في انتظار اختراق السراب../ نزار السهلي*

الخطاب السياسي الأمريكي و الغربي والعربي والفلسطيني المطالب لإسرائيل بوقف وتجميد الاستيطان كشرط للعودة لطاولة المفاوضات كأساس لانطلاق عملية التسوية من جديد لانجاز اختراق في العملية السلمية كمن يلاحق السراب بعد انحدار الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي لأدنى مستوياته في مواجهة العدوان المتواصل قبل وبعد وأثناء ما سمي بعملية السلام التي تحاول كل الأطراف المعنية بها إعادة بث الوهم المتأصل بها لما آلت إليه قضية الشعب الفلسطيني وأرضه التاريخية المستباحة بالاستيطان والعدوان وجدران العار.

فقد أوردت صحيفة هارتس 30/ 8 إن مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للعلاقات العامة فيليب كارولي حين سأل إذا كان المبعوث الخاص جورج ميتشل قد وافق بالفعل على الاقتراح الإسرائيلي الذي تضمن تجميدا مؤقتا للاستيطان، دون أي تعهد بالنسبة لشرقي القدس قدم إجابة طويلة وملتوية بما فيها أن الولايات المتحدة لن تفرض شروطا على إسرائيل أو السلطة الفلسطينية، وأن هذا منوط بتقدير الطرفين من خلال المحادثات التي تأمل إطلاقها الولايات المتحدة بعد تقديم رؤية أوباما لانطلاق عملية السلام في المنطقة خلال الشهر الحالي.

وعند سؤاله عن شرط التجميد للاستيطان إن كان لازما أم لا قال كارولي سنرى كيف تتقدم المباحثات. وهذا الطرح يقدم إجابة واضحة عن حقيقة الموقف الأمريكي الذي استبشر به النظام الرسمي العربي والفلسطيني لممارسة الضغط على إسرائيل من الانتقال من مطالبتها بإزالة كل المستعمرات الاستيطانية فوق الأرض الفلسطينية إلى رجائها بالقبول بالتوقف أشهر أو أيام معدودات لنقبل الجلوس معها وإخراج عملية التجميد المؤقت للاستيطان على أنه اختراق مهم في عملية التسوية تستوجب من النظام الرسمي العربي أن يقدم مكافأته المجزية لدولة الاحتلال بخطوات التطبيع الاقتصادي لاستكمال رؤية نتنياهو للسلام الاقتصادي المرجو إسرائيليا من العالم العربي الذي يسيل لعاب البعض الفلسطيني والعربي له، متناسين أن قضية الشعب الفلسطيني والشعب العربي هي بالاحتلال والاستيطان، وأنه دون إزالة الاحتلال ومخلفاته الاستيطانية فوق الأرض الفلسطينية والعربية السورية في الجولان ودون عودة القدس واللاجئين لن يكون هناك سلام في منطقة الشرق الأوسط مهما امتد الزمن، ومهما اجتهد الطامعون ذوو النيات الحسنة والسيئة في تقديم الحلول للفوز بسلام نتنياهو الاقتصادي أو صداقة اوباما "المتغير" في الظاهر والثابت على المصالح الإسرائيلية المبتعد عن جوهر الصراع المتمثل بإزالة كل جوانب الاحتلال.

في الأيام القليلة الماضية قامت وزارة الخارجية الإسرائيلي بتشكيل فريق سياسي ضخم على رأسه وزير خارجيتها ليبرمان مهمته شرح الموقف الإسرائيلي من العدو العربي سيجول في الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع اللوبي الصهيوني سيمكث من 6 أيلول وحتى 18 منه لعقد اجتماعات مع أعضاء الكونغرس والبنتاغون ومجلس الشيوخ مهمته شرح الموقف الإسرائيلي من قضية عملية السلام والاستيطان وتقديم الرؤية المتمثلة في أن مشكلة الطرف الإسرائيلي في المنطقة، كما جاء في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، هي مع مجموعة من المتطرفين الأصوليين تدعمهم إيران وسورية يشكلون عقبة أمام المشروع الأمريكي للسلام وأمام الاستعداد الإسرائيلي للسلام الاقتصادي مع الفلسطينيين والعرب، وهذا يتطلب من أمريكا ممارسة المزيد من الضغوط على إيران وسورية لحملهما على فك ارتباطهما مع قوى "الإرهاب" في المنطقة، وإعادة الاعتبار لقوى الاعتدال في المنطقة كمدخل للرؤية الأمريكية المنتظرة من خطاب أوباما. هذا الرهان الإسرائيلي يواجه بحراك عربي منعدم الوجود بانحدار الخطابات السياسية غير الفاعلة وغير المؤثرة لا في الداخل العربي و لا على المستوى الإقليمي والدولي، كما بقيت السياسة العربية مثلما عهدتها شعوبها وشعوب العالم تتأثر ولا تؤثر، مفعولا بها ولا تحرك ساكنا تحمل ذاكرة قصيرة، وكلما اشتد العدوان عليها تردد المثل العربي "الحجر يلي ما بيقتلك بيقويك" وتتوالى الضربات على الرؤوس، ونحن نرى طأطأة الرؤوس كلما زاد العدوان وأوغلت إسرائيل فيه يمنة ويسرة وشمالا وجنوبا ببكائية مجانية عن اللاجئين والقدس والمستوطنات والجدار وبيت الشرق والنفق وجبل أبو غنيم والأسرى وصهينة وعبرنة ما تبقى من عرب 48 واتفاق الخليل وطابا والتنكيل بالشعب الفلسطيني والحصار، والقائمة تطول ولا تقصر وصولا إلى اتفاق أوسلو الذي سنحتفل بمرور الذكرى السادسة عشر عليه بعد أيام، وهي كافية لكي نرى إلى أين يسير المشروع الصهيوني، وأين يسير الجانب الفلسطيني والعربي غير طريق الانتظار في أن يخلق فجوة في السراب.. وإن وجد أحد غير ذلك فليخبرنا رجاء..