نحن والتضامن الدولي../ رنا بشارة

استحال علينا القبول بمبدأ " تعددت الاجتهادات والهدف واحد" كتبرير لإرجاء التصويت على تقرير "غولدستون" حول جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة. فالجريمة أقبح من القبح ذاته والضحية انتظرت الإنصاف بفارغ الصبر.

بالنسبة للهيئات الحقوقية وحركات التضامن الشعبية المحلية والدولية فلم تكن صفعة التأجيل أقل قساوة.. هؤلاء النشطاء والحقوقيون يتحدون حالة فقدان بوصلة اقتدناهم إليها بأنفسنا لسنوات في ظل انتظار ما سوف تسفر عنه "عملية سلام".

منذ توقيع اتفاق أوسلو غير المنصف، وما تمخض عنه فيما بعد، أصبح التضامن الشعبي الدولي مرهونا بقواعد إقليمية ودولية مختلفة... قواعد "عملية السلام". كما أن الحال الفلسطيني الداخلي المأزوم لم يأت ليخفف من وطأة حالة الإرباك التي تسببنا بها عند حركات وهيئات التضامن الشعبية الدولية التي طالما آزرت الفلسطينيين في نضالاتهم. على أثر ذلك، اختار العديد من نشطاء هذه الحركات الانخراط بدور ذات طابع خدماتي إغاثي يجنبهم أي تضارب سياسي مع حكوماتهم ومع الفلسطينيين والإسرائيليين المنهمكين في المفاوضات.

لم يدرك الفلسطينيون ومعهم العرب أهمية الحفاظ على التضامن حتى مع التفاوض الجاري مع الإسرائيليين، وتم التعامل معه على أساس أنها مرحلة انتهت لأن الصراع حسم والحل على مرأى العين. فكانت النتيجة لا سلام ولا تضامن. رغم ذلك، بقيت شظايا حركات تضامنية على أهبة الاستعداد بانتظار توجيه من أصحاب الشأن.

استمرت تحركات تضامنية متأثرة بردود أفعال الفلسطينيين على الممارسات الإسرائيلية، ولكن لم يجر إحياء لعلاقة تضامنية حقيقية تستند إلى استراتيجية وخطاب فلسطيني واضح. لم تلق تلك الحركات تشجيعا أو حتى رغبة من الفلسطينيين والعرب، وبالتالي لم تتسع قواعدها وبقي دورها في إطار رد الفعل على ردود أفعال الفلسطينيين.

بغض النظر عن استمرار التفاوض مع الإسرائيليين أو عدمه، فإن الفلسطينيين والعرب ما كانوا ليخسروا من تحركات تضامنية شعبية في حال استمرت، المفاوضون منهم ومن لا يفاوضون. وإن اعتقد الأولون بأن تحركات التضامن لم تكن لتجلب النفع وهم غارقون بتفاصيل "العملية السلمية"، إلا أنها لا تأتي بضرر يستوجب إجهاضها كما حصل في أكثر من مناسبة. كما أنها تحاكي طموحات الفلسطينيين السياسية وتلقى ترحيبا شعبيا محليا عارما.

لقد بدأنا نشهد خلال العام الأخير منذ الحرب على غزة وإبان الحصار انتظاما ملحوظا لتحركات شعبية تضامنية دولية بأشكال مختلفة، ونلمس اليوم بعض هذه النتائج على صعد مختلفة.

فقد استطاعت الحملة الفلسطينية الدولية لمقاطعة إسرائيل تحقيق انجازات لا يمكن التقليل من شأنها على صعيد مقاطعة إسرائيل اقتصاديا وثقافيا وأكاديميا. ومن الأمثلة العينية على ذلك قرار الصندوق الوطني للتقاعد التابع لحكومة النرويج سحب استثماره من شركة "إلبيت" الإسرائيلية لتورطها في توريد أجهزة ومعدات تستخدم في بناء "الجدار"، وإلغاء إسبانيا لمشاركة فريق أكاديمي إسرائيلي يمثل كلية "أريئل" من المشاركة في مسابقة أكاديمية دولية للمعماريين المتخصصين في الحفاظ على البيئة كون الكلية مقامة داخل مستوطنة إسرائيلية، وقرار ّاتحاد نقابات العمال البريطانيين مقاطعة إسرائيل جزئياً، وامتناع نقابة عمال الموانئ بجنوب أفريقيا عن تفريغ حمولة سفينة إسرائيلية في ميناء "دوربان" في أوائل شباط من هذا العام.

هذا عدا الملاحقات القضائية لعدد من المسؤولين والضباط الإسرائيليين والمطالبة باستصدار مذكرات اعتقال بحقهم على الجرائم التي ارتكبوها، والمظاهرات الاحتجاجية التي نشهدها مؤخرا ضد زيارات عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين لبلدان أوروبية.

وحري بنا أن لا ننسى وفود التضامن العربية والدولية التي تحدت أمواج "المتوسط" بقوارب كسر الحصار للوصول إلى غزة. هذا تراكم لا يمكن إغفاله وكان يمكن أن يشكل- مع التصويت على قرار غولدستون لو تم- قاعدة لإحياء حركة تضامن دولية شعبية وفرصة ذهبية لممارسة ضغط سياسي على المجتمع الرسمي الدولي وليس أن يكون العكس هو الصحيح.

رغم تلك الانجازات إلا أن السلطة الفلسطينية لا تزال تتعامل معها على الهامش أمام حسابات ربح وخسارة "عملية السلام" إلى أن أتت الصفعة القاسية بتأجيل التصويت على تقرير "غولدستون".

وإن كان البعض القليل لا يولي أهمية كبيرة من حيث المبدأ إلى التقرير ولا يعول على تفعيل توصياته من خبرات الماضي، ويرى فيه مجرد وثيقة وشهادة أخرى تضاف إلى ملفات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلا أن هذا لم يكن دافع التأجيل. فلولا أهمية التقرير وآثار التصويت عليه لما ضغطت الولايات المتحدة كل هذا الضغط على صناع القرار في السلطة لتأجيله.

سينعكس تأجيل التصويت سلبا على هذه التطورات ومن شأنه أن يجهض تحركات دولية شعبية مماثلة لنصرة الفلسطينيين مستقبلا. كما أنه يحمل في طياته رسالة غير مباشرة في غاية الخطورة إلى الإسرائيليين بأن إفلاتهم من المحاسبة عن جرائم مستقبلية بات سهلا طالما توفر الغطاء.

لقد تطلع الفلسطينيون دوما إلى من ينصفهم وعملت المؤسسات الفلسطينية دون كلل أو ملل بالتعاون مع الهيئات الحقوقية الدولية من أجل إصدار تقرير "غولدستون" وكان يوم التصويت موعودا، فجاء التأجيل صاعقا. والتأجيل لخمسة شهور لا نعلم خلالها ما هي الانتهاكات الأخرى التي سيقدم عليها الإسرائيليون في غزة والقدس وسائر أنحاء الوطن وحتى رام الله.

في الواقع ما تم هو إجهاض التصويت وليس تأجيله، ولن يعالج هذا الضرر الجسيم بلجان تحقيق. فما حصل واضح وضوح الشمس. وإن كان سبيل لإصلاح الضرر ولو جزئيا على الأقل، فهو فقط بإعادة التقرير وبشكل استثنائي وطارئ إلى أروقة الأمم المتحدة وفي أسرع وقت ممكن.
"القدس"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص