حجر ذهبي في بئر الكرامة/ إياد رابي

"غولدستون" تعني بالعربية "الحجر الذهبي"، وكان بالإمكان تحويل تقريره بيد، محبي فلسطين إلى صخرة يدمغ بها رسميا جبين إسرائيل وسياساتها بجرائم حرب ضد الإنسانية. لكن السلطة الأوسلوية أبت الا أن تأتي بالفرج، معتبرة العملية السياسية والمفاوضات العبثية، مع ما يرافقها من "مكرمات" المحتل، حجرا كريما هو غاية المنى، وأن تلقي بالتقرير إلى قاع بئر، مع ما تبقى من ماء الوجه والكرامة... بل وبأطفال الحجارة، كي تأخذ كل الذئاب قسطها من دم ابن يعقوب، وما من مجيب لآهات يوسف، فالجب عميق وحافروه "أخوة" أبلوا فيه معاولهم.

لا يمكن اختزال ما جرى بفساد ومتاهة السلطة ورموزها فحسب، وإنما علينا أن ننظر مليا إلى الحالة الفلسطينية والعربية الرثة التي وصلنا فيها إلى درك يسمح بهذا التطاول على جوهر القضية والاستهانة بدماء الشهداء. فالانتهازي لا يمضي في غيه إلا إذا استشعر مسبقا أن قبائحه ستمر مر الكرام....أو اللئام.

هذا الحالة التي وصلنا إليها على كل المستويات عليها أن تنتهي فورا والى غير رجعة.. لا يمكن أن يسامحنا التاريخ إن اقتصر دورنا على المشاهدة والترقب "والاحتجاج" والنقد وترك العهر السياسي الحديث يفضح نفسه حتى النخاع. ففي القضايا الوطنية الحارقة والمزمنة لا يمكننا التغني ليلا نهارا بأن "الأمور بخواتيمها" و"أنه لا يضيع حق وراءه مطالب" و"أن كل المحتلين إلى انصراف وزوال مهما طال الزمان" !! علينا الكف عن الإيغال في القدرية والاتكالية على التاريخ وكأن كل تلافيفه وتعرجاته خارجه عن إرادتنا الجمعية التي بمقدورها، إن صدق العزم والتحمت النوايا، تعديل المسار نحو تقرير المصير . لا يمكننا المضي في نشوة عدالة قضيتنا كوصفة سحرية لحصانتها دون أن نتذكر عدالة قضية الهنود الحمر وما آلت إليه أحوالهم .

علينا الارتقاء بهذه الفرصة التي وصل بها العبث بقضيتنا إلى دركه الأسفل، ليست فقط من أجل إثبات ما هو مثبت ومفضوح، وإنما من أجل التغيير واستنهاض الهمم والتكاتف والانتفاض على هذه الديناميكية المحبطة والمخزية، قبل أن تستفحل مرضا عضالا لن نجد معه من قوى التضامن العالمية إلا الشفقة والابتعاد.... حينها لن نرى في مرايانا سوى وجوه تحجر فيها حتى الدمع.