كارثية الانتظار../ عوض عبد الفتاح

يكاد يكون المشهد مكررًا بصورة عبثية. العرب يثورون ثم يتدخل الغرب، خوفًا على مصالحه، ويلقي بالفتات، فيستميل الفئات الحاكمة، فتبدأ هذه بدورها بالضغط على قيادات الثورة لتعلق ثورتها أو تنهيها. فتسمح بالمنقذ الغربي ليدلي بدلوه وتنتهي الأمور إلى كارثة. هذا ما كان منذ الثورة الفلسطينية الشاملة المجهدة عام 1936.

فرضية الفئات الحاكمة تقوم على أن الغرب ممكن أن يكون حياديًا. أو أن 99% من الحل في أيدي زعيمته، الولايات المتحدة الأمريكية.. التي ملأت الفراغ (فراغ الهيمنة) بعد انحسار الإستعمار البريطاني عن شرقنا بعد العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر عام 1956.

العلاقة العضوية بين هذا الإستعمار والصهيونية، والمستمر بعد إقامة إسرائيل، تم التعامل معه على أنه أمر مفروغ منه وسلّم به، وبالتالي لا بدّ من الإستعانة بالغرب من أجل الضغط على إسرائيل. كان القصور العربي في كل المجالات؛ العسكرية والثقافية والإعلامية والدبلوماسية.. ولا زلنا ندفع ثمنه. الطامة الكبرى هو أن هذه الطبقة السياسية العربية مارست ولا تزال تمارس نفس الدور، أي التواطؤ والتآمر على كل مشروع سياسي مقاوم؛ ابتداء من ثورة 36 مرورًا بالمشروع الناصري وبالثورة الفلسطينية، واخيرًا بالمقاومة اللبنانية.

أخطاء تلك التجارب الثورية التي قدمت قوافل من الشهداء كانت كبيرة، واستغلت بصورة فاحشة من جانب تلك الطبقات لتعزز نهجها وتُبقي على تحالفاتها مع قوى الإستعمار الغربي. حتى تجربة المقاومة اللبنانية الحديثة والتي قدمت نموذجًا عصريًا متميزًا في التنظيم والأداء والتحالفات المحلية والإقليمية، وبأقل الأخطاء والتي لا تقارن مع أخطاء السابقين، تعرضت لحملة تحريض غطاؤها مذهبي ولكن واقعها الحقيقي هو سياسي يتمثل برفض روح وثقافة المقاومة. فالذي أدمن على مدار عشرات السنين، نهج التحالفات مع الغرب ومن ربط بلاده معه عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا لا تغيّره المناشدة ولا السياسة، بل تُغيّره ثورة، تُطيح بالمفاهيم والبنى الأيدلوجية والسياسية القائمة والذهنية المروّضة، ثورة شعبية ديمقراطية تحمل مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، وليس انقلابات. هذه الطبقة السياسية، التي تشكل إلى حدّ ما امتداداً تاريخيًا للطبقات التي تتحمل المسؤولية عن الإخفاق في مواجهة الصهيونية والغرب الإستعماري، لا يروق لها حتى التحول النوعي في خطاب فلسطينيي الـ48؛ وبالتحديد خطاب التجمع الوطني الديمقراطي النقدي للمشهد العربي الرسمي والفلسطيني أيضًا. ويتبدى لنا أنها كانت مرتاحة أكثر حين كان فلسطينيي الـ48 تحت تأثير سطوة الأسرلة والتشوه.

العرب أو هذه الطبقة الآن في حالة انتظار. كما كانوا في غالبية تاريخهم الحديث. هم في انتظار باراك أوباما. ينتظرون أن تـُفضي المفاوضات بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل إلى تجميد مؤقت للإستيطان. مرّ حتى الآن حوالي ستة أشهر على هذه المفاوضات. لنتصور كم سنة ستمرّ حتى يتم الإنتقال إلى التفاوض على وقف الإستيطان، لا إزالته. لقد أصبح واضحًا أن الإزالة غير واردة.. المقصود الإستيطان في القدس الشرقية وفي الكتل الاستيطانية الكبيرة.

إسرائيل تتسلح وتعزّز الإستيطان وتناور مع ما يسمى المجتمع الدولي. وكل ضغط صغير من جانب أمريكا على إسرائيل يحتفي به العرب فيتوهمون أن نتنياهو سيخضع فقط بالضغط الأمريكي، والذي هو أيضًا ضغط على العرب المطالبين بخطوات تطبيعية قبل تحقيق أي إنجاز للعرب وذلك بعد أن ضُغطوا، أو تطوعوا لمحاصرة المقاومة في لبنان وفلسطين. وكل من يحاول من العرب تعزيز أوراقه أو قوته العسكرية، مثل سوريا والمقاومة اللبنانية لمواجهة أي عدوان إسرائيلي يُصبح موضوعًا رئيسياً ويطير زعماء اسرائيل إلى روسيا لمنع تزويد أي طرف عربي ممانع أو مقاوم بسلاح متقدم. إسرائيل تريد مفاوضة العرب وهم ضعفاء، صاغرون، مجردون من كل ورقة قوة حقيقية.

إننا أمام سنوات عجاف طويلة، تعود فيها عجلة التسوية إلى الدوران، ولكن بقدر أكبر من الإثارة (بطلها أوباما ونتنياهو). في هذه الحقبة يبقى لصمود الشعب وممن بقي يحمل راية الكفاح، دورٌ هام للتأسيس للمرحلة الثورية المقبلة بعد انهيار الأوهام.