عبثية التفاوض من أجل التفاوض../ راسم عبيدات*

يبدو أن العرب خبراء في صوغ الحجج والذرائع والمبررات التي يجترونها ويسوقونها ليل نهار لعدم الثبات على مواقفهم أو مطالبهم. ويبدو كذلك أن حالة الذل والهوان والانهيار الشمولي للنظام الرسمي العربي واستمراء لعبة التفاوض من أجل التفاوض، هي التي تدفعهم ليس للمرونة والتكتيك بل لتقديم التنازل تلو التنازل، وتبرير تلك التنازلات، بأنها تأتي في إطار ما يسمى بهجوم السلام الفلسطيني والعربي لكشف الحكومة الإسرائيلية اليمينية والمتطرفة وفضحها وتعريتها و"شل عرضها" أمام العالم، وحشرها في الزاوية، إلى تلك القائمة واللازمة الطويلة من التبريرات والذرائعية المقيتة والمذلة والتي باتت غير مقنعة ليس للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بل وحتى لطفل رضيع.

ففي الوقت الذي صدع رؤوسنا دعاة نهج التفاوض في الساحة الفلسطينية بأنه لا عودة إلى المفاوضات ولا لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلا بالوقف الشامل للاستيطان في الضفة والقدس، وعلى هذا الأساس قامت خطة الرئيس الأمريكي أوباما التطبيع مقابل الوقف الشامل للاستيطان، والتي حلي للكثير من جهابذة الذرائعية العرب والمطبلين والمزمرين بنعم السلاطين من سياسيين وإعلاميين ومفكرين، إلى توصيفها على أنها انقلاب دراماتيكي في السياسة الأمريكية، وأن أوباما سيقيم الدولة الفلسطينية، وسيعيد صياغة العلاقات الأمريكية- العربية على أسس جديدة.

وهذه الهرولة وهذا الشطط ، هو الذي دفع أوباما نفسه للقول للعرب: "عليكم عدم الإفراط في التفاؤل". ورغم أننا قلنا وما زلنا نقول إن خطة أوباما ليست إلا لغة جديدة لتسويق بضاعة قديمة كاسدة وفاسدة.

ففي الوقت الذي حاول المبعوث الأمريكي للجنة الرباعية، جورج ميتشيل، أن يسجل ولو نجاحا جزئيا يحفظ وجه ماء الإدارة الأمريكية بإقناع نتنياهو أن يوافق ليس على وقف الاستيطان في الضفة والقدس، بل على تجميده بشكل مؤقت، وبما لا يشمل القدس والكتل الاستيطانية الكبرى، وجدنا أن فريق السلطة الفلسطينية المفاوض، والذي طالما صرح وعلى لسان أكثر من مسؤول بأنه لا عودة إلى المفاوضات ولا لقاءات مع نتنياهو إلا بالوقف الشامل للاستيطان، حتى أن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، خرج بتصريح يقول فيه: "على ماذا يريد أن يتفاوض نتنياهو".

ونحن بدورنا نقول له ما الذي تغير حتى تغيروا مواقفكم خلال أقل من أربعة وعشرين ساعة ؟! فمواقف نتنياهو واضحة وضوح الشمس وثابتة وتعبر عن حقيقة الموقف الإسرائيلي من المفاوضات والعملية السلمية، وأنتم تعرفونه جيداً فهو حتى اتفاقيات أوسلو بكل مساوئها وقفزها عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لم يلتزم بها، وأصر على عدم تنفيذها والتفاوض عليها من جديد، وهو جاء للحكومة الإسرائيلية ورئاسة وزرائها على أساس برنامج جوهره مواصلة الاستيطان ورفع وتائره في الضفة والقدس، وهذا ما ترونه وتسمعونه وتشاهدون نتائجه على الأرض بشكل يومي. فلماذا إذن اللقاء مع نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الوقت الذي يؤكد نتنياهو على نفس مواقفه؟ وما هي المصلحة الفلسطينية من ذلك؟ فهل نتنياهو على سبيل المثال لا الحصر قال إنه سيعيد بيتي حنون وغاوي اللذين استولى عليهما المستوطنون في منطقة الشيخ جراح قبل ثلاثة أشهر، وما زال أصحابهما يفترشون الأرض على رصيف الشارع المقابل لبيتيهم، وينظران إليهما بكل حسرة وألم، ويأتي العيد ليمر شريط ذكرياتهم في هذين البيتين، وترى الدموع تنهمر من عيون أطفالهم؟ أم أنه سيوقف هدم المنازل الذي أصبح جماعياً في مدينة القدس ويطال أحياء بكاملها كحي البستان في سلوان؟ وهو الذي يعلن ليل نهار وليس مثلكم يمارس سياسة التعمية والتضليل، بأن البناء سيتواصل في القدس، وأنها ليست مستوطنة، بل هي عاصمة إسرائيل الأبدية على حد زعمه، وهو يقرن القول بالفعل، ولا يكتفي بالشعارات الرنانة والطنانة، فحتى اتفاقيات أوسلو المجحفة والتي دعت إلى المحافظة على مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في القدس، لم يلتزم بها نتنياهو وغيره من الزعامات الإسرائيلية، وأنت تعرفون أكثر من غيركم أنه لم يكتف بإغلاق المؤسسات الفلسطينية المقدسية فقط، والتي كان آخرها إغلاق مركز نضال للخدمات المجتمعية في البلدة القديمة، بل أصبح أنه ليس من حق المقدسيين إقامة أية أنشطة ليست وطنية وسياسية، بل اجتماعية وخدماتية وإغاثية ورياضية وفنية لها علاقة بالسلطة أو فصائل العمل الوطني والإسلامي، حتى بيوت العزاء لقادة وشخصيات فلسطينية وطنية جرى منع إقامتها، وكذلك الإفطارات الجماعية في شهر رمضان المبارك.

إذاً ما جدوى عقد قمة ثلاثية مع نتنياهو وأوباما على هامش اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ما دام نتنياهو ممسكا بكل مواقفه ولاءاته وتنكره لكل حقوق شعبنا الفلسطيني، سوى أن مثل هذا اللقاء يشكل استمراراً لنفس سياسة التفاوض من أجل التفاوض والمسار العبثي والتجريب والمقامرة بحقوق الشعب الفلسطيني ووحدته الداخلية، وخدمة ومباركة مجانية لما يقوم به نتنياهو من إجراءات وممارسات بحق شعبنا الفلسطيني، وتشجيعا للنظام الرسمي العربي لتقديم المزيد من التنازلات في إطار تشجيعه على تسريع التطبيع مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وإعطاء مصداقية للسياسة الأمريكية، والتي همها الأول والأخير المصلحة الإسرائيلية والضغط على العرب والفلسطينيين باعتبارهم الطرف الأضعف، للتكيف مع شروط ومطالب نتنياهو. فأمريكا التي ستجلب لنا الدولة، أول من أدان وشجب واستنكر وأستعد للتصدي وإحباط رفع التقرير الذي أعده خبراء من الأمم المتحدة أو ما يعرف بتقرير غولدستون بشأن الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة كانون أول/ 2008، والذي خلصوا فيه إلى ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب، إلى محكمة الجنايات الدولية وجلب قادة إسرائيل العسكريين والسياسيين المشاركين في تلك الحرب لمحاكمتهم كمجرمي حرب.

إن عقد مثل هذا اللقاء هو استمرار لنهج المفاوضات العبثية المدمرة، وإعلان حالة الطلاق مع الخيارات الأخرى. وهذا الفريق التفاوضي قال أكثر من مرة إن التفاوض هو خياره الوحيد، وليس لدية أية استعدادات لغير هذا الخيار، وواضح أنه مستمر في سياسة "عنزة ولو طارت"، وهذا معناه أن الساحة الفلسطينية مقبلة على المزيد من الشرذمة والانقسام والضعف الداخلي، وسيستمر الاحتلال مستفيداً من هذه الحالة في قضم حقوق شعبنا الفلسطيني، وفرض سياساته وإجراءاته على الأرض ووفق ما يخطط ويرسم له.