السودان وشرقه... نهاية تمرد أم كمون وانتظار؟!/عبد اللطيف مهنا

لا تقتصر مشاكل السودان ذات الصبغة المصيرية على احتمالات خطر انفصال يلوح أو يُلَوَّح به في جنوبه، ولا بلوى تمرد أشبه بحالة استنزاف عبثية مبيتة لا يراد لها توقفاً في غربه، وهذان أمران كنا قد عالجناهما في مقالين سابقين قد تتاليا، وإنما قد تشارك جنوبه وغربه في بعض ما هما فيه باقي جهاته الأخرى، أو بما يرهص بما هو أشبه بحاليهما، وكأنما قدر هذا البلد العربي شبه القارة مساحات، والمتعدد أعراقاً وأقواماً وثقافات، والهائل قدرات وإمكانيات وثروات، وذو الموقع الجيوبولتيكي الهام، ثم كجسر حضاري عربي يربط الأمة بجوارها الأفريقي، إن يظل ينوء تحت أثقال ضريبة خصوصيته وموقعه ودوره، وإطماع الطامعين في ثرواته.

بعد عام على توقيع اتفاق نيفاشا المتعلق بإنهاء الحرب في جنوبه، تم توقيع اتفاق سلام أسمرة المتعلق بوقف التمرد الدائر في شرقه في احتفالية رعاها الرئيسين السوداني والإريتري... كان هذا في العام 2006، ومن يومها هدأت جبهة الشرق هذه، حيث حصل المتمردون مقابل هذا الهدوء وكحل للمشكلة على مناصب إدارية وقليل من سياسية، مع وعود تنموية...
هل هذا يعني أن المشكلة قد سويت، وأن هذه الثغرة في الجدار السوداني قد سدت؟

هنا لابد لنا من التوقف ملياً أمام ثلاث، أولاها، موقع الإقليم وأهميته الجيوبولوتيكية والاقتصادية. وثانيهما، الدوافع والأسباب والظروف المحلية والداخلية والإقليمية والدولية التي أججت التمرد، ودعمته، ووقفت من وراءه. وكذا، وهنا نأتي إلى ثالثتهما، ذات الظروف المحلية والداخلية والإقليمية والدولية، التي ساعدت على وقفه، أو قضت بتوقيع الإتفاقية التي أعلنت انهاءه. أي أننا ونحن نتصدى للإجابة على تساؤلنا، لابد وأن نأخذ في الحسبان كافة هذه العوامل لندرك ما إذا كان هذا الهدوء الظاهر، الذي يعيشه الإقليم إثر تنفيذ هذه الإتفاقية، هو ركون نهائي إلى حل منشود ترسّخ أم أنه مجرد كمون مؤقت لنار فتنة تحت رماد إتفاقية فرضتها الظروف المشار إليها آنفاً؟

تنداح تخوم الإقليم المترامية من منطقة القلابات المحاذية للحدود الأثيوبية الغربية مروراً بالحدود الأرترية فكامل الساحل السوداني على البحر الأحمر وحتى مثلث حلايب على الحدود مع مصر، حيث تقع الموانئ السودانية الوحيدة الثلاث، بور سودان، وسواكن، والميناء النفطي السوداني البشائر. والإقليم الذي يحتوي على أكبر منجم ذهب في السودان في منطقة أرياب والمنتج لما يقدر ما بين خمسة إلى ستة أطنان سنوياً، تقع فيه خزانات المياه الرئيسية في البلاد، مثل خشم القربة، وفيه تتركز المشاريع الغذائية الكبيرة في ولاية القضارف. يضاف إلى ذلك أهميته الجيوبوليتيكية، إذ أنه يشكل تماساً مع كل من الجزيرة العربية، عبر البحر الأحمر، ودول القرن الأفريقي... كما أنه وحده يحتكر الخلافات الحدودية مع جيران السودان، والتي، فيما عدا الخلاف مع مصر حول مثلث حلايب، تحرك باقيها الأطماع الأثيوبية والأريترية، حيث مصدر الخلاف مع أثيوبيا يعود لأطماعها في مثلث القشقة الخصيب المحاذي والمتداخل مع منطقة المتمة الأثيوبية، وهي المنطقة التي يقطنها فرع من قبيلة الجعليين العربية، التي ينتمي إليها الرئيس السوداني البشير ووزير خارجيته مصطفى عثمان طه، والذي كان قد هاجر إليها هذا الفرع الجعلي تجنباً لانتقام والي مصر محمد علي إثر واقعة اسماعيل باشا الشهيرة، ابنه وقائد حملته على السودان، الذي كان أن قضى هؤلاء الجعليون عليه حرقاً مع قيادته... أما مع اريتريا، فإن بعض الامتدادات الإثنية لمجموعات قبلية أغلبها رعاة إبل عابرون للحدود يجوبون مناطق جافة، مثل البجا وبني عامر والهدندوا، والتي تبدأ فروعها بالبشاريين شمالاً حيث الحدود السودانية المصرية وتتوغل في عمق الساحل الأريتري جنوباً، تشكل ركيزةً للأطماع الأريتيرية ودافعاً لها، إذ تضع أسمرة أنظارها على مناطق كسلا والقاش ودلتا طوكر... أما إشكالية مثلث حلايب مع مصر فيعود إلى الحدود التي اختطها الاستعمار البريطاني قبل رحيله، وهي إشكالية لم تكن قيد التداول حتى حادثة محاولة إغتيال الرئيس المصري في اثيوبيا المعروفة، والتي تحركت بعدها القوات المصرية إلى داخل المثلث ولازالت فيه... كيف بدأ التمرد؟

تعود جذور التمرد شرق السودان للاحساس الكامن لدى المجموعات البجاوية تحديداً بنوع من الهوية الخاصة، يغذيه تاريخياً أنه كانت للبجا يوماً من الأيام إمارة خاصة بهم، وكباقي أطراف التمرد في كافة جهات السودان، تتزعم النخب مثل هذه النزعات عادةً ويقتصر هذا بدايةً عليها، إذ بدأ التحرك بعيد الاستقلال مباشرة بانعقاد مؤتمر البجا العام 1957، الذي تزعمه طه عثمان بليّه. أعقبه مؤتمر في العام 1960، والذي يعدّ بداية للتحضيرات للحركة العسكرية لاحقاً. وهنا تجدر الإشارة إلى العلاقة الوطيدة والمتأثرة حينها بحركات التحرر الأريترية، وخصوصاً جبهة التحرير الأريترية، هذه المرتكزة بشرياً على سكان المنخفضات الأريترية من ذوي الأصول البجاوية. أما المؤتمر الذي عقد فيما بعد في بداية التسعينات، فقد ضمّ نزعات قومية اجتماعية ويسارية وعلمانية. وكانت حركة التمرد هذه شأنها شأن حركات التمرد السودانية الأخرى، تلك التي ترفع بدايةً لواء التهميش سبباً، وهو حقيقي غالباً، ثم تتعالى داخلها عادةً أصوات نخبوية انفصالية ذات نزعات عنصرية، لكنما علينا ملاحظة أن الوضع في شرق السودان هو مختلف في كون أطراف التمرد هنا لا تقتصر على البجاويين وحدهم، وهم الذين لا يشكلون سوى 30% من سكان الإقليم، فهناك الطرف الثاني فيما يسمى تحالف جبهة الشرق، وهو الرشايدة، وهم قبيلة عربية ذات تقاليد مغلقة ترفض الاختلاط بسواها، وشكلت فصيلها المقاتل الخاص بها، المعروف بالأسود الحرّة، وهي إذ تتحالف مع البجا لكنما ظلت ترفض الانضمام لمؤتمرهم، كما أنها وباقي السبعين في المائة من سكان الإقليم هي ضد الانفصال... يضاف إلى هذا أن أي شعارات انفصالية عنصرية هنا هي مستقبلاً خاسرة إنتخاببياً، لاسيما، وعلى سبيل المثال، وأن نفوذ الميرغني الديني في جماهير البجا أنفسهم، والتي في غالبيتها ليست مع الانفصال، هو أكثر تأثيراً من نخبهم المتمردة، ولذا فهذه النخب تشعر بالعداء اتجاه زعيم الطائفة الختمية أكثر منه اتجاه الرئيس السوداني البشير نفسه!

إذن، وكما أشرنا، لقد أسهمت جملة من العوامل، التي تضافر تأثيرها، في إشعال جبهة الشرق هذه ودعمها ورعاية تمردها، ويأتي هنا في المقدمة النظام الأريتيري، الذي احتضن في حينه كافة صنوف المعارضة لنظام الحكم في السودان بأجنحتها السياسية والمسلحة، ورعى على التراب الأريتري قواعد ومعسكرات لجبهة قوامها، قوات مؤتمر البجا، والتحالف الوطني السوداني المعارض، ولواء مجهز من قوات الحركة الشعبية الجنوبية المتمردة، التي كان زعيمها جون غرنق يرى في تنشيط جبهة شرق السودان ما يخفف الضغط الحكومي عليه في الجنوب. ثم جاءت محاولة إغتيال الرئيس مبارك المشار إليها، وموقف السودان من غزو العراق، فأعطيا التمرد بعداً عربياً رسمياً مشجعاً من قبل بعض الأطراف العربية، لاسيما المؤيدة منها للغزو، بالإضافة إلى أن مسألة تهديد خطوط تصدير النفط وانعكاس ذلك على عملية محاصرة الخرطوم اقتصادياً جعل من أطراف دولية عديدة تبارك التمرد وتدعمه... هذا ما كان، فما الذي تغير فأدى إلى الوصول إلى اتفاقية سلام 2006 في أسمرة!؟

إنه تغير التوازنات الدولية والأقليمية والداخلية، وأهمها:
تغيّر سياسة النظام الأريتري، الذي رأى أن من مصلحته كسب السودان، أو تحييده على الأقل، في صراعه مع أثيوبيا، بالإضافة إلى كلفة دعمه للتمرد وهو يعيش أزمة تردي إقتصادي مزمنة وبالتالي حاجته الماسة لفتح الحدود مع السودان. ثم توقيع اتفاقية نيفاشا مع الجنوب بحيث لم يعد غرنق في وارد مواصلة دعم حلفاء الأمس. ثم تهدئة الخلافات المصرية السودانية، وانتهاء الخلافات العربية مع السودان تقريباً... يضاف لكل هذا خروج الترابي من السلطة...

والآن، وبالإضافة إلى كون اتفاق السلام هذا لم يشمل كل القوى المتمردة، الحركة الوطنية لشرق السودان، مثلاً. ولأن من وقعوها ينقسمون اليوم بين من هو مع الحكومة ومن هو ضدها، ومنهم من اختار خير الأمور الوسط، فما هو مستقبل سلام أسمرة؟

من الطبيعي الإجابة بالقول: إنه يظل رهن التوازنات إياها التي دعمت التمرد سابقاً ثم دفعته لاحقاً للجنوح إلى السلام... ويكفي هنا أن نقول أنه إذا ما اشتعل الجنوب مجدداً، وهذا أمر غير مستبعد، أو عاد التوتر مرة أخرى مع أريتريا، فحينها لا عجب ولا هو بغير المتوقع أن يشهد شرق السودان مرة أخرى حالاً يمكن وصفه، وببساطة، بأنه إنما عود على بدء!