التطبيع عنوان المرحلة../ خالد خليل

ما تمّ نشره عن مبادرة أوباما فيما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي، يتلخص بإمكانية إبرام صفقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة ومنزوعة السلاح مع إدارة ذاتية للأماكن المقدسة الإسلامية في القدس من قبل الفلسطينيين، وعودة محدودة لعدد من اللاجئين إلى داخل الضفة الغربية.

كل ذلك ضمن تنسيق أمني بين الطرفين تسيطر فيه إسرائيل على المعابر والأجواء الفلسطينية، وسوف يعلن عن قيام هذه الدولة صيف العام 2011.

إذا ما وافق نتنياهو أو لم يوافق على تجميد الاستيطان (هو يوافق على ذلك جزئيًا كما يصرّح)، فإنّ الدول العربية بدأت فعليًا بالتطبيع مع إسرائيل بدون ضجة إعلامية (السماح للطيران الإسرائيلي بالمرور فوق الأجواء العربية والتحضيرات لإعادة فتح مكاتب التنسيق مع بعض الدول العربية!!).

وبغض النظر عن مدى الانجاز الذي سيحققه ميتشل من جولته الأخيرة بين رام الله وتل أبيب، فإنّ محمود عباس كما يبدو سيوافق على عقد القمة الثلاثية في الولايات المتحدة مع اوباما ونتنياهو.

الخطير في الأمر إنه حتى على مستوى التكتيك لا تلوّح الأنظمة العربية برفض التطبيع مع إسرائيل إذا لم تتنازل عن مواصلة أنشطتها الاستيطانية، رغم أن وقف الاستيطان معروض كشرط أمريكي وأوروبي لاستئناف المفاوضات وانجاز التسوية.

لقد نجحت أنظمة الاعتدال باحتواء الغضب الشعبي العربي وامتصاص المواقف الرافضة للتطبيع من خلال تكرار هذا الشرط الأمريكي (تجميد الاستيطان مقابل التطبيع) حتى بات المحور الأساسي في النزاع العربي الإسرائيلي، وتمّ تهميش باقي المحاور أو التعامل معها على أساس أنها قابلة للتفاوض أو غير عصية على الحل، فالاستيطان هو مشكلة المشاكل، والحل السحري يكمن في تجميد الاستيطان!!

الذروة في تتابع الأحداث في هذه الدراما ستكون عندما «تنكسر» شوكة نتنياهو ويوافق في الدقيقة التسعين على تجميد الاستيطان، وستأخذ هذه الذروة طابعًا دراميًا أكثر عندما «يضحي» بمستقبله السياسي ويوافق على التجميد لمدة تسعة أشهر بدلاً من ستة أشهر، كما يقترح حتى الآن، وستطلب أمريكا من أصدقائها العرب «السماح»، لأنها ستتنازل عن التجميد لمدة سنة كما تقترح هي، وقد يعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب للتباحث في قضية «فترة التجميد»، وستغمرنا وسائل الإعلام بمانشيتات التكهن والتوقعات، وستتم الصفقة في «المنتصف» بين ستة واثني عشر شهرًا، أي تسعة أشهر، فخير الأمور الوسط!!

وكما يبدو لن يلتفت احد للفتوى التي أصدرها السيد محمد حسين فضل الله المرجع الإسلامي الكبير (عفوًا الشيعي)، بصدد تحريم التطبيع مع إسرائيل.

وقد يتبارى علماء من المسلمين لإصدار فتاوى مضادة، وقد تنبري أقلام نخب السلطة للتحريض عليه وعلى مذهبه وعدم جواز الأخذ بالفتاوى الصادرة عنه، وقد يلقى هذا الحديث آذانًا صاغية في كثير من المحافل في زمن الصراعات الطائفية والمذهبية.

لا غرابة، والحالة «نيلة» بهذا الشكل، أن يكون التطبيع هو عنوان المرحلة بامتياز... ولا شك أن ذلك سيساهم في تذليل العقبات أمام تمرير التسوية – التصفية... فهل ستصمت النخب والأحزاب والحركات العربية والإسلامية، المناوئة للحلول التصفوية نزولاً عند مبدأ مسايرة الأنظمة وعدم التصادم معها؟!
"فصل المقال"
25/09/2009