عام 1982: الحدّ الفاصل../ د.أسعد أبو خليل*



ماذا بقي من العام 1982؟ تأتي وفود من الخارج لتذكّرنا بمجزرة صبرا وشاتيلا، فيما تتجمّع فرقة كتائبيّة قوّاتيّة في الأشرفيّة لتحتفل مثلما تحتفل أحزاب النازيّة حول العالم بعيد ميلاد هتلر في ذكرى اغتيال زعيمهم. لن يعود هتلرهم إليهم، وإن حضر احتفالَهم شبحُ عثمان الدنا (كان البيروتيّون في الستينيات يهتفون: («عثمان الدنا. (ص...) لنا»). ولّى هتلرهم إلى غير رجعة. حقّاً، حقّاً لن يعود. تتحدّث صولانج الجميّل عن تلك المرحلة بحنين: تريد أن يعود التاريخ القهقرى ليحلّ شارون ضيفاً عليها، لكن الأخير في غيبوبة ولن يستفيق منها، وقد حاولت إسرائيل أن تعيد الكرّة في حرب تموز وفشلت فشلاً ذريعاً. لن يتسنّى لآل الحريري استقبال زعماء إسرائيل في قريطم، كما استقبل آل الجميّل زعماء إسرائيل في بكفيّا.

وليد جنبلاط قال أخيراً إن أجمل أيام حياته كانت عام 1982. أبشع عام كان 1982، بالنسبة لي. من كان في جيل سبقني، يتحدّث عن هزيمة 1967 إذ أنها شكّلت علامة فارقة في تنشئتهم. يروي لي من عاشها طالباً عربيّاً في أميركا أن المرارة كانت مضاعفة: عانوا من هزيمة الجيوش العربيّة ومن شماتة الصهيونيّة الأميركيّة. أنا كنت ابن السابعة عندما حلّت هزيمة 1967 وأذكر بعضاً من تفاصيلها، وأذكر أن جماهير بيروت التي تهتف اليوم «لعيون الشيخ سعد»، خرجت بأثواب النوم ليلة استقالة عبد الناصر مطالبةً بتحرير فلسطين: «أبو خالد، يا حبيب، بدنا نحرّر تل أبيب». كان ذلك قبل أن يتولّى السنيورة تلزيم مشروع بوش الإسرائيلي في لبنان.

لا أدري (أو، لا، أدري) لماذا أذكر ذلك العام بتفاصيله وبأيامه وأسابيعه وثوانيه وهي تتمطّى (وفق تعبير خليل حاوي). بدأ العام مشبوهاً ومتفجِّراً. عصابات تجول في المناطق الغربيّة من بيروت والجنوب. عصابات مُموّلة من ياسر عرفات ومن أنظمة عربيّة متنوِّعة، ومن إسرائيل طبعاً. بعض أوغاد تلك الحقبة، مثل أبو عريضة في صيدا، ظهر إسرائيليّاً في المرحلة الإسرائيليّة بعدما برز «ثائراً» فتحويّاً من قبل.

سيّارات مفخَّخة في بيروت الغربيّة (جوني عبده يقول وهو يضحك اليوم إنه لم يكن يجيب إلياس سركيس إذا كان هو مشاركاً بإرسال سيّارات مفخّخة إلى بيروت، لكنه يجيب عن سؤال استضافته لأرييل شارون في منزله، ولعلّ هذه الاستضافة هي التي قرّبته من عقل رفيق الحريري وقلبه) واشتباكات بين الميليشيات وحركة أمل وبين فصائل الثورة الفلسطينيّة، وحركة فتح تردّ بقصف بعض القرى الجنوبيّة بوحشيّة، وعرفات كعادته يعيِّن نماذج الفساد وعدم الكفاءة في مواقع قياديّة في جنوب لبنان. وكل من قاتل الفلسطينيّين في لبنان ومن قصف مخيّمات اللاجئين ومن كلّ الجهات كان ضالعاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مخطّط إسرائيلي (كشفت الـ«فيغارو» هذا الأسبوع في تحقيق عن عملاء إسرائيل في لبنان أن واحداً من هؤلاء العملاء كان «بطلاً» من أبطال الجيش اللبناني في الهجوم الوحشي على مخيّم نهر البارد).

و«الحركة الوطنيّة» كانت تحتضر في ذلك العام. مكاتب فوق مكاتب. أذكر عندما ذهبت أول مرّة إلى مبنى «الحركة الوطنيّة» في بيروت، أنني كنت أسأل من ألتقي: ولماذا تحتاج «الحركة الوطنيّة» إلى كل تلك المكاتب؟ وماذا يفعلون في داخلها؟ اجتماعات فوق اجتماعات مع أن التغيير كان معدوماً. أصبحت بيروقراطيّة الثورة مدمنة للبيروقراطيّة، وهي تحتاج إلى الدفق المالي من الأنظمة العربيّة. حتى تنظيمات اليسار أدمنت الدعم المالي ونسيت وعودها الثوريّة. كنت واحداً من هؤلاء الذين تقاعدوا من الثورة في سني الجامعة بعد تكشّف الثقل البيروقراطي وسيادة أنظمة لا علاقة لها بالثورة لكن قصة الخيبة الثوريّة قصة أخرى. كان الرفيق فهد مبكِّراً في تحذيرنا من أوهام التغيير في ظل حركات ستالينيّة بيروقراطيّة. ولكن بيننا مَن ندم على التقاعد الثوري المُبكر عندما حلّ عام 1982.

تحوّلت التنظيمات اليساريّة إلى نماذج تقليد للأنظمة العربيّة وللجيوش العربيّة. الجبهة الشعبيّة أنشأت كليّة ضبّاط (وضمّت خيرة من المقاتلين والمناضلين). لكننا تساءلنا يومها عن سبب الحاجة إلى كليّة ضبّاط مع وعود حرب التحرير الشعبيّة. ووقف النار مع العدو في جنوب لبنان لم يكن يخلّ به أحد: حاولت الجبهة الشعبيّة ــ القيادة العامة أكثر من مرّة أن تخرق وقف النار لكن عرفات كان حازماً وحاسماً. لن يفعل ما يمكن أن يفقده «الساحة اللبنانيّة» التي كانت تدرّ عليه أرباحاً سياسيّة وماليّة (ولكن ثبتَ بعد 1982 أن وجود منظمة التحرير في لبنان عاد على الاقتصاد اللبناني بفوائد جمّة تحسّر عليها تجّار بيروت الكبار والصغار).

أما بيروت الشرقيّة التي كنتُ بعيداً عنها، نفسيّاً وجغرافيّاً، فقد أنشأ فيها النازي اللبناني الصغير أسوأ لبناني على الإطلاق، بشير الجميّل، محميّة إسرائيليّة فاشيّة. هذا الذي ظنّ تابعوه أنه قائد، كان يترك كل شيء ليقود سيارة أرييل شارون عندما يجول في لبنان، كما روى الأخير في مذكّراته، فيما كانت صولانج تعدّ بيديها أطباق شارون المفضّلة. وكان الجميّل في أوائل 1982 يطلق التهديد والوعيد ويقول إنه لن يقبل بتعيين «بابراك كارمال» رئيساً لجمهوريّة لبنان. لم ير المفارقة، أو لم يتسنّ له رؤية المفارقة. نصّبته إسرائيل رئيساً، ثم عادت ونصّبت أخاه من بعده. كان بشير الجميّل يهدّد بـ«القرار»، فيما كان القرار إسرائيليّاً. لم يكن القرار له قط، وهو الذي كان مرتهناً في سن مبكرة للخارج. داعي السيادة هذا، الذي كان يتغنّى بكانتونه الطائفي، صار يطمح إلى الاستفادة من سيطرة إسرائيل على كلّ لبنان. هذا هو المعنى الحقيقي لشعار مساحة مسخ الوطن. أقامت إسرائيل قواعد عسكريّة لها في داخل لبنان قبل الاجتياح، فيما كان فاشيّو القوات اللبنانيّة يتغنّون بالسيادة، مثلما يتغنّى فريق «الأمير مقرن أولاً» اليوم بالسيادة فيما يأخذ سعد الحريري توجيهاته من أمراء آل سعود، أو من ينتدبون عنهم.

تسارعت الأحداث بعد صعود ريغان في أميركا والتقارب بين الولايات المتحدّة والنظام العراقي. عصر الملك فهد بلغ أوجه وكان يسعى مع الإدارة الأميركيّة لوراثة أنور السادات. «الحركة الوطنيّة» غرقت في الفساد والطائفيّة والشلليّة وتسرّب أجهزة الاستخبارات على أنواعها إلى صفوفها وقياداتها، بالإضافة إلى ضربها على يد احتكار ياسر عرفات للسلطة، هذا دون الانتقاص من بعض منجزات «الحركة الوطنيّة» التي تفوق مجمل الحركات السياسيّة في الحرب اللبنانيّة. كان ياسر عرفات يحذّر من عدوان إسرائيلي ويصف الخطة العسكريّة للاجتياح بـ«الأكورديون» دون أن يستعدّ لها. تقصير مُضاف إلى غرور مُضاف إلى ارتهان للمال النفطي. وحركة فتح وصفة لإفشال الثورة والمقاومة في أي بلد من البلدان.

واجتاحت إسرائيل في أيام لتصل إلى مداخل بيروت. هناك صورٌ لا تُنسى. ميليشيا القوات اللبنانيّة الإسرائيليّة، أي ميليشيا النازي اللبناني الصغير، تدوس بالأرجُل أكياس الخبز الآتية إلى بيروت الغربيّة المُحاصرة، إلا أنها كانت تسمح لبعضها الكثير بالمرور مقابل رشى سخيّة. أذكر الشوارع في الحمراء أثناء الحصار، بعدما انتقلت عائلتي من حي المزرعة بعد قصف مبنى مجاور لمسكننا: قنبلة فراغيّة هدمت المبنى بطبقاته على رؤوس سكّانه. كنتُ في المنزل (المُجاور). أروي الحادثة في كل مناسبة هنا في أميركا للحديث عن إرهاب إسرائيل. أذكر لمرّة واحدة في حياتي كيف أنني لثوان بعد سقوط القنبلة (التي تنفجر مرتيْن) وبعد تكسّر الزجاج في المنزل ومشاهدة سحابة دخان ونار في داخل المنزل، وبعدما سقطت والدتي مغشيّاً عليها تساءلتُ: أأنا حيّ أم ميت؟ أذكر كيف جلستُ أنتظر الجواب قبل أن أفيق من الوهلة. أذكر أن محطة «صوت لبنان» التي عملت بإشراف إسرائيلي ذكرت أن إسرائيل قصفت «مواقع مخرّبين» في حيّ المزرعة. لم يكن يجاورنا أي مكتب للمقاومة الفلسطينيّة. أسأل الجمهور الأميركي دائماً: الدولة التي قصفت ذلك المبنى في موقع الوعظ والإرشاد في شؤون الإرهاب؟

أذكر في يوم من أيّام الحصار في شارع الحمراء وأنا أرى مقاتلاً في حركة فتح يمشي بخفر. غابت عنه العنجهيّة والنزق اللذان كانا معروفين عن مقاتلي فتح والكفاح المسلّح، هؤلاء الذين قال مظفّر النوّاب عنهم «أنا أبكي بالقلب لأن الثورة يُزنى فيها». أذكر أنني حدّقتُ إليه في محاولة لفهم الدرك. أردته أن يعرف أن حركة فتح وقيادة منظمّة التحرير كانتا مسؤولتين عن الهوة بين الثورة (المُجهضة) والناس: أو بين السمكة والماء، على قول ماو تسي تونغ.

أذكر أنني كنت أجدُ (متفهِّماً ومستنكراً في آن واحد) في جريدة «السفير» جهداً لإنكار تلك الهوة. كانت عائلات بحالها تزور منزل صائب سلام (أول عربي جاهر بتأييده لزيارة السادات المشؤومة للكيان الغاصب) مطالبة برحيل مقاتلي الثورة عن بيروت (مثلما عاد أهل بيروت واستجدوا حافظ الأسد لإرسال جيشه إلى لبنان عام 1987). أهل بيروت استخدموا المقاومة ثم رموها للوحوش بعدما استنفدت أغراضهم الطائفيّة وهذا ينطبق على الطائفيّة السنيّة والشيعيّة.

وبعدما انتقلت العائلة إلى بيروت الشرقيّة، لم أستطع أنا وشقيقتي أن نعيش في جمهوريّة بشير الجميّل. كنت مقاطعاً لبيروت الشرقيّة منذ اندلاع الحرب باستثناء زيارة واحدة وأنا لم أبلغ العشرين، زيارة لم تكن سياحيّة. ورحلنا إلى منزل عمّتي في القليلة، قرب صور. هالَني ما رأيت. الأعلام البيضاء تغطّي كل السطوح والشرفات في القرى ومدن الجنوب. التعامل مع إسرائيل قائم على قدم وساق ومن دون ندم أو تردّد. أذكر أن بعض رجال القرى كانوا يزورون إسرائيل للسياحة والتنزّه. أذكر مزارعاً وهو عائد من زيارة يقول مُعجَباً: «مثل أوروبا، يم». أذكر أن واحداً نهره: «ولكنك لا تعرف أوروبا لتقارن، يا عم». وكان عملاء جيش لحد وجزّاروه يعيثون فساداً وقتلاً: كان واحد من هؤلاء في بلدة القليلة يهدّد في ساحة القرية: سأجلب لكم جيش الدفاع الإسرائيلي (هذا الرجل وُجد بعد سنة من الاحتلال أو أكثر مقتولاً برصاصة في الرأس). عندها فقط، هرب العملاء ولجأ بعضهم إلى تنظيمات التوبة. أذكر أنه عندما كان أحدٌ يدعو الناس لمقاطعة إسرائيل، كيف كنت تسمع نغمة سمجة عن سوء «العنصر الفلسطيني». لا أنسى أن بعضاً من حركة أمل، مثل داوود داوود، قاد حملات عنصريّة ضد شعب فلسطين وهتف في مدينة صور أن «الفلسطيني عدو الله». سألت داوود هذا عن سبب عدائه للشعب الفلسطيني، فأعطاني جواباً مجترّاً من أقوال بيار الجميّل عن «الفلسطيني الشريف» و«المخرّب». إذاعة إسرائيل بين ظهرانينا. وحرب المخيّمات المشؤومة لم تأتِ من فراغ. وأذكر كل من هادن الاحتلال وحاول أن يستفيد منه.

أذكر عندما جال جيب إسرائيلي في القليلة يدعو كل الرجال إلى ساحة البلدة. هرعت عمّتي تدعوني للنزول. قلت لها إنني غير معني بالدعوة لأني زائر، واستسلمت للنوم. أفقت على ألم في قدمي: أفقت ورأيت جنديّين إسرائيليّين يلكزان قدمي بفوهة بندقيّة «إم سكستين». وبعد أخذٍ وردّ لم يزدهما إلا غضباً، نزلت مرغماً. أتوا بمقنّع (أتمنّى أن يكون قد لقي جزاءه) يشير من خلال نافذة جيب لـ«المخرّبين» بين الرجال المُتجمّعين. أخذوا مجموعة من الصبية والرجال إلى داخل فلسطين المُحتلّة. بدأوا بضربهم قبل أن يلقوا بهم في الحافلة. سكت الرجال وصاحت النسوة وشتمن ورمتهم بالحجارة. طلبوا من الرجال الذهاب إلى الحسينيّة. مشينا برؤوس تكاد تلتصق بالأرض في ذاك اليوم.

جلسنا في الحسينيّة. الذعر كان سيّد الموقف. أتوا بمسؤول استخبارات ــ كما عرّف عن نفسه ــ اسمه «أبو تمارا». قال إنه يكمل أطروحة في الأدب العربي في واحدة من جامعات إسرائيل. ألقى كلمة بلغة عربيّة ركيكة (مستوى الاستشراق الإسرائيلي متدنٍّ جدّاً ولا يمكن مقارنة الاستشراق الإسرائيلي بإسهامات الاستشراق الأوروبي على علاّته المنهجيّة والسياسيّة). أذكر أنه «شرح» لنا أهداف العدوان. تنصيب بشير الجميّل رئيساً كان واحداً منها، ثم استفاض في نقد العرب، كعرق، وفي نقد كذبهم وثقافتهم. ما هالني هي صيحات الموافقة (من نوع «أحسنتْ») من الجمهور في حسينيّة القليلة. هالني كيف صفّقوا للمحتلّ. هل يذكر الأهل في القليلة ذلك المشهد؟ وعندما امتنع واحدهم بالطبع عن التصفيق ـ كأقل وأضعف أنواع المُقاومة ـ ابتعد عنه من كان يجاوره في المجلس ـ وهم من الأقرباء في بلدة كلّها من الأقرباء. لم يريدوا أن يجاوروا من لم يُصفِّق لـ«أبي تمارا». أذكر عندما عدتُ حانقاً إلى منزل عمّتي (الذي تعرّض للتدمير في حرب تمّوز، كما تعرّض لقصف من قبل، مما يعطي القليلة الحق بقصف إسرائيل يوميّاً بالصواريخ ولقرن من الزمن على أقلّ تقدير انتقاماً من حروب إسرائيل على جنوب لبنان منذ إنشاء الكيان الغاصب)، جو الإرهاب الذي فرضه المُحتل. حاولت عمّتي أن تقنعني بوجوب الامتناع عن الحديث في «السياسة»، وأنا كنت طالباً في العلوم السياسيّة كما سارعتُ إلى تذكيرها. حاولتْ أن تجعل من ذلك شرطاً للضيافة. خالفتُ ذلك الشرط، وخالفت شرطاً آخر في إصراري على الاستحمام اليومي.

أتذكّر اليوم كل من ركب موجة الاحتلال. أتذكّر الكثيرين من شيعة الجنوب وهم يرحبّون بجيش الاحتلال (لا تصدّقوا أن هناك طائفة أكثر استعداداً للمقاومة من طائفة أخرى). أذكر واحداً كان يزهو بورعه ومواظبته على الصلاة كيف أطلق اسم «سلام» على مولود جديد تيمّناً بما سُمّي «عمليّة سلامة الجليل». أتذكّر لبيب أبو ظهر: وعندما مات الأخير قبل نحو عام أسبغت صحف لبنان المديح عليه. وعائلة كاظم الخليل في صور، بالإضافة إلى عائلة كامل الأسعد، ظنتا أنهما ستستعيدان مجداً غابراً بدعم من الاحتلال. لا يزال البعض في القليلة يذكر من كان يتنبّأ لهم ـ دون الاستعانة بالأبراج ـ بأن عداءهم لإسرائيل سيتجدّد، وفي موسم البرتقال المُقبل بالتحديد. هذه هي جدليّة الاحتلال، وخصوصاً الاحتلال الإسرائيلي القائم على الوحشيّة الفائقة والعنصريّة الصفيقة. المقاومة بدأت خافتة ونمت بسرعة. ولكن حتى في الأسابيع والأشهر الأولى، كان جنود الاحتلال يقطعون أشجار البساتين المشرفة على الطريق العامة لكثرة ما أُطلق عليهم من رصاص وقذائف. وكانوا من ذعرهم يلمّون الناس عشوائيّاً إلى المعتقلات كما يقطف المزارع الثمار. أذكر صبية عادوا ودلائل وحشيّة الاحتلال الإسرائيلي مرسومة على أجسادهم الطريّة. أنا لا أحتاج لقراءة تقارير منظمات حقوق الإنسان الغربيّة لأتيقّن من ارتكاب الدولة العدو ـ جارة فريد مكاري ـ جرائم حرب.

تمرّ ذكرى ذلك الصيف الثقيل. أرى ابن النازي اللبناني الصغير يجول على ما يُسمّى «أركان الدولة» في مسخ الوطن ليدعوهم لاحتفال في ذكرى والده. مات مشروع جعل كل لبنان محميّة إسرائيليّة. أما ضحايا صبرا وشاتيلا: الأطفال والنساء الذين واللواتي ماتوا في أثواب النوم، فلا أحد يذكرهم إلا هؤلاء القلّة من اللبنانيّين واللبنانيّات الذين ما تنكّروا يوماً لشعب فلسطين وقضيّة تحرير كل فلسطين. ولماذا لا نتذكّر أيضاً الجهود الجبّارة لـ«الرجل الخطير» الذي ـ بساعد أو بساعديْن ـ قضى على مشروع إسرائيل في لبنان. كانت بداية النهاية. متى يُشيَّد تمثال مرمريّ لـ«الرجل الخطير»؟ أتعهّد بمسح الغبار عنه كلّ يوم. ولماذا لا نتذكّر الصبية في عين الحلوة: قاوموا المُحتل وأصابوه بالذعر من دون أن يترك لهم الكبار خطة للدفاع ووسائل للصمود.

أتذكر أيضاً كيف حاول أمين الجميّل أن يعيد الكرّة، محاولاً أن يعطي إسرائيل أكثر مما أعطاها أخوه، على ما قال لهم في بكفيّا عندما زار قادة إسرائيل منزل العائلة. لم يكن له ما أراد هو الآخر. ساهم في إنهاء دور حزب الكتائب اللبنانيّة في التاريخ اللبناني. يستجدي ما بقي من ذلك الحزب عائلة الحريري للحصول على مقعد نيابي هنا، ومقعد وزاري هناك، أو ما يجود به الأمير مقرن عليهم، فيما شكا الأمير سعود فيصل لصديق في أميركا من «سوء استخدام» الكتائب لأموال سعوديّة في حملة انتخابيّة فاشلة. لكن خطر العقيدة الكتائبيّة لم يزل قائماً. فقد اعتنق رفيق الحريري وورثته العقيدة الكتائبيّة ونشروها في أوساط السنّة ومن يؤيّدهم من سائر الطوائف. يمكن اعتبار رفيق الحريري كالوارث الشرعي لبشير الجميّل.

يمرّ عام 1982 كلّ عام: ولأهلنا في صبرا وشاتيلا، يمرّ كل يوم وكلّ ساعة. فصلَ عام 1982 بين ما قبله وما بعده من حيث النوايا الإسرائيليّة للسيطرة الكليّة على لبنان. خُيِّل لإسرائيل من خلال وعود قواتها «اللبنانيّة» الرديفة أنه سيستقيم لها حكم لبنان وإحاطة حدودها بجمهوريّة أنطوان لحد. تبخّرت أحلام إسرائيل في ذلك العام، وسُحق المشروع الكتائبي إلى الأبد. قتلت إسرائيل 20,000 لبناني وفلسطيني عام 1982. لاءات الخرطوم تحفظ ذكراهم. وهناك جانب قاتم بالنسبة لكثيرين في لبنان: نحن الذين نشأوا في حضن الثورة الفلسطينيّة وترعرعوا بين مقاتليها، فقدنا الأب والأم في الرحيل عام 1982. بعضنا دخل في غربة لم يخرج منها قط. هي «الغربة في الوطن» على حدّ تعبير علي بن أبي طالب. ولكن، منّا من لم يجد وطناً في الغربة... في انتظار فلسطين، فقط.
"الأخبار"