عفوكم.. أهلنا في غزة وكل فلسطين../ معن بشور

لا أعتقد أن غولدستون الجنوب إفريقي الأبيض الخارج من واحدة من آخر وأخطر قلاع العنصرية في العالم، كان يظن للحظة واحدة أن قراراً سيصدر في واشنطن، ويجري الإلتزام به فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، سيطيح بكلّ جهوده، وجهود زملائه في لجنة تقصّي الحقائق حول الجرائم الصهيونية خلال حرب غزّة، وقد أمضوا شهوراً في الأرض المحروقة، وبين المباني المدمرة، والبساتين المجروفة، والهواء الملوّث بالفوسفور الأبيض، واليورانيوم المنضّب، وفي مثال صارخ على حجم تدخّل السياسة في العدالة الدولية، وعلى مدى ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالكيان الصهيوني الغارق في الإرهاب والعنصرية منذ تأسيسه.

ولعلّ الأكثر إيلاماً في قرار التأجيل الخطير هذا، أنه جاء ليكشف لنا مرةً أخرى أنّه كلّما اشتدّ الخناق على العدو الصهيوني، عسكرياً أو سياسياً أو دبلوماسياً، أو حتى إعلامياً، جاءه الفرج من طرفٍ عربي أو فلسطيني وبإيعاز غربي أو أمريكي.

ألم يكن الأمر هكذا عندما أقرّت الهدنة الأولى في الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى عام 1948، مع الإعلان عمّا يسمّى "بدولة إسرائيل"، فإذا بأشهر ما بعد الهدنة تعيد خلط الأوراق، وتبدّل موازين القوى، فتتراجع الجيوش العربية عن أراضٍ فلسطينية كانت تحت سيطرتها، ويتقدّم العدو الصهيوني ويوسّع احتلاله واغتصابه في الشمال والجنوب وصولاً إلى القدس ذاتها.

يروي قاضٍ عربي كان يعمل مستشاراً لوفد بلاده في مفاوضات الهدنة عام 1948 في جزيرة رودس، أنّ رالف بنش ممثّل الأمم المتحدة رآه مرّةً واجماً حزيناً فسأله "ما بك يا صديقي؟" فأجابه القاضي بانفعال بالإنكليزية "إنكم مجرمون"، فردّ بانش بسخرية لا تخلو من الألم "ولكن حكامكم مجرمون أكثر منا".

ولقد تكرّر الأمر ذاته خلال حرب تشرين المجيدة، التي نحتفل بذكراها السادسة والثلاثين هذه الأيام، حين وافق السادات على وقف إطلاق النار بعد إنجازاتٍ وانتصاراتٍ باهرة حقّقها جيش مصر على جبهة القناة محطّماً خطّ بارليف، وحقّقها جيش سوريا على جبهة الجولان وقد وصلت طلائعه إلى شواطئ بحيرة طبريا، ومعهم الجيوش العربية المشاركة آنذاك، فإذ بالعدو يحقّق اختراقاً شهيراً (الدفرسوار) غرب القناة وبقيادة شارون (وكان هذا الإختراق أوّل "انتصاراته" التي فتحت له أبواب السياسة)، ويتمكّن من استفراد الجيش السوري، وقد بات وحيداً في المواجهة، ولو مدعوماً من قوات عربية أبرزها الجيش العراقي (الذي أبلى بلاءً حسناً رغم وصوله المتأخر)، ويجبره على التراجع من أراضً حرّرها.

وأليس في الذاكرة العربية أيضاً العديد من أحداثٍ مماثلة، صغيرة وكبيرة، التي تؤكّد أن العدوّ كان دائماً يفلت من الهزيمة أو العقاب في اللحظة المناسبة من خلال "تعاون" مستهجن من أطراف فلسطينية وعربية.

ثمّ هل يمكن لفلسطيني أو عربي أو لمنطق قانوني أو إنساني، أن يخضع أرواح البشر، وهي بالآلاف، ودماءهم وكانت غزيرة كالسيل الجارف، وممتلكاتهم المدمّرة وقيمتها بالمليارات، لمساوماتٍ سياسية مهما بدت "مغرية"، (وهي بالتأكيد ليست كذلك)، ولمقايضاتٍ دبلوماسية مهما كانت مبرّراتها، علماً أنّه لو سلّمنا بمنطق المساومة والمقايضة على حساب حياة الناس ودمائهم، فإنّ الإصرار على محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة يصبح ورقة قوية في المفاوضات لا ينبغي التنازل عنها، بعد كلّ ما تنازلنا عنه من أوراق.

ومن جانبٍ آخر، كيف يستطيع هؤلاء الذين سمحوا بتأجيل القرار المرتقب، أو سهّلوا اتخاذه، أن ينظروا في عيون عشرات الملايين من أحرار العالم، وقد تظاهروا قبل أشهر انتصاراً لغزّة وأهلها في كلّ قارّات الدنيا، وطالبوا مع آلاف المحامين والحقوقيين وناشطي حقوق الإنسان بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وسعوا بكل الوسائل إلى إيجاد الآلية التي يتقدّمون من خلالها بملفّ هذه الجرائم إلى العدالة الدولية على قاعدة "عدم الإفلات من العقاب"، فإذ بالمفاجأة الصاعقة تطلّ عليهم، وهم في أوج انتصارهم بعد إذاعة غولدستون لتقريره الشهير بتأجيل قصّةٍ باتت على أبواب المحاكمة الدولية، نتيجة تهديد صهيوني وضغط أميركي وتجاوب من بعض المسؤولين الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

فعفوكم أهل غزّة، وشعب فلسطين كلّه، مرّةً أخرى. لقد عانيتم من الحصار لسنوات، وسط تواطؤ حفنة من أبناء شعبكم وأمّتكم وما تزالون، وواجهتم أبشع صنوف العدوان الصهيوني وأكثر الحروب همجية ووحشية، وسط صمت وتخاذل من يفترض أن يكونوا إلى جانبكم، ومازلتم تواجهون... واليوم وقد وصل حبل المحاكمة والعقاب إلى رقاب المجرمين جاء من بين صفوفنا من ينقذهم ويخرجهم من أقفاص الإتهام، ولو إلى حين.

ومع ذلك، فلقد أثمر صمودكم، وأينعت تضحياتكم ثماراً ولو لم تصبح بعد جاهزة للقطاف، فها هو العالم قد بدأ يتحوّل، ولو نصف تحوّل، لصالح قضيّتنا، وها هم الصهاينة يشتبكون، وعلى امتداد الكون، مع رموزٍ للحريّة وقوى نصيرة للعدل، وحتى مع حكومات ومحاكم، لم تعد قادرة على الصمت عن جرائمهم.

وها هي المقاومة والممانعة تتعمّق فكراً ونهجاً وخياراً على امتداد الأمّة والعالم مستمدّةً من بطولاتكم وإخوانكم في العراق ولبنان والصومال وأفغانستان أمثولات في كيف تهزم "فئة قليلة فئةً كثيرة بإذن الله".

فلأهلنا في فلسطين نقول مرّةً أخرى: "لا تهنوا... ولا تحزنوا... وأنتم الأعلون". أمّا لأهل التواطؤ والتخاذل فنقول: "حسبي الله.. ونعم الوكيل".