حكومة لبنان الدولية بين إفطار نتنياهو وابتسامة ميتشل! / طلال سلمان

من المستبعد أن يكون «الصحن اللبناني» ممثلاً بأزمة تشكيل الحكومة الجديدة، بين فواتح الشهية في مأدبة الإفطار الرمضانية التكريمية التي أقامها الرئيس المصري حسني مبارك، أمس، على شرف ضيفه المميّز رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، التي كانت «عدواً مبيناً» فلما أعلنتها واشنطن ـ جورج بوش «دولة اليهود في العالم» باتت صديقاً له حق الرأي في مختلف الشؤون «ذات الاهتمام المشترك» من مياه النيل والسد العالي إلى الغاز والبترول وانتهاءً بالموقف من «الإرهاب» وسماء المنطقة المفتوح لطيرانها!

... فإذا ما استُذكر لبنان فلسوف يكون من خلال الحدث الجلل ممثلاً بالصاروخين اللذين أطلقهما «مجهولون» من نقطة مكشوفة للطيران الحربي الإسرائيلي الذي لا يغيب عن سماء الجهات اللبنانية الأربع، كما عن «حرس حدوده» الساهرين على أمن المستعمرات... ذانك الصاروخان اللذان ردت عليهما إسرائيل بستة أضعاف، وبشكوى إلى مجلس الأمن الدولي الذي كان مصاباً بالعمى منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006 وحتى الحرب الإسرائيلية على غزة في أوائل هذا العام، ولم يستفق فيعود إليه نظره ووعيه إلا مع هذين الصاروخين النوويين اللذين كان موعد إطلاقهما ووجهتهما وهوية مطلقيهما معروفة للعالم كله، بشهادة جنرالات «اليونيفيل»، ومع ذلك فقد ظلوا أحراراً حتى ارتكبوا جريمتهم هذه التي هزت الضمير العالمي..

كذلك من المستبعد أن تتسع محادثات الموفد الرئاسي صاحب الابتسامة البلاستيكية جورج ميتشل مع القادة في إسرائيل، «دولة اليهود في العالم»، لهذا الحدث اللبناني الخطير (تشكيل الحكومة الجديدة)، لأن الاهتمام سيتركز على موقع «الدولة الفلسطينية» التي أعلن رئيـس حكومـة الســلطة التي لا سلطة لها في رام الله عن حتــمية قيامها خلال سنتين (؟!!)، في الضفة الغربية التي أنقص منها الاحتلال حتى الآن القدس الكبرى التي مدّدها الإسرائيليون حتى التهمــت ثلث مساحة الضفة، بينما استمروا ينهشون ما تبقى منها بالمستعمرات الإسرائيلية التي لا تفتأ تتوالد من ذاتها فتلتهم المزيد من الأرض الفلسطينية وصولاً إلى الأغوار وساحل البحر الميت...

لكن المؤكد أن أياً من هؤلاء المسؤولين عن مستقبل «عملية السلام» الميتة والمرجأ دفنها منذ سنوات، لن ينتبه إلى تزامن المأدبة الرمضانية ثم الجولة الجديدة لجورج ميتشل مع الذكرى السابعة والعشرين للمذابح التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مخيمي صبرا وشاتيلا لأكثر من ألفين من اللاجئين الفلسطينيين ومعهم عشرات اللبنانيين المواطنين، مباشرة كما بأيدي بعض كبار عملائه في لبنان، الذين لم يبرئهم لا التحقيق الدولي ولا المحاسبة الإسرائيلية لبعض القادة والضباط في «الجيش الذي لا يقهر».

... مع ذلك فإن بعض أولئك القتلة أو ورثتهم أو معاونيهم ومساعديهم في التنفيذ، من اللبنانيين، يطالبون الآن بحصة راجحة في الحكومة الجديدة، لتأكيد طبيعتها بتعبيرها عن صلابة الوحدة الوطنية وقدرتها على غفران ما لا يغتفر من الجرائم ضد الإنسانية!.

[ [ [

ما علينا... فلننظر إلى الداخل الذي يكاد يكون باتساع العالم!
وأول ما يلفت هو التذبذب في توصيف «الحالة اللبنانية» بين أن تكون «أزمة دولية» خطيرة أو مجرد عنوان لتلك الأزمة المفتوحة على مخاطر كونية، وبين أن تكون مجرد مشكلة محلية عنوانها شخصي وهي محصورة في نطاق محلي ضيق أو ربما في مزاج بعض القيادات السياسية ذات الوزن الشعبي المؤثر.
.. ولأن لبنان «دولة بلا داخل» فإن كل من في داخله «دوليون» أو «مدوّلون»، بالرغبة أو بالاضطرار!
انتخابات رئاسة الجمهورية دولية بامتياز... ولقد جاء العالم كله ليشهد عليها وعلينا، قبل بضعة عشر شهراً في مهرجان قلّ نظيره!
أما تشكيل حكومة، أي حكومة وكل حكومة، فمعضلة دولية، لأن «الدول» ترغب في شطب من لا يمكن شطبه، من القوى السياسية ذات الثقل الشعبي، وفي إقامة معادلة مستحيلة بين الأقوياء بها والأقوياء عليها.

في نشرات الأخبار، فضائية أو أرضية أو إذاعية، كما في تعليقات الصحف، محلية وعربية ودولية، يتم التعاطي مع مسألة تشكيل حكومة جديدة للبنان المنهك بديونه الخارجية والذي يعاني من جراح خلافاته الداخلية، والمعطل دوره في منطقته، والذي ما تزال إسرائيل تحتل أجواءه وبعض مياهه وتحاصر إرادته، على أن تشكيل هذه الحكومة العادية بتركيبتها الائتلافية، هو قضية دولية معقدة قد تستدعي دعوة مجلس الأمن إلى جلسة طارئة أو أنها قد تعرض في قمة العشرين لاتخاذ القرار المناسب بعديد وزرائها وحقائبهم ودورها الاستثنائي في عالم ما بعد الحداثة!
في أي سهرة، في قلب المدينة أو في أقصى الريف، يجلس اللبنانيون، كل إلى «ربعه» يعرضون ويحللون ويناقشون أوضاع الحكم المأزوم في وطنهم الصغير وينتهون إلى نتيجة طريفة مفادها: فليتركونا وشأننا، بلا حكومة، بشرط ألا يوتروا الأجواء بالنفخ في نار الفتنة التي ما يزال جمرها تحت الرماد!

الطريف في الأمر أن هؤلاء المواطنين الواعين يخلصون إلى نتيجة هزلية: إن هم افترضوا أن عقدة التشكيل يمكن اختزالها بشخص أو أشخاص، إذاً كان عليهم أن يصدقوا أن هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص أقوى من الدول العظمى والدول الإقليمية مجتمعة، وبالتالي فإن كان ذلك صحيحاً فلماذا لا نريح العالم كله، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، عرباً وفرساً وأتراكاً وبين بين، فنوزّرهم ونحدد مواعيد تقبّل التهاني؟!
لكأنها حكومة العالم كله!
فإذا نحن صدّقنا ما نسمع ونقرأ ونستنتج كان علينا أن نشكل حكومة للإدارة الأميركية فيها حصة مميزة، وبعدها حصة كبرى لإيران، ثم حصة عظمى للسعودية، وحصة محترمة لفرنسا، مع تخصيص الاتحاد الأوروبي بحصة مستقلة إرضاء للكاثوليك، ثم إن علينا ألا ننسى روسيا لعدم إغضاب الأرثوذكس، وجمهورية أرمينيا لشراء رضا الإخوة الأرمن..
أما سوريا فلها حصة في كل حصة، سواء في الداخل أو في الخارج، فضلاً عن حصتها المباشرة، والمساومة المفتوحة إنما تستهدف الحصة في الحصة...
ولأن الخارج داخل في الداخل، والداخل خارج إلى الخارج، فمن الصعب ضبط الحدود ومنع الصواريخ العشوائية!

رمضان كريم... والعيد على الأبواب، وليلة القدر بينهما!
فلنأمل أن يهدي الله زعماء لبنان الدوليين فلا يفسدوا علينا بهجة العيد الذي نضرع إلى الله تعالى أن يبقيه عيداً!
والله على كل شيء قدير، بمن في ذلك الصنف اللبناني النادر إلى حد أن الطلب عليه يكاد يذهب به... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير!