أحكام مسبقة على خطاب أوباما في الجمعية العامة../ جميل مطر*

حانت ساعة تقديم أول حساب. بعد أيام يقف باراك أوباما أمام ممثلي حوالي مائتي دولة، كلهم جاؤوا وأحد أهم أهدافهم المشاركة في تقويم أداء إدارة أوباما، ويعودون إلى بلادهم يحملون أفكاراً جديدة، أو على الأقل تصوراً جديداً، عن مصير الحلم الكبير الذي راود شعوبهم أو عن حقيقة وهم كبير بدأ ينكشف.

سيكون العرب أول الزاحفين على نيويورك، وهم عادة أولهم، إذ جرت العادة أن يقضي وزراء الخارجية العرب أياماً كثيرة أو قليلة في نيويورك قرب نهاية سبتمبر/أيلول من كل عام يعقدون خلالها اجتماعاً لمجلسهم، ويلقون الخطب ويقضي بعضهم إجازة مدفوعة. هؤلاء كأسلافهم عرفوا منذ وقت طويل أن لا خير يرجى لقضايا بلادهم من هذه الزيارة السنوية، وأخشى أن يكونوا فقدوا الأمل في أن يصححوا يوماً ما أعطبته السياسات الارتجالية والخلافات بين القادة العرب وسوء إدارتهم للموارد عبر سنوات طويلة.

لن تختلف هذه الزيارة عن سابقاتها إلا في الشطر المتعلق بالرئيس أوباما. إذ تنعقد الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل حالة “عالمية” غير عادية. لم يحدث، حسب ما أذكر، أن جرى الترتيب لعقد جمعية عامة في نيويورك وكان على رأس السلطة في واشنطن رجل له شعبية كتلك التي يتمتع بها الرئيس أوباما. ربما حدث ما يشبه ذلك في عهد الرئيس جون كنيدي، وتصادف أن كان على رأس السلطة في موسكو في ذلك الحين خروتشوف السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي الذي كان يتمتع بشخصية مثيرة للجدل. ومع ذلك، لم تكن الآمال المعقودة على كنيدي في حجم الآمال المعقودة على باراك أوباما أو في عمقها. وكانت أمريكا صاعدة. كانت صاعدة اقتصادياً وتكنولوجياً، وصاعدة نحو الفضاء، على عكس أمريكا الراهنة. ولعل هذا الوضع الذي تمر فيه أمريكا الراهنة هو إحدى أسوأ البقع التي تلوث كشف الحساب الذي يحمله أوباما معه إلى نيويورك ليعرضه على أمم العالم.. الحالم منها والواهم.

***

عرفنا على مر السنين، وتابعنا، معضلة التمييز العنصري في الولايات المتحدة، وعرفنا وتابعنا أيضاً معضلات الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء ودورات ارتفاع معدلات البطالة. وتوقفنا طويلاً ببعض الإعجاب أحياناً والرغبة في التماهي أحياناً أخرى أمام تجربة مثيرة في لغة الحوار بين اليمين المحافظ واليسار الليبرالي وقوى الوسط في الولايات المتحدة. ومع ذلك، أظن أننا لم نقف في أي وقت شهوداً على حال فرقة وانقسام كهذه الحال السائدة في الولايات المتحدة. سمعت كثيراً ما يذيعه الإذاعي اليميني المتطرف روش ليمبوه، وسمعت كثيراً ما يبثه مقدمو برامج يمينيون على قناة “فوكس” التلفزيونية أو على غيرها، وسمعت انتقادات من نواب وشيوخ لأداء رؤساء جمهوريات، ولكني لا أذكر أنني سمعت يوما ليمبوه يحرض الشعب على ممارسة العنف باستثناء العنف الموجه ضد العرب والمسلمين، أو سمعت كلاماً مثل الكلام الذي نطق به الإعلامي “بيك” في قناة “فوكس” يتهم أوباما بكراهية البيض وثقافتهم، ويشعل النار ضده في قلوب المتطرفين البيض، أو سمعت عبارة بذيئة كتلك العبارات التي استخدمها مشرعون وسياسيون محافظون ومنهم سارة بالين المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس، ومنهم أيضاً نائب يصرخ في وجه أوباما أمام زملائه وعشرات الملايين من المشاهدين ناعتاً إياه بأنه رجل كاذب.

بهذه البقع على شعبيته يدخل أوباما إلى قاعة الجمعية العامة ليدلي بكشف حساب عن تسعة شهور من حكم تطلعت نحوه بأمل كبير شعوب العالم. وأثق في أن الغالبية العظمى من مندوبي الدول الموجودين في القاعة لم يدر في خلد أحدهم قبل شهرين أو ثلاثة أن أوباما سوف يطل عليهم وصفحة شعبيته قد تلوثت إلى هذا الحد. كانوا يستعدّون للذهاب إلى نيويورك مزودين بنية أن يغفروا له أي تقصير في تنفيذ عهد قطعه على نفسه وإدارته خلال الحملة الانتخابية. وأعرف من أصدقاء بين الدبلوماسيين الأوروبيين أن حكومات عديدة في دول أوروبية وآسيوية كانت تستعد بالخطب لإعلان دعمها له في أفغانستان والمساهمة في “تصليب عوده” في مواجهته مع أباطرة المال والمصارف والمضاربات.

تعددت أسباب الضعف وانحسار الشعبية. فقد استمرت الأزمة المالية والاقتصادية واستمر بشكل خاص تدهور البطالة وبخاصة بين البيض. ولا يوجد خلاف كبير داخل أوساط الأكاديميا الأمريكية على أن “بطالة الرجل الأبيض” أشد خطورة على أوباما من أي عنصر آخر من عناصر الأزمة الاقتصادية، أضف إلى ما سبق الهجمة الشرسة التي شنها المحافظون وقطاع من الليبراليين واليساريين ضد تفاصيل عديدة في خطة أوباما لإصلاح برنامج الرعاية الصحية. والواضح تماما أن أوباما أراد أن تقوم الموافقة على هذه الخطة بدور القاطرة التي ستجر سياسات أخرى لسنوات أربع قادمة، إن لم تزد.

***

أما الأسباب الخارجية للضعف فهي وإن بدت للرأي العام الأمريكي متصلة بأمور لا تدخل مباشرة في اهتمامه إلا أنها عظيمة الأهمية بالنسبة للدول صاحبة الشأن وبالنسبة لهدف استعادة مكانة متميزة لأمريكا في العالم.

سئل رتشارد هولبروك، مساعد الوزيرة كلينتون لشؤون أفغانستان وباكستان، عن النجاح الذي حققته سياسات أوباما في هذه المنطقة الحساسة من العالم، فأجاب “سنعرف عندما نراه”. مرة أخرى يعلن هذا الدبلوماسي المعروف بشدة اعتزازه بنفسه وبقدراته أن السياسات الغربية في أفغانستان لم تحقق إنجازاً واضحاً. وفي الواقع لم نكن بحاجة إلى هذا التأكيد من جانب هولبروك، فالوضع على الأرض يصرخ في كل الوجوه معلنا الفشل.

فشلت خطة المؤسسة العسكرية الأمريكية في دفع الطالبان نحو إقليم الباشتون وحشرهم فيه. وفشلت خطة الجنرال ماكريستال في تحسين أوضاع المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة الطالبان. وفشلت أمريكا وبريطانيا في خطة الدفع بأحد المرشحين المنافسين لقرضاي للفوز في انتخابات الرئاسة، بل كان الفشل مضاعفاً إذ بدت الدول الغربية في وضع حرج بعد أن شنت حملة عنيفة ضد تزييف الانتخابات في إيران وسكتت عن تزييفها في أفغانستان الواقعة تحت هيمنتها.

هذا الفشل المتكرر دفع بالمستشار السابق للرئيس كارتر للتصريح لصحيفة “فاينناشيال تايمز” بأن أمريكا إن لم تخرج بسرعة فإنها تعرض نفسها لحرب متصاعدة تنتهي بغرقها في أفغانستان. ويكشف نيكولاس كريستروف الصحافي بالنيويورك تايمز عن وثيقة أعدتها مجموعة من رجال المخابرات السابقين وخبراء في شؤون أفغانستان، جاء فيها بالنص “إن صانع القرار في واشنطن لا يفهم أن مجرد وجود أمريكا في إقليم الباشتون يجسد لب المشكلة”، وتحذر الوثيقة من أنه “في حال زيادة القوات الأمريكية هناك ستزداد المقاومة. إن وجودنا العسكري في هذا الإقليم يثبت أن الطالبان على حق”. وينقل كريستروف عن دافيد ميللر عضو المجموعة والعضو السابق في مجلس الأمن القومي قوله: “إننا قلقون من أن تكون الولايات المتحدة على وشك السقوط من أعلى القمم إلى هاوية سحيقة”.

من ناحية أخرى يسود اعتقاد بأن أوباما لن يكون قاطعاً ولا حاسماً في رسالته إلى حكومة إيران. في هذا الشأن يقول بريجنسكي: “إن أمريكا لا يمكن أن تستمر في إطلاق التهديدات بفرض عقوبات على إيران وتتحدث عن الحرب وفي الوقت نفسه تطلب من إيران الدخول في مفاوضات مباشرة. لقد أثبتت سياسة أوباما تجاه إيران ضيق أفقها، وستكون العواقب وخيمة إن لم تشرع إدارة أوباما فوراً لحل المشكلات القائمة قبل أن تتفاقم”.

لا أعرف إن كان بريجنسكي يقصد بالتفاقم احتمالات التدخل العسكري “الإسرائيلي”، ولكني أعرف أن هذا الاحتمال صار أقرب إلى الواقع وأنه الآن محل درس في دوائر استخباراتية في موسكو وواشنطن وعواصم أوروبية وعربية. ويلمح بعض الخبراء إلى أن “إسرائيل” وضعت أوباما في ورطة حقيقية بتسريب عزمها التدخل عسكرياً في إيران من دون انتظار ضوء أخضر من واشنطن أو القيادة المركزية الأمريكية بعد أن توصلت فيما يبدو إلى حل لمشكلة الممرات البحرية والجوية في الأقاليم الواقعة بين “إسرائيل” وإيران.

***

أتصور أن عدد السياسيين في العواصم العربية الذين كانوا متشوقين إلى خطاب أوباما في الجمعية العامة ليسمعوا تفاصيل خطة للتسوية في الشرق الأوسط تضاءل جداً.

إذ تشير أغلب المؤشرات إلى أن أوباما، بضعفه الداخلي المتزايد والموقف “الإسرائيلي” بتصلبه وبالموقف العربي المتساهل، لن يجد داخل البيت الأبيض أو الكونجرس أو قيادات الحزبين الديمقراطي والجمهوري من يشجعه على ممارسة ضغط مؤثر على حكومة متشددة في “إسرائيل” وحشود يهودية في الولايات المتحدة معبأة بطاقة قصوى من الكراهية لإدارة أوباما.

***

أعفاني الجنرال زيني الرئيس السابق للقيادة المركزية الأمريكية من التفكير في خاتمة لهذا المقال حين قرأت تصريحه الذي ورد فيه قوله: “إنه لا يستطيع أن يتعرف على قرار استراتيجي واحد اتخذه الرئيس باراك أوباما منذ توليه الحكم في يناير الماضي”. نحن أيضا، وفي الجانب الذي يخصنا من سياسات أوباما الخارجية، نقول إننا لا نستطيع أن نتعرف على قرار استراتيجي حاسم يجدد في شعوبنا الأمل في أن تتغير أمريكا.
"الخليج"