشبه بنكبة فلسطينية ثانية: القيادة تقف على مسافة آلاف الكيلومترات من حدود أرضها ومن شعبها الذي اتسعت منافيه، وزاد عدد مخيماته، ولم يبق أمامها سوى البحث عن سبيل للعودة إلى ما قبل غزو لبنان العام 1982، إلى اقرب نقطة ممكنة من الوطن السليب، ومن القضية التي كانت مهددة في ذلك الحين بأن تفقد حتى هويتها الثقافية وتضيع في هويات أخرى كانت جاهزة لاحتوائها.

كان اتفاق اوسلو بعد ذلك بأربعة اعوام خيارا إلزاميا وحيدا للخروج من تونس، ثبت في ما بعد أن العدو نفسه ليس جاهزا لاحترامه، كما ثبت أن القيادة تسرعت في توقيعه من دون الضمانات الضرورية للعودة التي انتهت إلى قرار إسرائيلي بتصفية مؤسسات السلطة الوليدة واغتيال القائد.. لكن الانتقال الى الداخل كان قد تم، ولم تعد الهجرة الثانية متاحة.. كان العدو يريد رهائن وأسرى وسجناء أكثر مما كان يريد مفاوضين أو مساومين او حتى رجال شرطة.

المؤتمر السادس اليوم يكرس هذا الانتقال ويصبغ عليه صفة رسمية نهائية، ويحتفظ فقط بالحق الذي حافظ عليه الراحل ياسر عرفات، وهو حق عدم التوقيع الذي لا يمكن أن يسلب بسهولة، على كل ما هو دون الدولة المستقلة في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، وعدا ذلك لكل مقام مقال.. بما في ذلك التورط في الجدل حول يهودية دولة إسرائيل!

ليس هناك معنى آخر للمؤتمر سوى أنه يمهد للداخل أن يتولى القيادة أو الوراثة التي حصرت على مدى العقود الأربعة الماضية في الخارج، الذي طاف بالقضية في أرجاء العالم كله، قبل أن يقتل على مقربة من القدس، ومن مكان تجمع الفتحاويين اليوم في محاولة جديدة لشق طريق مسدود.
"السفير"