قراءات فيما بعد المؤتمر../ أيمن حاج يحيى


انتهى مؤتمر فتح المنعقد في بيت لحم وسط جلبة إعلامية غير مسبوقة عالميا لأي نشاط حزبي حتى ولأهم الأحزاب عالميا، صاحبها جدل ونقاش جماهيري وإعلامي وعالمي محموم غلب عليه الطابع المشكك والمخون والمتشائم تصدرته أقلام لامعة عربيا وعالميا غلب على كتابتهم التباكي على فتح وتاريخها وثورتها وأيامها المجيدة، ووصفهم للمؤتمر بأنه مقبرة فتح مع أن جزءا كبيرا منهم معروف بمعاداتهم لفتح حتى أيام كانت تتصدر الكفاح إذا كانت الحجة أيامها أن فتح هي تحالف اليمين الفلسطيني الجشع. ومن بحث عن قراءة شاملة وحقيقة للمؤتمر بكل جوانبه فأنني اشك إن كان وجد بغالبيه هذه المقالات إلا ما ندر وكان آخرها ما كتبه الأستاذ هاني المصري.

وإن كنا نحاول أن نفهم وقائع المؤتمر فلابد لنا من معرفة خلفية قرار عقده زمانا ومكانا، وخاصة أن مكان عقده كان محط جدل كبير بتبرير تحريم عقده تحت حراب الاحتلال حتى لا يؤثر ذلك على قراراته. ورغم أن لهذا الطرح ما يؤيده فإن غالبية كادر فتح رفض هذه الحجة كسبب للمس بشرعية المؤتمر، وردوا بتساؤل محق أهو عار وخيانة عقد مؤتمر لحركة أو حزب تحت الاحتلال وشرعي وحلال عقد انتخابات وتشكيل حكومة تحت ظل الاحتلال؟؟

وقد كانت اللجنة التحضيرية للمؤتمر أخذت قرارا بعقده في إحدى الدول العربية (مصر أو الأردن) إذا أمكن، وإذا تعسر ففي غزة إذا تمت المصالحة. وإذا فشلت كل هذه الاحتمالات خولت اللجنة المركزية باتخاذ قرار بعقده داخل الوطن. وبالنهاية هذا ما كان وصدق المجلس الثوري هذا القرار. وقد كان هناك إجماع فتحاوي واسع على ضرورة عقد المؤتمر بكل الظروف لأن الأمور لم تعد تحتمل أي تأجيل أو إلغاء. وللمطلع على الحالة الفتحاوية يعلم أن الحاجة الأساسية لعقد المؤتمر كانت بالدرجة الأولى لوقف حاله الانهيار الشامل لفتح على كافه النواحي والمستويات التنظيمية والجماهيرية والسياسية وحتى الأمنية، ففتح كانت وما زالت تعاني من مشاكل عصيه تهدد وجودها. ورأى الكل الفتحاوي بالمؤتمر محاولة إنقاذ شبه أخيرة، خاصة بانعدام بدائل حل أخرى. ومن هنا ينبع الخلط في النظر للمؤتمر بين المؤتمرين وعموم المراقبين للمؤتمر والذين أخطأوا حينما حملوا المؤتمر أكثر مما يحتمل، فبات يظن المرء أن المؤتمر مطالب بتحرير فلسطين وحل كافه أزمات الأمة العربية. ورغم الاتفاق على أن عقد المؤتمر في الأرض المحتلة آمر له دلالته ألا أن الغالبية قبلت بعقده، واعتبرته ضمن التناقضات التي يضطر الفلسطيني أن يقبل بها في ظل الاحتلال. وكان الرأي السائد أن عقده في بيت لحم سيء ألا أن الأسوأ هو عدم عقده. وعلى هذا الأساس شاركت الغالبية الساحقة من فتح بالمؤتمر.

وقد كان من المقرر للمؤتمر أن يستمر لمده ثلاثة أيام إلا أن طبيعته العاصفة وكثرة القضايا الساخنة المطروحة على بساط بحثه أجبرت الرئيس أبو مازن على تمديده لمده ثمانية أيام. وهذا بالتأكيد يناقض ما صوره لنا الكاتبان الكبيران رشاد أبو شاور والأستاذ بلال الحسن من المؤتمر "صف بصيمة"، والذي حقيقة لا أعلم من أين استقوا معلوماتهم، أو كما وصفها الدكتور سمير غطاس ( د.محمد حمزة) من على شاشات الجزيره بأنها "خررايف".

فقد تميزت جلسات المؤتمر لمن يريد أن يعرف بنقاش حقيقي وجدي ومعمق لمختلف القضايا المطروحة وشكلت 18 لجنة مختلفة لبحث هذه القضايا وتقديم توصياتها للمؤتمر. ولوحظ أن هذه الجان تمتعت بقسط كبير من الاستقلالية والمهنية في طريقه عملها، وغالبا ما قبلت أغلب توصياتها خاصة اللجنة السياسية والتنظيمية ولجنه القدس.

وبتصوري أن توصيات هذه اللجان تستحق المتابعة لاستقراء نتائج المؤتمر وتحديدا اللجنة السياسية، فعموما لم يتجرأ أي من محاور المؤتمر، وكانت حاضره بقوه هذه المحاور، على المس بالثوابت الوطنية. وطبيعة تكوين فتح يجعل ذلك شبه مستحيل إلا أنه أدخلت هناك تغييرات جدية على أساسيات فتح ونظامها الداخلي تستحق التوقف عندها. ومن يعرف النظام الداخلي لفتح وتحديدا باب الأساليب يلاحظ ذلك. فسابقا اعتمدت فتح أسلوب الحرب الشعبية طويلة الأمد وضرب التفاعل الأفقي والعامودي للمستوطن بأرض فلسطين كأسلوب أوحد لتحرير فلسطين مستوحية ذلك من تجارب ثورات أخرى منها الكوبية والجزائرية والصينية. وفي هذا المؤتمر شطب هذا الأسلوب كأسلوب أوحد وأعطيت الأولوية للخيار السلمي ولخيار المفاوضات مع عدم إسقاط الحق بكافه أشكال المقاومة، بما فيها الكفاح المسلح دون التفصيل فيه. وهذا يعتبر تغيرا أساسيا يحسب انتصارا لرؤية محمود عباس بكيفية إدارة الصراع.. ثانيا كان هناك صراع محتدم بين محورين أساسيا على تعريف فتح هل هي حزب سياسي أم حركه تحرر وطني لم تكتمل مهمتها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وحسم الأمر على أن فتح حركه تحرر وطني لم تكتمل مهمتها مع مراعاة الحالة الفريدة التي تعيشها فتح كونها حاضنة السلطة وحاضنة المشروع الوطني في ذات الآن.

القي الانقسام بظلاله الثقيلة على المؤتمر وقسم المؤتمرين بين محورين رئيسين؛ الأول أصر على أن تناقض فتح الرئيسي مع الاحتلال حسب ما ينص برنامج فتح وأنه يجب العمل دائما على تصعيد هذا التناقض وخفض كافة مستويات التناقضات الثانوية. أما المحور الثاني وتحديدا محور محمد دحلان فقد طالب بتصعيد التناقض مع حماس وتحويله إلى التناقض الرئيسي لفتح حاليا، معللا ذلك بعدم إمكانية إدارة الصراع مع وجود تناقض كهذا. وفي هذا الأمر كان الحسم لصالح التيار التقليدي بفتح وحسم لصالح البرنامج الأساسي وهو ما برز محمود العالول ( أبو جهاد) بتبنيه.

أما على المستوى التنظيمي فهناك تغيرات كبيرة غير مسبوقة في حجمها وطبيعتها من الصعب هنا إجمالها، إلا أن أهمها هي السابقة التي أقدمت عليها فتح. فهي أول حزب حاكم أعرفه يحرم على قيادته السلطة. فحسب قرارات المؤتمر فإن الاتجاه جاري باتجاه منع أي من أعضاء المركزية من تبوؤ أي منصب وزاري أو أمني، وهذه على الأقل عربيا غير مسبوق. ويتبع هذا القرار عده قرارات تعمل على فصل فتح عن السلطة حتى ماليا وتنظيميا، لمنع فتح من الاستمرار بالذوبان بالسلطة بإيجابيتها وسلبياتها، ولحفظ خط الرجعة لفتح.

بكل الأحوال هذه القرارات من المفروض أن نشهد فتح غير متعلقة أو مرتبطة بالسلطة وأجهزتها، مع التأكيد على أن السلطة مشروع فتح، وأن فتح ستبقى حاضنة مشروع السلطة.

وللأجمال نقول أن فتح لم تستطع الجزم بطبيعة المرحلة السياسية المقبلة على المنطقة، ومن هذا المنطلق كان التوجه بإبقاء كل الأبواب مفتوحة وكل الخيارات متاحة. وبرؤية أخرى أبقت لنفسها حرية الحركة بأي اتجاه مستخلصة العبر من العملية التفاوضية العبثية في العقد المنصرم، محددة لنفسها بتحريم العودة على هذا النوع من المفاوضات. ومن هذا المنطلق أضيف للبرنامج السياسي 14 بندا جديدا لمنع تكرار هذه الحالة ولوضع كوابح للمفاوض الفلسطيني على رأسها اشتراطات عديدة للعودة للمفاوضات من أبرزها عدم العودة لطاوله المفاوضات بدون وقف تام وشامل للاستيطان بكل أشكاله وتحديدا في القدس، والرفض التام بالاعتراف بيهودية الدولة حفاظا على حق العودة، ولمنع أي مس بفلسطينيي الداخل كما جاء بوثائق المؤتمر.

لقد أنجزت فتح مؤتمرها واضعة نصب أعينها ثلاثة أهداف عينية ستركز جهدها عليها وهي:

أولا.. اعتبر المؤتمر أن الأولوية النضالية في المرحلة الحالية هي لوقف الاستيطان وتهويد القدس
ثانيا... تطبيق كافه القرارات الإصلاحية المتخذة والعمل على إعادة بناء الحركة واستعادة مكانتها التاريخية
ثالثا.. العمل على إنهاء ملف الانقسام وإطلاق حوار جدي مع حماس وإعطائه فرصته بالنجاح مع الاحتفاظ بحقها باستخدام وسائل أخرى لإنهاء الانقسام في حال فشل الحوار
وختاما نقول إن الامتحان الحقيقي سيكون البعد بين النظرية والتطبيق، والمحك العملي هو بين ما يقال وبين ما يحدث عمليا. والتساؤل الأكبر سيبقى هل ستبقى فتح كما هي أم ستسعى لإنقاذ نفسها ومعها المشروع الوطني برمته، وهو ما ستجيب عليه الأيام القادمة..