اللوبي الصهيوني: عمليّة صنع القرار في السياسة الأميركيّة../ د.أسعد أبو خليل*

يعتري الفهم العربي لصنع القرار في السياسة الخارجيّة في الولايات المتحدة مغالطات وأخطاء. يزيد من سوء الفهم الكلام عن «اللوبي» وعن مؤامراته التي أبعدت مديريّة الأونيسكو عن شفتيْ فاروق حسني... مبارك، الذي لم يكتشف شرور اللوبي إلا بعد هزيمته في انتخابات الأونيسكو. يختزل الإعلام العربي والحكومات العربيّة آثام السياسية الأميركيّة نحو الشرق الأوسط بدور هذا «اللوبي». وصدور كتاب جون مرشهايمر وستيفن وولت عن دور «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجيّة لأميركا» زاد من سوء الفهم. لكن الموضوع أكثر تعقيداً ويستحقّ بعضاً من الشرح المستفيض


إن صنع السياسة الخارجيّة للولايات المتحدة عمليّة معقّدة. صحيح أن الرئيس الأميركي يتمتّع بصلاحيّات واسعة في هذا الإطار، لكن هذه الصلاحيّات ليست منبثقة من الدستور الأميركي وحسب بل من واقع الثقافة السياسيّة، حيث لا تشكّل موضوعات السياسة الخارجيّة عاملاً مؤثّراً في السلوك الاقتراعي للشعب الأميركي.

الرأي العام الأميركي يمكنه أن يلعب دوراً مؤثِّراً في السياسة الخارجيّة، لو أراد، لكنه لا يريد على ما يبدو. هناك مفاصل في التاريخ الأميركي الحديث عندما أثّر الرأي العام الأميركي على مسار السياسة الخارجيّة، مثل حرب فيتنام أو في مسألة ما سمّاه جون كنيدي في حملته الانتخابيّة الرئاسيّة عام 1960 «هوّة الصواريخ» (مع أن الموضوع كان باطلاً، أو أن الهوّة كانت لمصلحة أميركا كما يرد في كتاب نيل شيهان الجديد عن إنشاء الصواريخ الباليستيّة، لكنه خدمه سياسيّاً).

الناخب الأميركي كان يأخذ في الاعتبار مسألة التسلّح أو مسألة الحرب في فيتنام عندما يتوجّه إلى صندوق الاقتراع (غير مستعين بالمال السعودي). أما في قضايا السياسة الأميركيّة الخارجيّة التي لا تعني الأميركي والأميركيّة في شيء أو هكذا يظنّان فالمواضيع لا تحظى بأي ذكر في جدول أولويّات السلوك الانتخابي، النيابي أو الرئاسي، مع أن موضوع مواجهة الإرهاب حظي باهتمام بعد 11 أيلول. يُقال هنا إن المقترع يصوّت بناءً على مواضيع «الجيب».

إن قضية اللوبي تشغل الرأي العام العربي لعقود لأن المنظمات (وبعض الشخصيّات) العربيّة الأميركيّة، أو بعض السفراء الأميركيّين السابقين الطامعين بتبرّعات الأنظمة العربيّة وسفاراتها، بالإضافة إلى بعض الزوار العرب الأميركيّين في العالم العربي، قرّروا لغايات واضحة أن يختزلوا آثام السياسة الخارجيّة الأميركيّة بموضوع اللوبي الإسرائيلي الخبيث. وكم زار ياسر عرفات من طامحين (أو طامعين) من العرب الأميركيّين، أو من المستعربين المتقاعدين، وقدّموا له وعوداً بالقضاء على نفوذ اللوبي مقابل بضعة ملايين من الدولارات (كان عرفات في الغالب يتصدَّق عليهم ببضعة آلاف من الدولارات).

ويسهل على الرأي العام العربي قبول تعظيم دور اللوبي، وذلك لأن الحكومات العربيّة استسهلت عزو فشلها في الدبلوماسيّة حتى لا نتحدّث عن فشلها في الحروب، بما فيها هزيمة 1973 لنُقلِع عن اعتبارها نصراً، إلى نفوذ هذا اللوبي. كما أن الفهم العربي (المُحافظ) لواقع سياسات الولايات المتحدة الداخليّة والخارجيّة يتقاطع مع التشديد على دور اللوبي. كم يكرِّر زعماء عرب ويساريّون عرب وأصوليّون عرب لازمة أن مشكلتنا مع أميركا تكمن في سياساتها في الشرق الأوسط، أي في دعمِها لإسرائيل.

وهذا الجواب يتجاهل دور الحكومة الأميركيّة في اضطهاد الأقليّات وفي خرق الحقوق المدنيّة لقطاعات واسعة من الشعب الأميركي، كما أن القول بالاختلاف مع أميركا فقط في دعمها لإسرائيل يعني الموافقة على الدور والحروب الامبرياليّة خارج الشرق الأوسط، من استعمار الفيليبين إلى الاستعمار الشفاف في أميركا اللاتينيّة.

وإذا كان الاعتراض العربي على السياسة الأميركيّة يكمن في معارضة انحيازها لإسرائيل فهل يعني هذا أن لا اعتراض على دور أميركا في التأثير على الإنتاج والتسعير النفطي، وفي تنصيب كوكبة من الطغاة العرب ودعمهم من المغرب إلى الخليج؟ نستطيع أن نزيد أن الولايات المتحدة، من خلال دورها في الحرب الباردة، أسهمت في محاربة أفكار التقدم والتنوير والنسويّة لأنها كانت تدعم ولا تزال تدعم أكثر الأنظمة والحركات ظلاميّة، وهي لم تستفق من عقود من دعم الحركات الدينيّة المتطرِّفة، وذلك من أجل محاربة الشيوعيّة بشتى الوسائل. لهذا، فإن ظاهرة القاعدة هي جانب من كوارث السياسة الخارجيّة الأميركيّة أكثر مما هي نتاج ثقافي أو حتى سياسي عربي، مع أن التحالف السعودي الأميركي أثناء الحرب الباردة، وحتى 11 أيلول، عزّز نفوذ الحركات الظلاميّة على أنواعها.

يجب بداية تحديد موقع «اللوبي». يجب بداية تحديد المصطلحات. اللوبي الصهيوني في أميركا هو لوبي صهيوني وليس يهوديّاً، وليس هذا التحديد من باب الحرص على عدم إهانة اليهود كيهود فقط. هناك يهود يجهدون في الدفاع عن الحقوق الفلسطينيّة فيما يجهد زعماء المنظمات العربيّة في واشنطن للترويج لمحمد دحلان والانصياع للّوبي الصهيوني. لهذا، فمن الضروري عدم التعميم المُسيء إلى مجمل اليهود، كيهود. وبات على العرب إدراك مدى مساهمة الخطاب المعادي لليهود كيهود في الدعاية الصهيونيّة حول العالم (لا ندري سبب تضمين خطاب حسن نصر الله الأخير في يوم القدس كلاماً مهيناً لليهود كيهود، لأن هذا الكلام سيُترجم إلى لغات أجنبيّة وستستخدمه السفارات الإسرائيليّة في حملاتها الدعائيّة لعزو مقاومة إسرائيل العربيّة إلى نيّات كراهية أو حتى نازيّة، كما تقوم السفارات الإسرائيليّة حول العالم بطبع خطب أحمدي نجاد في كراريس مصقولة لكسب الدعم الدعائي والمالي). بالإضافة إلى أن الخطاب المعادي لليهود واليهوديّة لا أخلاقي ويضرّ بمصلحة هدف تحرير كل فلسطين وإنشاء دولة يتعايش فيها كل المواطنين والمواطنات بسلام، بصرف النظر عن الدين والعرق (ولنُقلِع عن استعمال النموذج اللبناني كمثال لدولة فلسطين الواحدة، لأن نموذج لبنان ساطع في الكراهية والحقد الطائفي والمذهبي). وإذا كان هناك يهود يدعمون هدف تحرير فلسطين بصرف النظر عن عددهم، فهناك صهاينة من المسيحيّين يلعبون دوراً بالغ الأهميّة في تقرير سياسة الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط، وقد تبنّوا مشروع سعد حداد وأنطوان لحد وبشير الجميل ودعموه بالمال.

وكتاب الزميل أسامة المقدسي الصادر بالإنكليزيّة عن بدايات الصهيونيّة المسيحيّة وتأثيرها السياسي على بدايات السياسة الأميركيّة نحو الشرق بالغ الأهميّة هنا. والصهيونيّة المسيحيّة باتت عاملاً مهمّاً في صنع السياسة الخارجيّة، وخصوصاً في الإدارات الجمهورية، وإن أثّرت أيضاً على الديموقراطيّين. وكتاب ديفيد مارنيس عن بيل كلينتون يحتوي على ذكر المصدر المسيحي الكنسي لصهيونيّة الرجل. وعليه، فإن الصهيونيّة المسيحيّة لا تقلّ أهميّة عن الصهيونيّة اليهوديّة، أو أنها أكثر أهميّة لأنها وصلت إلى البيت الأبيض (ترومان وجونسون وكارتر وبوش وكلينتون، على الأقل).

أي أن اللوبي هو لوبي صهيوني يضمّ في صفوفه أفراداً وشخصيّات وحركات لا تنحصر فقط في الطوائف اليهوديّة أو في المنظمّات اليهوديّة. لكن الإعلام العربي خضع لعقود، ولا يزال يخضع، لرؤية الملك فيصل إلى العلاقات الدوليّة: فهو كان لا ينفكّ يروي لزوّاره، بمَن فيهم صديقه هنري كيسنجر، أن شرور العالم تنبع من مؤامرة يهوديّة، وأن الشيوعيّة ما هي إلا عقيدة ليهودي متعصّب وهو يعني هنا الرفيق كارل ماركس. وتوجهات الإعلام السعودي (والعربي الخاضع لها) لا تحيد. حتى أن جريدة «الشرق الأوسط» الناطقة باسم الأمير سلمان، ولكلّ أمير جريدة ناطقة باسمه هذه الأيام، أو محطّة فضائيّة كانت تصّر على جعل كل أنصار إسرائيل في أميركا (مثل باتريك مونيهان وجين كرباتريك) من اليهود، حتى لو كانوا من المسيحيّين والمسيحيّات. وترى أن الإعلام العربي يجهد لجمع أسماء اليهود في كل إدارة أميركيّة، مثلما كان ياسر عرفات يقول إن المشكلة مع الإدارة الأميركيّة تكمن فقط في الأربعة أو الخمسة من اليهود الذين يعملون في الإدارة.

وهناك جانب آخر من هذا التعويل على عامل اللوبي. فهناك فريق من المستعربين المتقاعدين من العمل في الحكومة الأميركيّة والذين واللواتي لأسباب تجاريّة أو ضميريّة يشعرون بتوبيخ ضمير لتقاعسهم عن مواجهة اللوبي أثناء سنوات خدمتهم، فيلتحقون بمؤسّسات أو سفارات عربيّة ويبالغون في تسويق دور اللوبي لتسويغ تقاعسهم. وقد كتب النائب السابق بول فندلي كتاباً («يجرؤون على المواجهة») ضمّنه تبسيطاً لصنع السياسة الخارجيّة. وهؤلاء الذين يفشلون في الانتخابات بسبب مواجهات مع اللوبي يصبحون من عتاة المتعصّبين وبعضهم يصبح من اللاهجين بالعداء للهيود. وقد استعان رفيق الحريري بواحد من هؤلاء (السناتور تشارلز برسي) للدخول إلى حلبة المال والسياسة في واشنطن. وهناك بعض المستعربين السابقين الذين يجمعون أموالاً طائلة من أنظمة النفط الشخبوطيّة عبر الترويج لقدرتهم على إلحاق الهزيمة باللوبي.

وليس كتاب جون مرشهايمر وستيفن ولت هو الأول. فقد صدر في أواخر الثمانينيات كتاب إدوار تيفنان «اللوبي» عن اللوبي الصهيوني. كما أن كتاب هردريك سميث عن «لعبة السلطة» تضمن فصلاً عن عمل اللوبي كنموذج ناجح لعمل اللوبيات في واشنطن. ويحتوي كتاب الثنائي مرشهايمر وولت (وهما من المحافظين في المروحة الأكاديميّة وينظران إلى نقد اللوبي ليس من باب تحرير فلسطين بل من باب الأمن القومي الأميركي، على طريقة الحزب الجمهوري قبل صعود رونالد ريغان وقبل صعود اليمين المسيحي، أي على طريقة شركات النفط الأميركيّة التي كانت تنتقد إسرائيل وتدعم طلبات التسلّح الخليجيّة) على تفاصيل عديدة عن نفوذ هائل للوبي. لكن هناك مشاكل في المنهجيّة.

يورد المؤلفان عدداً من النماذج عن خطط للوبي تحوّلت سياسيات وحروباً، في عهد كلينتون وبوش وعهد أوباما. واستسهل المؤلفان العثور على نماذجهما لأن اللوبي لا شك يمارس نوعاً من الاحتكار على ما يصدر عن الكونغرس من سياسات نحو الشرق الأوسط، لكنهما يخطئان إذا ما لجآ إلى تعميم ينطبق على السلطتيْن التشريعيّة والتنفيذيّة. فقد وقف الرئيس بوش الأب في وجه اللوبي بالنسبة لضمانات القروض وعقاب بناء المستوطنات، وإن عاد كلينتون وأعاد الأمور إلى نصابها الصهيوني. أي أن الرئيس الأميركي يستطيع لو أراد تقويض نفوذ اللوبي. الموضوع هنا ليس في الانتقاص من دور اللوبي بل في فهم أسباب نفوذه.

دراسة اللوبي تتحوّل في الإعلام وحتى في بعض الأكاديميا العربيّة إلى نوع من الكاريكاتور أو التحليل الهزلي: فيصبح جون كنيدي ضحيّة لمؤامرة من اللوبي الصهيوني (مع أن جون كنيدي تراجع مبكراً عن مطالبته في أول عهده بإحقاق الحق في قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين يُراجع الكتاب الجديد، «ادعم أي صديق» لوارن باس عن التحوّل في موقف جون كنيدي بالنسبة للشرق الأوسط وإسرائيل تحديداً)، وهناك البعض ممن يعزو فضيحة ووترغيت إلى مؤامرة صهيونيّة مع أن ريتشارد نيكسون رئيساً لم يكن ملتبساً قط في دعمه المطلق لمصلحة إسرائيل رغم كراهيته لليهود، وهناك المشهد المعروف لنيكسون مع غولدا مئير عندما هبّ من مقعده في المكتب البيضاوي وقال لها إن أفضل طريقة للتعامل مع العرب هي طريقة رعاة البقر، وقلّد طريقة إطلاق الرصاص الغزير.

وهذا التصوير لدور هائل للوبي، تساعد الإدارات الأميركيّة المُتعاقبة على الترويج له أمام الزوّار العرب لتسويغ سياسات التبنيّ المطلق لسياسات إسرائيل وحروبها. أي أن التعظيم والمبالغة في دور اللوبي يساعدان الإدارات الأميركيّة في تعاطيها مع الحكّام العرب وفي مطالبها لتقديم المزيد من التنازل أمام إسرائيل، كما يحدث الآن في عصر أوباما (من نوع التطبيع مقابل عدم الانسحاب من شبر واحد من فلسطين، وقد قبل بهذا العرض بعض أمراء آل سعود ورفضه أمراء آخرون من آل سعود).

يمكن بإيجاز تلخيص عمليّة صنع السياسة الخارجيّة نحو الشرق الأوسط، حتى لا نستفيض في الحديث عن السياسة الخارجيّة بصورة عامّة. يلعب الرئيس دوراً أساسيّاً لكن ضمن حدود الدستور والعرف السياسي، كما أن الرئيس يكون مهووساً منذ لحظة انتخابه بإعادة انتخابه (كما هو الأمر مع أعضاء الكونغرس). والعرف السياسي الأميركي منذ عهد ليندون جونسون الذي كان هو أيضاً من معتنقي الصهيونيّة المسيحيّة (التي ألهمت بعضاً في إكليروس الكنيسة المارونيّة في لبنان) أن تناصر الولايات المتحدّة إسرائيل معتدية وغازية ومتصلّبة، مع فروق طفيفة في درجة الاعتناق والمناصرة (عهد كارتر وبوش الأب يعتبران أقل تعصّباً في مناصرة إسرائيل من العهود السابقة أو اللاحقة لهما، من دون التقليل من شدّة مناصرة الإدارتيْن لإسرائيل).

لكن تأييد إسرائيل لا يأتي من فراغ، ولا يحدث بسبب مؤامرة من اللوبي: فاللوبي يعكس قوة إسرائيل في المنطقة، كما يعكس سقم ما يُسمّى هزليّاً «اللوبي العربي» وما هو في الحقيقة إلا لوبي لمناصرة السلالات النفطيّة. وإن قوي الموقف العربي السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، فسيقوّي هذا موقف «اللوبي العربي». أما الخنوع العربي فتعكسه المنظمات العربيّة والإسلاميّة في واشنطن في هزالها وضعفها. أما كون الرئيس الأميركي (حتى في ولايته الثانية عندما لا يحتاج لأصوات اليهود كما تقول معزوفة الإعلام العربي المتكرّرة) يؤيّد مواقف اللوبي، فهذا يعود للرئيس لا للوبي. أي أن اللوبي قوي بإرادة الكونغرس (حتى بين أعضاء من ولايات لا وجود لليهود فيها مثل أيداهو أو أركنساس) وإرادة الرئيس.

وقوة منظمة «إيباك» (الذراع الرسمي للوبي) تتناغم مع عوامل تجعل من البلاد حكومة وشعباً وثقافة متعصّبة في تأييدها لإسرائيل وحروبها. وتتضمن العوامل: التعاطف الحقيقي مع ضحايا المحرقة ونجاح إسرائيل في استغلال فظاعة المحرقة لنيل مكاسب سياسيّة ودعائيّة (وقد درس الأمر الزميل نورمان فينكلستين في كتابه عن «صناعة المحرقة» الصادر عن «دار الآداب» وبيتر نوفك في كتابه عن «المحرقة في الحياة الأميركيّة»)، والعداء العنصري أو السياسي أو الاثنين للعرب والمسلمين، والنظرة إلى الصراع العربي الإسرائيلي من منظار الكتاب المقدّس، والشعور بالذنب للتقاعس الأميركي في الحرب العالميّة الثانية إزاء معاناة اليهود، ونمو المسيحيّة الصهيونيّة، والطبيعة المُنفِّرة لنا ولهم للأنظمة العربيّة الغارقة في الرجعيّة والتخلّف والظلاميّة والغباوة، وتسرّب الدعاية الصهيونيّة إلى الثقافة الشعبيّة من خلال أدوار بارزة لليهود الصهاينة في الأدب والسينما والتلفزيون والتعليم، وضعف التأثير العربي والإسلامي على الثقافة السياسيّة والشعبيّة الأميركيّة، وتقصير النخب العربيّة في حمل وجهة النظر المغايرة للصهيونيّة، والإنفاق السخي من أعوان إسرائيل على الدعاية الصهيونيّة مقابل تقتير عربي على الإنفاق، أو حصره بالترويج لحاجة الأنظمة الشخبوطيّة للأسلحة، بالإضافة إلى تراكم التأييد الرسمي لمصالح إسرائيل منذ عهد هاري ترومان.

لكن القول بأن اللوبي يحتكر وحده صناعة السياسة الأميركيّة نحو إسرائيل يتجاهل أدواراً أخرى لا تقلّ تأثيراً، مثل المؤسّسة العسكريّة والاستخباراتيّة (التي كانت منذ 1948 تعارض التقارب الاستراتيجي مع إسرائيل لأسباب تتعلّق بالأمن القومي الأميركي) أو الشركات الكبرى (مثل شركات صنع السلاح أو شركات النفط العملاقة)، أو الكنائس أو منظمات المجتمع المدني التي، بسبب الجنوح الليبرالي نحو الصهيونيّة، خدمت مصالح إسرائيل (مع أن التأييد الشعبي للصهيونيّة، أو عماد هذا التأييد، انتقل من الوجود الليبرالي في مدن الشواطئ الغربيّة والشرقيّة للبلاد، إلى المعمدانيّين المحافظين في الجنوب، وهذا يفسّر كيف تحوّل الحزب الجمهوري من مُشكِّك بالتحالف مع إسرائيل إلى مناصر عنيد لليكوديّة في الثمانينيات).

هناك اليوم حديث متزايد ومُبالغ فيه عن منظمة جديدة تدعى «جي ستريت». وهذه المنظمة اليهوديّة الجديدة تحاول أن تخلق منافساً خفيض الصوت لمنظمة «إيباك» العملاقة. وتكفي مقارنة في الموازنة بين الاثنيْن: فموازنة «إيباك» تبلغ أكثر من 70 مليون دولار، مقابل ثلاثة ملايين دولار لـ«جي ستريت»، وعدد موظفي «جي ستريت» نحو عشرين، مع أن المنظمة تتحدث عن آلاف من المؤيّدين، وهي في ذلك تعني قوائم الرسائل الإلكترونيّة أي التأييد غير العملي بالضرورة، بينما تتمتّع «إيباك» بأكثر من 100،000 مؤيّد ومؤيّدة من الناشطين والناشطات، ويتنافس أعضاء الكونغرس لحضور مؤتمر «إيباك السنوي» إلى درجة أن الـ«نيويورك تايمز» نفسها اعترفت بأن المنظمة هي «عامل قوي» في صنع السياسة. وقد أفردت مجلّة الـ«نيويورك تايمز» قبل أسبوعيْن مقالاً مفصّلاً عن منظمة «جي ستريت» وسارع جهاد الزين في جريدة «النهار» إلى التهليل بقدوم المولود الجديد ودعا العرب إلى التنبّه للتطوّر المهم في السياسة الأميركيّة.

طبعاً، تبقى منظمة «جي ستريت» منظمة هامشيّة (وليست المرّة الأولى التي يسعى فيها ليبراليّون يهود لمنافسة منظمة «إيباك»، وباءت كل تلك المحاولات بالفشل الذريع) ولا تأثير لها على السياسة الأميركيّة حتى لو اجتمع واحد من أعضائها مع مسؤول أو مسؤوليْن في البيت الأبيض. صحيح أن اتجاهات الرأي العام اليهودي الأميركي هي أقل تصلّباً من «إيباك»، لكن هذا الاتجاه يدخل في ما يسمّيه علم النفس «نشاز الوعي»، أي حمل فكرتيْن متناقضتيْن في الرأس. فيمكن الرأي العام اليهودي أن يجيب على استطلاع رأي بالموافقة على آراء حمائميّة، وأن يقترع في اليوم التالي لمرشّح للكونغرس على يمين مئير كاهانا. ولنتذكّر أن نتنياهو وغيره من الصهاينة يرون في عقيدتهم اليمينيّة العنصريّة جنوحاً نحو السلم (وقد وافقهم في ذلك شيخ الأزهر الذي كسا زيارة السادات المشؤومة للقدس برداء التسويغ الديني).

في الانشغال بأمر «اللوبي» اتكاليّة عربيّة وتسليم بمنطق أنور السادات عن «أوراق الحل». إن تعزيز القوة العربيّة العسكريّة وتصليب عود المقاومة، بالإضافة إلى تأليب الرفض العربي لمشاريع الاستسلام، من شأنها كلها أن تحدث تغييراً جذريّاً في موازين القوى في الشرق الأوسط، وهذا سينعكس تالياً على الوضع في مدينة واشنطن. إن قوة «اللوبي» تنبع من ضعفنا وهزالنا، والقوة العربيّة المُوحّدة والمجاهرة برفض خطط الاستسلام العربيّة ستجعلان اللوبي عاملاً أقلّ تأثيراً. لكن اللوبي اليوم متحالف مع المحور السعودي، أي أن اللوبي الصهيوني من أمامنا، واللوبي السعودي من ورائنا، فأين المفرّ؟
"الأخبار"