ايران تكسب "جولة جنيف"../ عبد الباري عطوان

اللقاء الثنائي المغلق الذي انعقد يوم أمس بين الدكتور سعيد جليلي رئيس وفد المفاوضات الايراني، ووليم بارنز نائب وزير الخارجية الامريكية، على هامش اجتماعات جنيف بين ايران والدول الست الكبرى يذكرنا بلقاء مماثل، وفي المدينة نفسها، بين السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الاسبق، ونظيره الامريكي جيمس بيكر، قبل شهر من بدء الحرب على العراق لاخراج القوات العراقية من الكويت في كانون الثاني (يناير) عام 1991.

لا شك ان هناك نقاط تشابه ونقاط اختلاف بين اللقاءين، ولكن القاسم المشترك واحد، وهو الولايات المتحدة الأمريكية وقيادتها لتحرك دولي ضد البلدين، رغم الفارق الزمني الذي يزيد عن تسعة عشر عاما.

في اللقاء الأول أراد بيكر استفزاز نظيره العراقي من خلال لغة التهديد والوعيد، وبشكل متعمد، لدفعه الى رفض الانسحاب من الكويت وتبرير اللجوء الى الخيار العسكري بالتالي وفق المخطط المرسوم. فأكثر من نصف مليون جندي أمريكي كانوا موجودين في أرض المعركة بعتادهم المتقدم بانتظار الضوء الأخضر لبدء الحرب.

في اللقاء الثاني تعمدت الولايات المتحدة الامريكية، من خلال مندوبها بارنز، التلويح بتهديد فرض العقوبات الاقتصادية الخانقة، ربما كمقدمة لعمل عسكري، في حال رفض إيران لتجميد عمليات تخصيب اليورانيوم، وفتح منشآتها النووية دون شروط أمام المفتشين الدوليين، 'أي تجميد التخصيب مقابل تجميد العقوبات'.

الإيرانيون خرجوا فائزين (حتى الآن) من لقاء جنيف، لأنهم نجحوا بجدارة في ممارسة فن المناورة لكسب الوقت، الذي أجادوه طوال السنوات الماضية، من حيث التوصل الى اتفاق بعقد لقاءات ثانية قبل نهاية الشهر الحالي. والأهم من ذلك حصولهم على منبر إعلامي دولي لشرح وجهات نظرهم بشكل سياسي ذكي حول العديد من القضايا، أبرزها ضرورة معالجة مسألة أسلحة الدمار الشامل على مستوى العالم بأسره، وجعل هذا العالم خاليا من الأسلحة النووية تماما، في إشارة واضحة الى إسرائيل ورؤوسها النووية.

الدكتور جليلي حرص في مؤتمره الصحافي الذي عقده في ختام الاجتماع على تقديم إيران كضحية، تعاني من 'إرهاب إعلامي دولي' يضخّم أخطارها، 'رغم أنها تمارس حقا مشروعا في امتلاك الطاقة الذرية للاستخدامات السلمية، ولم تقدم على أي اختراق لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بشهادة الدكتور محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية'.

' ' '
المفاوض الإيراني مثلما تبين من وقائع المؤتمر الصحافي، وتصريحات خافيير سولانا رئيس مجموعة الدول الست، 'خدع' الولايات المتحدة وحلفاءها الاوروبيين مرة أخرى عندما رحب بفتح المفاعل الثاني الجديد في 'قم' أمام مفتشي الوكالة الدولية في غضــــون اسبوعين، فالمفاعل الجديد لن يبدأ العمل قبل عام ونصف عام، أي أنه ليس هناك ما يمكن تفتيشه في الوقت الراهن، ولن يجد المفتشون دخان البندقية (smoking gun) الذي يبحثون عنه لإدانة إيران بانتهاك القانون الدولي، وتبرير الحصار بالتالي.

بمعنى آخر نجح الإيرانيون باستخدام المفاعل الجديد في 'قم' لتحويل الأنظار عن المفاعل الأهم 'نطنز' الذي يحتوي على حوالى ستة آلاف وحدة طرد مركزي لتحويل اليورانيوم، ونجح حتى الآن حسب التقديرات الغربية في إنتاج حوالى 1250 كيلو من اليورانيوم ضعيف التخصيب، الذي يمكن في حال معالجته الحصول على 35 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب الكافي لبناء قنبلة نووية.

الإدارة الأمريكية تجد نفسها حاليا أمام مأزق كبير خلقته لنفسها، وأكبر خطأ ارتكبته أنها أشركت الدول الست في المفاوضات الجارية في جنيف، لأن هؤلاء باتوا شهوداً على الرغبة الإيرانية 'المرنة' في التعاون مع وكالة الطاقة الذرية، وفتح مفاعل 'قم' أمام التفتيش الدولي، أي أنها (إدارة أوباما) لم تعد قادرة على اتخاذ قرار العقوبات أو الحرب بمفردها، مثلما كان عليه الحال في إدارتي بوش الأب عام 1991، وبوش الابن عام 2003 ضد العراق.

الإيرانيون نجحوا مرة ثالثة في تنفيس الجهود الأمريكية الجبارة التي بذلت من أجل حشد تأييد دولي للعقوبات الاقتصادية ضد إيران، مثل إلغاء مشروع الدرع الصاروخي في أوروبا لإرضاء موسكو، وإبعادها عن طهران، وتجييش الدول العربية المعتدلة لاستخدام عضلاتها الاقتصادية والنفطية، وفوائضها المالية الضخمة لشراء أسلحة وتقديم عقود تجارية مغرية للصين وروسيا للهدف نفسه.

ومن المفارقة أن الدكتور جليلي المفاوض الإيراني حقق هدفاً كبيراً في مرمى هذه الأنظمة العربية المعتدلة، عندما تجاهل في مؤتمره الصحافي الإجابة على سؤال لمندوب صحيفة 'معاريف' الاسرائيلية حول تصريحات الرئيس أحمدي نجاد بمحو إسرائيل عن الخريطة، ومدى استعداده لطمأنة الإسرائيليين، الأمر الذي دفع الصحافي الاسرائيلي للانسحاب خجلاً أو غضباً. وعندما أعادت صحافية أوروبية تكرار السؤال قدم مداخلة هادئة ومفحمة حول أسباب عدم إقدام الغرب على حل هذه القضية طوال السنوات الستين الماضية، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة على أرضه، وفي اطار حل عادل لقضيته.

' ' '
وهكذا تبين أن لقاء جنيف لم يكن اللقاء الحاسم، أو 'لقاء الفرصة الأخيرة' بالنسبة الى إيران، مثلما صورته معظم الصحف الغربية نقلاً عن مسؤولين غربيين، كما أن الدول الغربية لم توجه تهديداً أو تحدد جدولاً زمنياً لإيران حتى نهاية هذا العام للمثول لمطالبها بوقف التخصيب كلياً، والرضوخ لشروط وكالة الطاقة الذرية في فيينا بفتح مفاعلاتها للتفتيش دون أي عوائق.

عمليات التخصيب ستستمر، وكذلك المفاوضات في جنيف حتى نهاية الشهر الحالي، وربما يجري التمديد لها لنهاية الشهر المقبل ايضاً، فإيران تحتاج الى وقت لـ 'دراسة المقترحات والحوافز التي عُرضت عليها في جنيف' ومن ثم إعداد الردود الملائمة عليها في لقاءات مستقبلية.

أين نحن كعرب من كل ذلك؟.. مجرد 'شهود زور' ننتظر التعليمات من واشنطن للبدء في تطبيق العقوبات إذا تقرر فرضها، وفتح أجوائنا للطائرات الحربية، إسرائيلية أو أمريكية، إذا ما تقرر إعطاء الضوء الأخضر للهجوم الجوي لتدمير المفاعلات النووية والبنى التحتية الاقتصادية الإيرانية.

المفاوض الإيراني، وباختصار شديد، أعاد الكرة إلى الملعب الأمريكي مرة اخرى، وبات يفرك يديه فرحاً بكسب الجولة الأولى من المفاوضات في جنيف، للحصول على بعض الوقت لمواصلة جهوده لتحييد الحكومتين الصينية والروسية فيما يتعلق بالحصار، وتصعيب مهمة إدارة أوباما في أفغانستان والعراق، فجعبة الساحر الإيراني لا تخلو من المفاجآت.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية