غولدستون ووكلاء الاحتلال../ نزار السهلي*

لقد طفح الكيل ولم يعد يتسع لقطرة واحدة، والكيل الفلسطيني نقيس من خلاله سياسة ومسيرة النضال الفلسطيني ومن تسيّد عليه، ووضع جانبا كل مقاييس الانتماء الثوري في مقاومة العدوان والاحتلال بلغة متلعثمة ومرتبكة وحائرة إلا في ضبط النضال الفلسطيني في واقعية سياسية أسقطت عنها ورقة التوت فبدت عارية تماما في مشهد الفضيحة من جنيف إلى رام الله التي حاولت وحاول معها الناطقين والمتمنطقين أن يشرحوا لنا "للرأي العام" ما جرى في أروقة المنظمة الدولية التي نتشدق ليلا ونهارا في مطالبتها بالضغط على إسرائيل كي تحترم قراراتها، فجاء الطلب الفلسطيني بتعطيل الجهود التي تدين إسرائيل بارتكابها جرائم حرب ضد الإنسانية وتقديمها للمحكمة الدولية، فكان نصرا مؤزرا تحدثت عنه الصحف الإسرائيلية صبيحة الثالث من أكتوبر الحالي لتخفف من نصر المقاومة الفلسطينية الذي حققته في عملية التبادل الأخيرة بالإفراج عن 20 سجينة فلسطينية مقابل معلومات عن الأسير شاليط الذي انشغلت في قضيته السلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية وحفظ اسمه الكثير من السياسيين الغربيين الذين وفدوا إلى المنطقة.

مشهد العار الذي لفّ السياسة الرسمية للسلطة الفلسطينية بمسؤوليتها المباشرة في طلب التأجيل بالنظر حول تقرير ريتشارد غولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة أصاب الشهداء والأحياء من الفلسطينيين والعرب والمسلمين بمزيد من التقزز والقرف تحت ضغط الحكومة الإسرائيلية والأمريكية حين تماهت سلطة رام الله مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية حين أطل علينا " النمر" حماد مستشار عباس ليشرح لنا مسؤولية اللجنة المنوي تشكيلها للتحقيق في ملابسات ما جرى وما يجري طيلة 60 عاما من الاحتلال والنكبة للفلسطينيين ليس بحاجة لا للجان ولا هم يحزنون، ولم يكن مشهد العار والفضيحة واضحا كما بدا خلال الأيام الماضية إن كان من جنيف أو رام الله أو إطلالة الرئيس من اليمن السعيد لينفي مسؤولية التأجيل بطريقة سخيفة وكاذبة خبرها كل الفلسطينيين عن نهج السلطة المتأصل في مساعدة المحتل في تدبير شؤونه وإدارة مناطق السلطة كوكلاء له ضمن امتيازات يحددها لهم عبر الضلوع في التنسيق الأمني المتواصل بينه وبين وكلائه.

ولن يخفى عن أي متابع للشأن الفلسطيني أنه تم ترتيب موضوع المؤامرة على تقرير غولدستون بالتنسيق مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي حفاظا على امتيازات تقدمها حكومة الاحتلال إلى وكلائها في مناطق السلطة عبر تسهيل الحركة وإعطاء الامتيازات الاقتصادية لهم ولنسف أي جهد وأي حوار من شانه أن يوحد الفلسطينيين في موقف مناهض للاحتلال وتبرئة ساحته من الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها كل يوم. فأي صدى سيكون للمطالبات الفلسطينية والعربية للدفاع عن القدس والأقصى وتهويد الأرض الفلسطينية؟ وما جدوى مطالبة إسرائيل بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والإقرار بالقرارات الدولية؟ كعبارات أصبحت ممجوجة وسخيفة في الخطاب الرسمي الفلسطيني والعربي عند الحديث عن تحريك العملية السلمية.

لقد بدت السلطة الفلسطينية فاقدة لمصداقيتها ومشروعيتها عند الحديث عن الشيء المتعلق بالموقف من إسرائيل وفعل النقيض تماما، وهي تتلطى خلف لجان التحقيق. والأمر برمته ليس بحاجة سوى القول جهراً إن ما جرى يرتقي لمرتبة التواطؤ بارتكاب الجريمة، وكل الحديث الذي تم تداوله في فترة الحرب والعدوان وبعده واستمراره يدل على أن الجهر بالمسؤولية عما جرى يتحمله شريكان رئيسيان؛ السلطة الفلسطينية وإسرائيل، لا يحتمل أية لغة وعبارات دبلوماسية يحاول البعض استخدامها يائسا في حالة انحدار غير مسبوق.

توسم بعض المتوهمين خيرا في مؤتمر فتح الأخير وما تلاه من عقد المجلس "الوطني" واجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة "التحرير" لتصويب الحالة والمشروع الفلسطيني ليأخذ منحى مغايراً في مسيرة العمل الفلسطيني، وإذ بهم يواجهون سوابق خطيرة لا تحتمل الانتظار في الرد عليها. ومن هنا نطالب فصائل العمل الفلسطيني المنضوية تحت قبة منظمة "التحرير" أن يحرروا القوسين الذين وضعناهم بين كلمة التحرير لإعادتها إلى سياقها الطبيعي للشعب الفلسطيني الذي امتطت قياداته شعارات عرجاء انزلقت معها أنبل قضية عرفتها البشرية إلى مهاوي الردى بفعل سياسات لا تعبر عن نضال ومصلحة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.

وهذه المسؤولية الجماعية تقع على عاتق كل فلسطيني وعربي ومسلم لأنها تستهدف الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني والعربي، وهو يرى بأم عينه الجهد الذي بذل بين تجريم المحتل بحجم الفظائع المرتكبة وبين تبرئته بميوعة المواقف والتخاذل الذي أصاب كل فلسطيني وعربي، وللأسف كل متضامن دولي وأممي يحاول مد يد العون للشعب الفلسطيني.

وأخيرا فإن من يشكلون المظلة والرعاية من فصائل اليسار الفلسطيني مطالبون بأن يتخذوا موقفا حاسما من كل السياسة الرسمية المتبعة للسلطة، وهذا ينسحب على كل القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني التي أصيبت بفاجعة إذابة كل الجهود التي عملت بها مع المؤسسات الدولية والمحلية لتدوين جرائم المحتل ومحاسبته، لتنتج عقما من السياسة الرسمية الفلسطينية والعربية في مواجهة إسرائيل لتضيف عدوا آخر للشعب الفلسطيني لمقاومة وكلاء الاحتلال في مناطقه.