أستاذنا العزيز رشاد أبو شاور: كل شيء جاهز للتوقيع../ ناصر السهلي

قرأت للأستاذ رشاد أبو شاور في موقع عــ48ـرب "جناية نهج التهافت"، عن مرحلة المفاوضات، ما أظن أنه يتقاطع تماما مع مرحلتنا الفلسطينية الحالية في السياق التحليلي الصائب لمأساة لا أعتقد أن كل هذا الهرج والمرج الذي تثيره عقدة "لقاء ثلاثي" يمثل ما يدور في الأوساط الفلسطينية... ولا في الكواليس التي تعيد إنتاج تلك المأساة بصورة أكثر انحدارا مما عايشه جيلنا الذي توهم بشعارات كبيرة وعمل يكاد لا ينتج سوى المزيد من شراء الذمم والولاءات، وإعادة تقسيم المواقع تحت مسميات كاذبة لـ" التغيير"..

وبما أن الأستاذ رشاد أبو شاور (الذي انتظر ما يكتبه كل يوم أربعاء) معروف لدي شخصيا بنظرة قل نظيرها عند كاتب فلسطيني ظل ورغم كل أوجاع ومرض وقرف السياسات الرسمية العربية والفلسطينية متمسكا بقلمه وعقله، ونظرته الثاقبة، لم تغره المناصب، ولا حتى في أيام "عز الثورة والرز" فقد كان دائما على مسافة ما، تعلمناها منه وبكل تواضع، مع تلك المناصب وحتى في اختيار "المقعد الذي يجلس عليه"، وهو الذي كتب ذات مرة: أختار الصفوف الخلفية في المهرجانات لأنني أخشى ممن يُمسكون الميكرفون ويلعلع صوتهم لساعات.

كتب أبو شاور التالي: " أن الدكتور حيدر رأى وبنظرة ثاقبة، أن ( الإسرائيليين) إذا ما تعهدوا بالتوقف عن الاستيطان في الضفة والقطاع والقدس، فإن نواياهم بالقبول بدولة فلسطينيّة تكون صادقة ومطمئنة، وإذا ما رفضوا تثبيت هذا البند في أي اتفاق مع الفلسطينيين، فهذا يكشف نواياهم بأنهم يماطلون، ويتلاعبون، ويخادعون، ليكسبوا الوقت، وتحويل الاحتلال إلى حقيقة واقعة، وتحت مظلّة المفاوضات، وهو ما يجب أن نتصدّى له ونفضحه ونرفضه قطعيّا”..

لنمعن النظر قليلا بكل جملة. ليس في السياسة نوايا، وهو ما يعرفه الأستاذ رشاد أبو شاور، لكنه من الصحيح أن المقصود هو نوايا التطبيق عبر الاعتراف في بنود أي اتفاق بأن وقف الاستيطان حتما يعبر عن مرحلة حدوث عكسه، وهو ما نقله أبو شاور عن الراحل حيدر عبد الشافي ( الذي لا يُذكر كثيرا في الأوساط الفلسطينية).. أي دولة فلسطينية..

• سياسة رسمية فلسطينية تلعق كل الاشتراطات

تماما حالة المماطلة المتواصلة مع "التمسك الأمين والصادق" لحكام تل أبيب مع مقولة شامير "سنجرجرهم عشرات السنوات في مفاوضات"، ومع مقولة رابين في الانتفاضة الأولى "ليس هناك أي التزام سوى بالقانون اليهودي.. نحن نعمل وفق القانون اليهودي وليس الدولي". لكن الأخطر في هذه المماطلة هو لعق السياسة الرسمية الفلسطينية لكل الاشتراطات التي كانت تضعها لما يسمى "العودة إلى طاولة المفاوضات". هذا اللعق هو المكرس لعبثية سياسية لا يمكن لعاقل أن لا يصطدم بها ولو لم يكن سياسيا محنكا، فما بالنا بمن يدعون بأنهم أكثر معرفة وإدراكا لمعاني ما يسمى "المصلحة الوطنية العليا".

في الإعلام والصحافة الفلسطينية ثمة ما يوحي بأن اشتراطات وضعتها "القيادة الفلسطينية" قبل العودة إلى التفاوض أو حتى الالتقاء بنتنياهو. لكن الرئيس عباس نفسه عاد وأكد تلميحا عن إمكانية اللقاء الثلاثي لو كان معدا له. بمعنى آخر ذهب شرط عدم موافقة نتنياهو على الكتل الاستيطانية الجديدة، كما ذهب شرط إعادة فتح بيت الشرق والمؤسسات الوطنية في أواخر التسعينيات..

"الثورة الهادئة في الضفة الغربية: تنسيق أكثر وقتلى أقل".. للكاتب عاموس هرئيل في هآرتس ( يوم 5 سبتمبر ترجمت في عرب 48) تستحق المزيد من التأمل، ولتذهب إلى الجحيم كل الأقاويل عن أننا نأخذ "بالمصادر الصهيونية". فهناك حياة يومية معاشة يعرفها الفلسطيني العادي لا يمكن حجب وقائعها اليومية حتى من أكثر فطاحل الإعلام الرسمي الفلسطيني ( إن وجد إعلام حقيقي..). وفي تحليل ونقل الوقائع التي يقدمها عاموس هرئيل ما هو مقزز ومقرف في امتهان البعض للسياسة على طريقة أن "الكل على خطأ إلا من يقدم الولاء والطاعة للسياسة الرسمية". وما قد يفاجئك في الحياة اليومية الفلسطينية أن مقياسا ما تم اعتماده لتصنيف من هو "وطني ومن هو غير وطني" على مقاسات الولاء وانتظار الراتب. وقد يجد البعض في كلامنا هذا تعميما، لكنه ليس كذلك، فمجموعة من المصالح المتقاطعة والمتشابكة تنتج حالة من الوصولية والانتهازية في أبشع صورها.

والحالة كذلك فإننا نشهد إعادة ضخ دم جديد لوثيقة جنيف، وأوساط سياسية وإعلامية فلسطينية لا تتردد في المجاهرة بأن شيئا ما " يُطبخ". والطبخة هذه المرة تجري بشكل لا يثير البلبلة ولا الانتباه. يقومون بين الفينة والأخرى ببث ما يعتبر "قنابل اختبارية" لمقياس ردات الفعل، لكن طالما أن الجمهور الفلسطيني لا تصله حقيقة ما يعد فلا مشكلة في المضي قدما نحو تسريب هنا وهنك. وفي النهاية يقول المقربون من المطبخ السياسي الرسمي "كل شيء جاهز للتوقيع". ليس مهما ما يسمعه الجمهور الفلسطيني عن الاشتراطات ورفض الاعتراف بيهودية الدولة، المهم أن نتنياهو يجد له طريقا معبدا بكل هذا الهدوء والتمويه الممارس رسميا عربيا وفلسطينيا، ولا مشكلة أبدا أن يستمر مخطط التهويد في القدس، والمصادقة على زيادة الرقعة الاستيطانية قبل المصادقة على خزعبلات تجميد الاستيطان لفترة مؤقتة أقصاها 6 شهور.. إنجاز أليس كذلك؟

لا يخفي قادة إسرائيل الاستهتار بقيادة الفلسطينيين المنشغلة بأمور تثبيت الأمر الواقع المزيف، باعتبار الاقتصاد مدخلا قويا لإقناع الجمهور بخطة "السلام الاقتصادي". لكن الأنكى في هذه السياسات أفرج عنه تقرير لوكالة معا يتحدث عن تدهور الوضع الاقتصادي، واتساع الفجوة بين "الأغنياء والفقراء". ومن يراقب حالة الفلسطينيين سيجد تحولا خطيرا في غياب الطبقة الوسطى ووجود: طبقة تختنق من التخمة وطبقة تعيش حد الفقر.. وهو ما لم يكن في المجتمع الفلسطيني..

• سياسة مبرمجة وممنهجة
تلك ليست سياسات ارتجالية أبدا، بل هي سياسات مبرمجة بشكل منهجي لدفع الناس للقبول بأي شيء يطرح حتى لو تناقض مع أقل المبادئ في علم التخلص من الاحتلال. وهي "جنايات" وليست "جناية واحدة". التقارير التي تناقش الحالة النقابية الفلسطينية تؤشر إلى أي مدى وصل الواقع الفلسطيني.

يقول أحد التقارير الاقتصادية( 6 سبتمبر: الاضرابات النقابية والطلابية في فلسطين من فشل الى فشل والادارات صلفة) " منذ 1993 لم تشهد الأراضي الفلسطينية إضرابا واحدا". وعلى عكس كل الأنظمة السياسية الديمقراطية هناك تدخل من قمة هرم السلطة وأجهزتها "الوزارات في هذه الحالة" لمنع الإضرابات. والشيء الخطير هو توسع هذه الحالة غير الصحية إلى المعتقلات. بمعنى آخر كل ما يُحل بالمال يجري تسويته تحت بند "الحفاظ على النظام العام والمصلحة الوطنية". ولست أدري كيف تنظر م.ت.ف المغيبة لنفسها (عبر الدعم المالي) عن حالة خطرة من التحول الذي يفرض على مجتمع فلسطيني كان دائما مجتمعا يرفض كل أشكال الوصاية عليه ( البعض قد يتهمني بأني أعمم حين أتساءل عن دور المنظمة، فليكن حتى يثبت هؤلاء العكس في مسيرة عملهم بين شعبهم، والدور المناط بهم والذي سرقته منهم الدول المانحة عبر إغراق المجتمع الفلسطيني بمنظمات غير حكومية غربية، تعد من أخطر أنواع الغزو الفكري والثقافي، بما فيها منظمة "يو أس إيد" التي اخترعت لها مكانة لا يمكن إلا مشاهدتها وآخرها مشروع بملايين الدولارات لاستبدال أو وضع آرمات حديدية في مداخل المدن ترحب بك باللغتين العربية والانكليزية تحت مسمى ظالم "الإعداد لإقامة الدولة"..

قد أكون استرسلت كثيرا في أمر المنظمات غير الحكومية، لكنه هو حديث الشارع الفلسطيني الذي يتساءل عن معاني الكتل الإسمنتية التي تشوه المدن الفلسطينية، وخصوصا رام الله، باسم تشييد البنية التحتية للدولة الفلسطينية المقطعة الأوصال دون الانتباه إلى أن أهم ما يجب التركيز عليه هو الإنسان قبل الاسمنت.

حملة من الخداع والمكر السياسي يمارس في الطريق نحو بروز اتفاقية جديدة قادمة يُجهز لها كما يريد من يبعث الروح لوثيقة جنيف. ولتسمحوا لي أن أقول بأن هذا المكر والخداع السياسي يمتد الآن إلى خارج مناطق السلطة ( المدن المستباحة والمسيجة والمحجوزة خلف الجدار والحواجز). ليس فقط بما يُشاع عن قبول كندا واستراليا لمن يريد الهجرة إليهما من المناطق الفلسطينية، بل محاولات إخراس الشتات الفلسطيني كله، بل والعودة للحديث عن أن فلسطينيي لبنان هم الأولوية، وهو خداع ما بعده خداع في سحب انتماء الفلسطينيين لأراضيهم التي يجري بيعها داخل الخط الأخضر لفرض سياسة توطين تؤكدها وثيقة جنيف مع تعويضات مالية هنا وهناك، أي شطب حق العودة حتى لأراضي "الدولة الفلسطينية" المستقبلية التي يبشر بها فياض خلال عامين. لذا لن يكون مستحيلا أن نجد بأن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وقد تحولوا إلى ما كان يطلق عليهم في الخمسينيات والستينيات: عرب إسرائيل! ( وهنا تكمن خطورة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل وإقصاء هؤلاء عن الحل التاريخي عبر شخصيات تستخدم الباب الدوار في تلاقيها مع سياسة رام الله).

كان الشهيد ياسر عرفات يمارس السياسة ( سواء كان البعض يتفق مع سياساته أم لا) على أساس أن العالم بحاجة إليه، وإن كانت أيضا السياسة الفلسطينية آنذاك تفتقد الإستراتيجية مستعيضة عنه بالتكتيك. لكننا اليوم أمام طبقة سياسة ممسكة بالقرار الفلسطيني تتصرف وكأنها هي التي تحتاج العالم. والفرق بين السياستين واضح، فكما قانون الأحزاب في العالم يمنع التمويل الخارجي، فإن سياسات إغراق السلطة بمشاريع وتمويلات خارجية يجعلها مثل أي حزب سياسي مرتش ويقدم سياساته لهثا وراء "طلب الاعتراف" كما ذكر قبل فترة المفكر د.عزمي بشارة، وهو أمر بات ينطبق على الطبقة السياسية الفلسطينية (الحاكمة والتي تتحالف معها). وهذا اللهث لن يجدي في النهاية نفعا، فكل الأسس التي تبنى عليها سياسات الخداع يمكن أن تنهار بلحظة واحدة مهما كانت المسميات؛ إمبراطورية.. إمارات فلسطينية متحدة.. كانتونات.. دولة فلسطينية.. أو سمها ما شئت طالما أن الجوهر هو الهامش في هذه السياسات بما فيها السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية!