11 سبتمبر.. انطفاء الوهج../ جميل مطر


جرت محاولة في عهد الرئيس بوش لغرس حادثة تفجير برجي التجارة في الوعي القومي الأمريكي باعتبارها بداية مرحلة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة. وبرحيل بوش واتضاح خفايا كثيرة ووقوع تطورات جوهرية، يوجد الآن اعتقاد بأن المرحلة، وهي بالفعل مرحلة جديدة، لم تبدأ بتفجير البرجين، ولم تنته عنده، وإن احتل المكانة الأكثر تميزا بين كل أحداث العقدين الأخيرين.

وبتأثير الغرس الأيديولوجي في عهد بوش، سوف يظل بعض المؤرخين يعتبر أحداث 11 سبتمبر نقطة فاصلة بين مرحلة الحرب الباردة، وهي المرحلة التي تصدت فيها أمريكا وحلفاؤها الغربيون للشيوعية والاتحاد السوفييتي كعدو هدفه الأساسي في نظرهم تدمير الديمقراطية الغربية، ومرحلة الحرب ضد الإرهاب، وهي المرحلة التي اختارت أمريكا وحلفاؤها الغربيون وحلفاء آخرون الإسلام كعدو هدفه الأساسي مثل الشيوعية تدمير الديمقراطية الغربية.

سيراه هذا البعض من المؤرخين نقطة البداية لمرحلة جديدة في التاريخ الأمريكي منفصلة عما سبقها. وأظن أن جماعة بوش أخطأت خطأ جسيما حين روجت لمحورية هذه المرحلة واعتبارها نقطة انطلاق مرحلة جديدة. ولعلها تعمدت في مواجهة هذا الخطأ فرضية مطروحة الآن وستبقى في الغالب مطروحة لعقود وربما لقرون قادمة وهي أن تفجير البرجين جاء امتدادا لتطورات شديدة الأهمية في المجتمع الأمريكي خاصة في فكر الطبقة الحاكمة.

ففي العقدين السابقين على التفجير، أجريت على الوعي العالمي العام، إن صح التعبير، ما يشبه عمليات غسيل المخ. وأستطيع من تجربة علاقاتي الشخصية أن أقرر أن هذه العملية امتد تأثيرها إلى كثير من المفكرين والعاملين في الشأن السياسي في مصر وغيرها من الدول العربية.

وقتها تعرضنا لموجة من الأطروحات والمفاهيم سادت وطغت. أربع على الأقل من هذه الأطروحات أو المفاهيم تصدرت الموجة وهي العولمة وصدام الحضارات ونهاية التاريخ والحرب ضد الإرهاب. وأعتقد ببعض الثقة أن قراءة أصول هذه المفاهيم الأربعة التي سلبت لب علماء السياسة والاجتماع والمثقفين بشكل عام في شتى أنحاء العالم توحي بأن المصدر “الجيني” لجميعها واحد. وأعرف بكثير من الثقة أن المفاهيم الأربعة تفتقر إلى وضوح التعريف ودقة تحديد الحدود.

ولا شك أن العولمة كانت دائما، ومازالت، المفهوم الذي يتصدر قائمة المفاهيم الأربعة بعدد هائل من محاولات التعريف. وقد تداخلت في هذه المحاولات السياسة والاقتصاد والمال مع منظومات القيم والثقافة مع أنماط سلوكيات البشر وممارساتهم، وكانت المحصلة في جميع الحالات تهويمات وتعميمات وشطحات أيديولوجية وصياغات تعبر عن نوايا إمبراطورية في أحسن الأحوال وعن غرائز قومية ووطنية ودينية وعنصرية في أسوأ الأحوال. بدت معظم هذه المحاولات في حينها منطقية، إذ وقعت في سياق تاريخي يسمح باستقبالها والاقتناع بها.

كانت أمريكا خارجة لتوها من صراع طويل مع الاتحاد السوفييتي وحروب أغلبها بالوكالة وبعضها مباشر ضد الشيوعية، وكانت الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء جاهزة لاستقبال أنواع شتى من فكر متطرف تسد جانبا منها، وتتفادى انفجارات سياسية وطبقية، خاصة من الأمريكيين الملونين ضد الأمريكيين البيض.

أذكر كيف جرت التوعية لهذه المفاهيم ونشرها على العالمين باعتبارها مطلقات أو حتميات تاريخية، حتى ساد الاعتقاد بين الكثيرين، وبعضنا في مصر منهم، بأن العولمة مسيرة حتمية تفرضها ظروف “عصر ما بعد انهيار الاشتراكية”، وتدفع إليها حاجات “الإمبراطورية التي لا غنى عنها”، وأن الساحة الدولية التي خلت من أيديولوجيات منافسة تتطلب دماء جديدة وأسواقاً مفتوحة، وتتطلب بإلحاح أشد سقوط الحدود السيادية والثقافية سعيا لتسطيح العالم حسب التعبير الذي روج له الكاتب الأمريكي اللامع توماس فريدمان.

هكذا كان الحال مع تبريرات ومحاولات تعريف ثم ترويج مفهومي صدام الحضارات ونهاية التاريخ. كلاهما خرج إلى العلن ليبشر بنهاية “السياسة”. كلاهما خرج يروج لفكرة أن الصراعات الدولية تنشب وتتصاعد وتنحسر لأهواء وتقاليد حضارية وثقافية وبالأحرى دينية. ولسنوات احتلت أطروحة صدام الحضارات مكانة النجم البارز في سماء الفكر السياسي وسادت على غيرها من نظريات الصراع الدولي وهيمنت فكرا ومنهجا وممارسة. كان المطروح أن تتوارى في ظلها أدوار المال والنفوذ وتوازن القوى وصداماته لتحل محلها صدامات بين قوى “تاريخية” وقوى “روحية”، وما السياسي في ظل هذه الصدامات إلا التابع للقوى الحضارية المتصادمة والمنفذ لتعليماتها “المقدسة” غالبا.

هكذا الحال مع مفهوم نهاية التاريخ الذي نبت في تربة المحافظين الجدد منذ عقد الستينات ونما في الثمانينات وبلغ الذروة في التسعينات حين حمّله الرئيس جورج بوش رسالة سماوية “لإنقاذ العالم من قوى الاستبداد ونظريات التخطيط الاقتصادي وأحلام بتعددية في قيادة النظام الدولي ومبادئ سيادة الدولة ومشاعر الاحترام للقانون والمعاهدات الدولية”، وكان السبيل الوحيد في نظر قادة هذا التيار، خاصة فرانسيس فوكوياما صائغ المفهوم والنادم عليه فيما بعد، لتحقيق هذا الهدف هو فرض النموذج الليبرالي الغربي المتجسد في الولايات المتحدة وإيقاف زحف قوى الظلام والاستبداد القادمة من “الشرق”.

وقع في تصور “المحافظين الجدد”، أن الدفاع عن أمريكا كمركز إمبراطوري يكتمل عندما تسود الليبرالية الجديدة ومبادئ حرية التجارة ويتوقف زحف حضارات أخرى، خاصة تلك التي تبدو منظومتها الحضارية متعارضة مع منظومة الحضارة اليهودية المسيحية “الغربية”، كان ضروريا تحقيق انتصار ضد نموذج لحضارة نقيض لحضارة الغرب، تماما كما بدا ضرورياً قبل عقود تحقيق انتصار في فيتنام ضد نقيض حضاري من نوع آخر، وكان أيضا من الشرق. نعرف الآن أن الاختيار منذ الثمانينات، وبالتأكيد في التسعينات، وقع على ما أطلقوا عليه الإرهاب الإسلامي أو الجهاد كنموذج لعدو شرس يستحق أن تشن ضده حرب طويلة طويلة طويلة، كما وقع الاختيار على أفغانستان ساحة لهذه الحرب، وعلى العراق هدفا للغزو والاحتلال. وكان العنوان الرئيسي هو الحرب ضد الإرهاب، مع العنوان الفرعي الذي لم ينتبه إليه الكثيرون في ذلك الحين وهو “تدشين عصر عربي جديد” صاغت خطوطه العريضة وثيقة “مشروع من أجل قرن أمريكي جديد” التي صدرت عن مركز بحثي يحمل الاسم ذاته.

***
حدث مع تعريف الإرهاب ما حدث مع تعريف العولمة وصدام الحضارات ونهاية التاريخ. كان لازما رفض وضع تعريف تتفق عليه الدول خشية أن يدخل في التعريف حق الشعوب في ممارسة المقاومة المسلحة لتحرير بلادها من الغزو والاحتلال والاستيطان. إذ قامت سياسة أمريكا العسكرية على توقع دائم بأن سياساتها الخارجية خاصة أنشطتها العسكرية عبر العالم ستواجه بنوع أو آخر من المقاومة.

من ناحية أخرى، خشيت أمريكا ودول غربية أخرى وروسيا و”إسرائيل” من أن اشتراك عدد كبير من الدول في صياغة تعريف الإرهاب سيوجد صعوبات أمام شن حروب استباقية لإجهاض المقاومة هنا وهناك. وعلى كل حال كانت معظم الأنظمة الحاكمة العربية راضية عن التعريف الأمريكي للإرهاب لأنه يسهل عليها اتهام المعارضين لها بتهمة الإرهاب، ويمكنها من تمديد العمل بقوانين الطوارئ.

في هذا الإطار نستطيع أن نفهم الإصرار الغربي خلال سنوات التسعينات على تنصيب الإرهاب “الإسلامي” عدوا لدودا للغرب. ولعل بعضنا يذكر المؤرخ ماليز روثفين الذي نشر مقالا في صحيفة إندبندنت أون صانداي البريطانية واستخدم فيه متعمدا تعبير “الفاشية الإسلامية” والتقطه منه الكاتبان هتشيسن وشوارتز في مجلة ذي نيشن (The Nation) معتمدين الإساءة إلى الإسلام الزاحف من الشرق بربطه بعقيدة سياسية هي الأسوأ على الإطلاق بين جميع عقائد الحضارة الغربية.

***
لم يعد خافياً أن مفهوم الإرهاب بدأ مسيرته نحو السقوط بعد أن سقطت مفاهيم العولمة ونهاية التاريخ وصدام الحضارات. كثيرون في الغرب لا يتصورون الآن أن الإرهاب يشكل هذا التهديد للأمن والسلام الدوليين الذي يجري تصويره عليه. إن أقصى ما حققه الإرهاب من إنجازات أو خسائر حتى الآن لا يخرج عما وقع في نيويورك يوم هوى برجا التجارة الدولية، وأي مراجعة لسجل الإرهاب في السنوات الأخيرة ستؤكد أنه رغم سقوط ضحايا ووقوع فوضى وتدمير منشآت، لم يكن الإرهاب بالضخامة الكارثية التي تكفي لترشيحه عدوا لحضارة الغرب أو للاستقرار والسلام الدوليين، أو يبرر حشد أكبر حلف عالمي في التاريخ لشن حرب عالمية “طويلة طويلة طويلة” ضده أو بسببه.

لنكن واضحين وصريحين أمام أنفسنا والأجيال القادمة ونعلن أن ما يطلق عليه الإرهاب لم يشكل في أي يوم الخطورة التي تسمح بترشيحه ليكون العقبة الأعظم للتنمية والديمقراطية والتقدم في دول أكثرها يستخدمه مبررا لإقامة الاستبداد وتقييد الحريات وشماعة تعلق عليها فشلها في التنمية.

***
الحادي عشر من سبتمبر يفقد وهجه عاما بعد عام، وهو بالتأكيد لا يمثل نقطة فاصلة بين مرحلتين في التاريخ الأمريكي، خاصة بعد أن سقطت المفاهيم الأربعة التي مهدت له، وهي العولمة ونهاية التاريخ وصدام الحضارات والحرب ضد الإرهاب.
"الخليج"