التحدي والاستجابة في الواقع العربي../ عوني فرسخ


تواجه الأمة العربية على الصعيدين القطري والقومي تحديات غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فالنظام الإقليمي العربي فاقد المنعة تجاه الضغوط والمداخلات الدولية والإقليمية، وغالبية أنظمته القطرية تفتقر لاستقلال الارادة والقرار، فيما أكثر من قطر مهدد بوحدة نسيجه المجتمعي وترابه الوطني. ولقد تراجعت نسبة اسهام الأنشطة الانتاجية مقابل ارتفاع نسبة مساهمة الخدمات والدخول الريعية في الاقتصاديات العربية.

فضلاً عن القصور في استغلال الموارد الطبيعية المتوفرة واستثمار عوائدها، ومحدودية قنوات الاستثمار الوطنية والقومية، مما أسهم في هجرة الأموال والعقول. ولا أدل على التخلف الاقتصادي العربي من أن الدخول الوطنية العربية مجتمعة لا توازي دخل هولندا أو اسبانيا. وفي معظم الأقطار العربية تراجعت نسبة وأهمية ودور الطبقة الوسطى وتزايدت الفجوة اتساعاً بين القلة مالكة الثروة والنفوذ وبين الأكثرية الساحقة من المواطنين، وارتفعت نسب البطالة ومن هم دون خط الفقر، ما ينذر بتفجرات اجتماعية تهدد الاستقرار والسلم الأهلي.

والإجماع منعقد على أن المجتمعات العربية متخلفة جداً عن مواكبة التطور العلمي والمعرفي والتقني متسارع الخطى. بل ومقصرة عن اللحاق بكثير من المجتمعات التي كانت في منتصف القرن العشرين أكثر تخلفاً.

وبالإضافة الى وجود ما يقدر بسبعين مليون أمي عربي، ليس بين مئات الجامعات العربية واحدة بين الخمسين الأولى في العالم. والشكوى عامة من تدني المستوى العلمي لغالبية الجامعات، فيما يوجد في الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية والاوروبية ما يزيد على سبعمائة ألف عالم عربي، كما يشكل علماء الرياضيات والفيزياء العرب نسبة ملحوظة بين أساتذة الجامعات الأمريكية. وحيث تراجعت مستويات التعليم العام قياساً بالخاص تلوح في الآفاق العربية نذر تمايز طبقي علمي ومعرفي. فضلاً عن تهميش اللغة والثقافة العربية والتربية الوطنية في غير يسير من الجامعات والمدارس، وعلى نحو لم يكن قائماً في مرحلة الاستعمار المباشر، دون مراعاة لتأثير ذلك السلبي في وعي الأجيال الجديدة وشعورها بالانتماء الوطني والقومي.

والسؤال: هل تمتلك الأمة العربية آليات وأدوات تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات، أم أنها بفعل مستجدات العقود الأربعة الماضية فقدت ما كانت تتمتع به من قدرة فذة على النهوض من الكبوات واستعادة دورها في إثراء الحضارة الإنسانية؟ ولقد تباينت وجهات النظر العربية في الإجابة عن السؤال المطروح الى حد التناقض. فالأكثرية التي تحصر نظرها في انحسار المشاعر القومية العربية مقابل استشراء النزعات الطائفية والعرقية والعشائرية، وشيوع دعوات الخلاص الذاتي القطرية والفردية، والعزوف عن الاهتمام بالشأن العام، يغلب عليها اليأس من حاضر العرب ومستقبلهم، ويكثر بين نخبها القائلون بموت الأمة العربية وانطفاء أحلام الوحدة والتحرر والتقدم.

وبالمقابل يذهب غير يسير من المفكرين والساسة الى أن القراءة الموضوعية للواقع العربي تدل على أنه لا يفتقر للإمكانات التي، إن هي فعلت بكفاءة، توفر للمجتمعات العربية فرص تجاوز أزماتها، وتمكن الأمة من تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات مهما تعاظمت.

ويعلمنا التاريخ الإنساني أن الاستجابة للتحديات رهن بما هي عليه الأمم والشعوب المستهدفة من قدرة على التصدي. ولا أدل على كفاءة الأمة العربية في مواجهة التحديات المصيرية من أداء قواها المقاومة في مواجهة عدوان التحالف الأمريكي الصهيوني. وحسبي في هذا المجال التذكير بقول بريجنسكي قبل بضعة شهور: “إذا كانت السويس سنة 1956 قد وضعت نهاية الاستعمار القديم فإن المقاومة العراقية بإفشالها مشروع الشرق الأوسط الجديد وضعت بداية نهاية الطموحات الامبراطورية الأمريكية”. فيما أسقطت المقاومة اللبنانية صيف 2006 أساطير التفوق الصهيوني المدعى بها، خاصة أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وصيرورة لبنان بامتلاكه ارادة المقاومة الرقم الصعب، في معادلة الصراع. بينما حالت المقاومة في قطاع غزة دون استرداد الكيان الصهيوني قوة ردعه المجهضة، ودفعته الى طلب الحماية الدولية من فتيان القطاع المحاصر من جهاته الأربع.

وحين يؤخذ في الحسبان أن هذه الانجازات التاريخية تحققت أيام كان الظرف الدولي والإقليمي أكثر ملاءمة للتحالف الأمريكي الصهيوني مما هو عليه اليوم يغدو منطقياً التفاؤل بأن سوف تتكسر على صخرة الممانعة والمقاومة الشعبية مؤامرة تصفية الصراع العربي الصهيوني لصالح العدو التي تلوح نذرها في الأفق.

وكثيراً ما قيل بأن ما تحتاجه الأمة العربية “كتلة تاريخية” مؤمنة بالمبادئ القومية وملتزمة بالعمل على تحقيقها، وذات مصداقية شعبية ووجود ملموس في العديد من الأقطار العربية، خاصة الرئيسية منها. وفي تقديري أن آلية ايجاد “الكتلة التاريخية” قائمة في الواقع العربي الراهن. إذ لم يعد خافياً تحقق تطور كيفي في علاقات التيارات العربية الفكرية والسياسية الرئيسية الأربعة: القومي والإسلامي واليساري والليبرالي. وذلك كنتيجة للحوارات الواسعة والعميقة التي توالت بين رموز من التيارات الأربعة منذ مطلع ثمانينات القرن العشرين بمبادرة من عدد من الرموز القومية العربية، ومن خلال “مركز دراسات الوحدة العربية”.

وبالتالي أمكن تجاوز سلبيات تراكمات صراعات خمسينات وستينات القرن الماضي، وتآلف العديد من رموز التيارات الأربعة التي شاركت، ولا تزال، في المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي الإسلامي، ومؤتمر الأحزاب العربية، واتفقت على الالتزام بالعمل لتحقيق الوحدة العربية، والاستقلال الوطني، والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري، واعتبارها أهدافاً قومية.

ثم إن الظروف الاقليمية والدولية هي اليوم أكثر ملاءمة للحراك الوطني والقومي. ولما كانت المؤتمرات الثلاثة السابق ذكرها هي الأوسع انتشاراً والأكثر استقلالية في قرارها وتمويلها، فهي الأكثر تأهيلاً للمبادرة بتشكيل جبهات وطنية قطرية، ملتزمة بالأهداف الستة، ومتكاملة قومياً، ومنفتحة على حوار أنظمة الحكم وسائر القوى الاجتماعية التي لديها أي تحفظ على واحد أو أكثر من الأهداف الستة، باعتبار الجميع أبناء وطن واحد وشركاء مسيرة ومصير، يتأثرون وإن بدرجات متفاوتة بالتحديات القائمة. والسؤال الأخير هل تنهض الأمانات العامة للمؤتمرات الثلاثة بدورها التاريخي في تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات؟
"الخليج"