فلسطينيّو لبنان: تعالوا نُبدهم!../ نهلة الشهال

ما دمنا نستبيحهم بهذا الشكل، ونسيء معاملتهم إلى هذا الحد، فعلامَ النفاق؟ نبيدهم، إن لم يكن واقعياً (بسبب استحالة الممارسة، ليس إلّا) فافتراضياً. وهنا، لا فوارق يُعتدّ بها بين مواقف القوى السياسية، وليس هناك ما يعاكسها في الحس العام السائد. أقصد في الحقيقة، لا في الكلام، أو ربما في النيّات.

فحزب الله، القوي المتنفّذ، محرج بسبب شدة قوته وكثرة سلاحه، فيتجنّب إثارة الموضوع. والحزب الشيوعي ضعيف، وسيبدو مسلكه التضامني، إن حصل، مفتعلاً، غريباً وماضويّاً (سيقول العالمون بخفايا الأمور، وهم نصف محلّلين سياسيّين ونصف محلّلين نفسيّين، كما هي الموضة الدارجة اليوم، إنّه حنين إلى أيّام علاقته الوثيقة بالمقاومة الفلسطينية)، فيتجنّب هو الآخر الخوض في الأمر.

البعض يقول بعض الأشياء، رفعاً للعتب ولكن ليس أكثر، كأنّما هناك تواطؤ على احترام هذا القدر من التدخّل، أو التجاهل.

قبل أيام قليلة، خرج شبان مخيم برج البراجنة لقطع طريق المطار ليلاً. فالطريق يحاذي مخيمهم. خرجوا لأنه طفح بهم الكيل من انقطاع الكهرباء الدائم عنهم. احتجّوا أخيراً. تدخل الجيش وفتح الطريق بسرعة وبدون وقوع تصادم وضحايا.

وهذا مختلف عما كان سيحدث لو أن المحتجين لبنانيون. لأنه لو حدث “إشكال”، لكانت قد انطلقت الحناجر والأقلام تتبيّن التوطين من خلال وقاحة المطالبة بحقوق... تعاملوا بدايةً بروح النكتة الساخرة مع الحرمان التام من الكهرباء (من بين أشياء أخرى)، معتبرين أن وجود ملايين السياح، من خليجيين ومغتربين لبنانيين، يبرّر منح الأولوية (المطلقة) في التغذية الكهربائية لمناطقـ(هم)، أي لأحياء الأغنياء والشقق المفروشة والفنادق. شيء من هذا (كثير منه) يحدث مع أحياء الفقراء في لبنان، ولكن ثمّة مع ذلك تراتب، والمخيمات في أسفله.

في رمضان، قالوا لأنفسهم إن الأولوية تصبح مزدوجة، فلا يعقل أن يعاني هؤلاء السادة من الحر ومن الإفطار على ضوء الشموع، فهم غير معتادين. وهكذا اختفت طوال الصيف المياه الباردة من المخيمات، وتعذّر الاحتفاظ بالأطعمة الطازجة، وراحت النسوة يطبخن وجبات فورية. أما الإفطار، فعلى ضوء الشموع وقناديل الكاز. والكاز مشتقّ من النفط. هل قلتم نفط؟ أعوذ بالله من شبهة مؤامرة التوطين بدليل وجود نفط في المخيمات... إلى آخر الهذيان.

أما في نهر البارد، فيتعذّر البدء بخطة الإعمار، ويتعذر السماح لأهاليه بالعودة إلى بيوتهم، بل حتى بتفقّد أماكنها. فقد اكتُشفت هناك آثار. والآثار في لبنان مهمة يا سادة، وهو بلد سياحي من الطراز الأول كما تعلمون. ثم إن للتراث هنا حساسياته، فمسائل الهوية... كفى! يخشى أهالي مخيم نهر البارد أن يشابه مصيرهم مصير أهالي مخيمَي تل الزعتر وضبيه. ولكن هذه الفكرة هي أكبر دليل على غربتهم عن قوانين البلد! لم ينتبهوا إلى المعطى الطائفي (أليست أنيقة هذه “المعطى الطائفي”) الذي يمثل فارقاً نوعياً بين الحالتين.

وفي أثناء هذا السجال، يسود تسامح عميق مع جماعة “التيار الوطني الحر” الذي فجّر مسألة الآثار وسيلة لوقف الإعمار في البارد، بل ولجأ إلى مجلس شورى الدولة، أعلى هيئات البلد القضائية، لاستصدار قرار بتجميده، وهو من لا يغلبه طرف في إثارة موضوعة التوطين. يبرّر التسامح والتفهّم أنهم حلفاؤنا (نون الجماعة تلك معرِّفة على ما أعتقد، ولا تحتاج إلى مزيد من التوضيح، والإحراج) ولن نصطدم بهم لمثل هذا السبب (التافه؟)، ثم إننا ندرك الفوارق بين المتحالفين ونحترمها، ثم إن تحالفنا هذا مهم لمصير البلد الخ...

في السياق، نُسيت اللائحة القديمة للحرمانات الأخرى: المهن الممنوعة، البناء والتوسيع والترميم الممنوعة، انعدام الخدمات، تعقيد كل الإجراءات المتعلقة باستخراج الأوراق والوثائق من أي نوع كانت، ومركزتها مما يؤخّر إنجازها ويضاعف الكلف المرتفعة أصلاً، وبعض القرارات الهمايونية والمزاجية المتقلّبة، مثل منع خروج الصيادين الفلسطينيين بدون محْرم لبناني! هذا، إذا تجاهلنا سوء المعاملة على الحواجز العسكرية التي باتت تنتشر عند مداخل أكثر من مخيم.

الأصل أنه لم يعد يوجد نظام ضابط لوضعية الفلسطينيين في لبنان، وضاع تعريف توازن القوى الواقعي القائم. والضياع هذا نتاج ثلاثة عناصر، أولها مرتبط بتاريخ بات قديماً، يتعلق بخروج منظمة التحرير عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبالتالي انتهاء اتفاق القاهرة واقعياً دون أن يتم التطرّق إلى هذا التغيير الجوهري في أي وقت من الأوقات. أمّا ثانيها، فمرتبط باختلال البنية السياسية الفلسطينية الأم، ما بين سلطة مشغولة بعلاقتها بإسرائيل دون أي شيء آخر، وتذرر في التمثيل وتناحر، وطغيان الحسابات الصغيرة. وثالثها أخيراً، يتعلق بانهيار البنية السياسية اللبنانية نفسها، وتحول العلاقات السياسية بين الأطراف إلى صراع دائم على النفوذ، رجراج ومكشوف، بمعنى أنه مباشر وبلا الأدوات التقليدية الوسيطة للسياسة، من برامج وتصورات وخطب ومواقف مركبة المستويات، مما يلغي كل إمكان لمقاربة متماسكة لأي موضوع خارج دائرة الصراع ذاك.

هل يعزي الفلسطينيين معرفتهم أن ما يعانونه في لبنان كاشف لعطب جوهري وبنيوي في وضع مرجعيتهم المفترضة، كما وخصوصاً في وضع البلد الذي “يستضيفهم”؟ لهم الله!
"الأخبار"