قلب فرضيّات العمل الجماعيّ../ نبيل صالح

أهمّ ما يلفت الانتباه، لدى قراءة المقالات والتحليلات التي نُشرت في فترة "الحملة التشريعيّة" الأخيرة، وما تلاها من قرارات وممارسات حكوميّة رمت إلى تشديد السيطرة على العرب، هو الضرورة الملحّة لتحليل الفرضيّات الكامنة التي تحكم فكر وسلوك الفلسطينيّين في الداخل في جميع مناحي الحياة، وبضمنها التعامل مع إسرائيل وأذرعها.

وأعتقد أنّه بات من المهمّ والضروريّ رصد الفكر اليوميّ الفلسطينيّ في الداخل، لغرض تحليله ونقده، وتحديد مميّزات "بنى المعاني العميقة" أو "الفرضيّات الكامنة" التي تحكم هذا الفكر وتنعكس بالضرورة على السطح الظاهر، إن كان ذلك على مستوى تشكيل وتعميم المعرفة، أو في أنماط السلوك في المجالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة أو السياسيّة.

لن تتّسع رقعة هذا المقال لتناول هذا الموضوع بمجمله، وهو مشروع ما زلنا نفتقده، كما ورد آنفًا. لذا، سأكتفي بمحاولة مقارَبة بعض الفرضيّات المتكرّرة في التحليلات السياسيّة، وإن كانت تتفاوت في مدى تواجدها في خطاب الحركات السياسيّة المختلفة، ثمّ أعرض أسلوبَ تعامُلٍ مع سياسات السلطة لا ينطلق من تلك الفرضيّات.

إذا نظرنا إلى العديد من المقالات والتصريحات العربيّة التي تناولت موضوع القوانين الإسرائيليّة الأخيرة، من قانون منع إحياء ذكرى النكبة حتّى قانون تهويد أسماء المدن والقرى العربيّة وما إلى ذلك، نرى أنّها حاولت القيام بأحد أمرين: إمّا أن تتنبّأ بما سيحدث في ذلك المجال مستقبلاً، وإمّا أن تشرح لجوء إسرائيل إلى قوانينها تلك.

لم يحاول أيّ من المقالات الانتقال إلى مستوى الفعل المطلوب جماهيريًّا، أو حتّى حزبيًّا أو إلى المتوقَّع من الجهات التمثيليّة العربيّة، للتصدّي تصدّيًا فاعلاً لحملة التشريعات وكسر ظهرها. ومن مراجعة متمعّنة في طروحات المقالات، على خلفيّة امتناعها عن طرح أسلوب المواجهة، يبدو أنّه ليس من الممكن تفادي تكوين انطباعٍ مُفادُهُ أنّ تلك المقالات والتصريحات لا ترى في القوانين الأخيرة، كما في غيرها من خطط وممارسات إسرائيل ضدّ العرب، إلاّ خروجًا مؤقّتًا عن قاعدة التصرّف السليم أو نتيجةَ قيلولة ضمير إسرائيليّ لا بدّ أن يصحو من سباته. وفي كلتي الحالتين، لا يُتعامَل مع نتائج هاتين الحالتين إلاّ بردود وتحليلات تُراوِحُ بين دعوةِ الدولة إلى التصحيح، وانتظارِ صحوة ضميرها.

وهذا ما يفسّر عزوفَ الحركات السياسيّة عن تصعيد أسلوب مواجهتها لِما تُخطّطُه إسرائيل ثمّ تنفذّه دون رادع ثمّ تنجح في برنامجها، وبعدها تُعاودُ التخطيط والتنفيذ، وهكذا دواليك... هنا لا بدّ من الاستدراك بالقول إنّ رؤية الأمور بهذا الشكل تقوم على فرضيّات أساسيّة عِمادُها الخوف، ونشأتها تعود إلى صدمة النكبة وما ظهر بعد النكبة من "صناعة الخوف" وَ"ثقافة تذويت العجز" اللتين غذّتهما إسرائيل لتعزيز سيطرتها، وتواطأت معها في نشرهما قوى سياسيّةٌ عربيّةٌ كانت مَعْنيّة بالقطيعة مع الماضي لتشكيل حاضر "عربيّ إسرائيليّ" جديد تكون هي القوّة الأساسيّة فيه.

لا يجري اختيار هذه الفرضيّات الأساسيّة، على مستوى الجمهور العاديّ، عن قصد وسوء نيّة؛ بل هي -في حالة التعامل السياسيّ مع إسرائيل مثلاً- نتاج ما يعتمل في الذهن الفرديّ والذهنيّة الجماعيّة للتابعين المهزومين من حسابات القدرة الذاتيّة المحكومة بما تتيحه "المواطَنة" والمحظورات القانونيّة، مقابل سطوة الدولة المنتصرة التي تبدو للمهزوم إمّا شديدة الهيبة والعنفوان، وإمّا مخيفة لا تتورّع حتّى عن استكمال مشروع القتل والتهجير ضدّ الفلسطينيّين/ النكبة. وهذه حسابات مشروعة وقابلة للفهم، لا التفهُّم، ما دامت لا يجري التنظير لها والاكتفاء بها وكأنّها هي التَجلِّي للحكمة السياسيّة والمسؤوليّة، وكلّ ما عداها هو المغامرة بعينها.

العمل السياسيّ الجماعيّ للفلسطينيّين في الداخل على أساس تحليل ما يجري بناءً على هذه الفرضيّات ما عاد ينفع، والتعامل مع التضييق وفرض العقاب بعقليّة ساذجة تتفاءل خيرًا بحتميّة حلول التصحيح والصحوة في دائرة التداول بين السيّد والتابع ليس إلاّ احتكامًا، يكون أحيانًا، متآمرًا مع منطق القوّة. ولن يتحرّك شيء إلاّ بقلب تلك الفرضيّات الكامنة بحيث تقوم على الأسس التالية التي قد تحقّق ما أخفقنا فيه حتّى اللحظة:

الأوّل أنّ إسرائيل حالة استعماريّة كلاسيكيّة تتعامل مع رعاياها العرب من منطلق اعتبارهم خطرًا على توسّعها، ولا تراهم سوى أعداء يصحّ بشأنهم كلُّ ما مارسه الاستعمار في كافّة الدول: الإبادة والتهجير أو اعتبارهم مادّة بشريّة مُعَدّة للاستغلال. وليس هناك كالدولة الاستعماريّة من حيث الالتزام بمخطّطات شَيْطَنَة السكّان الأصليّين.

الثاني (المرتبط بالأوّل) أنّه لن يردع هذه الدولةَ عن المضيّ في خططها وممارساتها سوى سلوك جماعيّ سياسيّ فاعل يضع إسرائيل أمام خَيارين، يكون الأفضل بينهما بالنسبة لها هو الخَيار الذي نريده نحن ويضمن لنا حقّنا وكرامتنا، لا الخيار الذي يضمن لها غنائم الحرب -من ناحية-، لكنّه يهدّدها بفقدان طمأنينتها الداخليّة -من ناحية ثانية.

الثالث أنّه لن يفيد اقتصارُ العمل السياسيّ الجماعي الفلسطينيّ في الداخل على ما تتيحه "المواطَنة" من أدوات للعمل والاحتجاج، فكم بالحريّ ما تتيحه "مواطَنة منقوصة" هي أقرب إلى مكانة الرعايا في الدول القمعيّة؟! ولعلّه من المفيد أن أذكّر هنا بما لا زلتُ أكرّره دون ملل منذ سنوات: لا يمكن -حتّى للفلسطينيّين الذين يؤمنون بحلّ تحويل إسرائيل إلى دولة مواطنيها- أن يحقّقوا هذه المواطَنة المرجوّة بأدوات المواطَنة الراهنة، ولا بدّ من الخروج من حالة المواطَنة الراهنة، على مستوى الفعل اليوميّ، للعودة إلى حالة "مواطَنة أفضل"، إذا جاز التعبير، هي بمثابة تسوية بين إسرائيل وفلسطينيّي الداخل.

الرابع أنّه لا يُعوَّل على اليسار اليهوديّ، إذ ليس ثمّة ما يُرجى منه. وقد أثبتت ستّون سنة من المحاولة والاستجداء دقّةَ هذا الاستنتاج. وعليه، لا طائل من تعديل الخطاب وخفض سقف المطالب للتعبير عن العرفان بجميل بعض اليساريّين اليهود، كما إنّنا لم نعد نملك ترف تضييع الوقت والجهد.

أمّا لماذا "تمرغون برازكم على جدرانهم"، فمن تجارب حركات التحرّر، التي لا بدّ من دراستها وتقليدها بدل استبعاد الراديكاليّ منها بذريعة أنّ لكلّ واقع خصوصيّته، ولعلّ نجاح تجربة المناضلين الإيرلنديّين الشماليّين في ما سُمِّيَ "الاحتجاج القذر" ما يثبت نجاعة الانطلاق من فرضيّات أساسيّة غير متخاذلة، وإن بدا أنّها لن تحقّق شيئًا. ففي آذار 1978، أعلن الأسرى الأبطالُ من الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ (IRA) ومن جيش التحرير الوطنيّ الإيرلنديّ (INLA) في سجن "ميز"، ثمّ الأسيرات في سجن "أرماغ"، عن تصعيد احتجاجهم على ظروف حياتهم في السجن، وكانت موجة الاحتجاج تلك بدأت قبلذاك بسنتين.

حينذاك، قرّر الأسرى والأسيراتُ أن يردّوا على محاولة قامعيهم كسر إرادتهم وإذلال أجسادهم بخوض نضال لنَيْل العكس، وذلك بتحويل العقاب المسلَّط عليهم إلى أداة نضاليّة أهمُّ ما تفعله هو الانطلاق من هدف العقاب بغية جعْله ينقلب على السلطة، وذلك على نحو تراكميّ يفكّك السياسة الكلّـيّة إلى قطاعات، ويُفشِل القهر في كلّ قطاع على حِدَة انطلاقًا من فهم ما تريده السلطة من ممارستها في ذلك القطاع من قطاعات المواجهة. نجح الأسرى الإيرلنديّون في احتجاجهم الذي عُرف باسم "الاحتجاج القذر"، والذي استمرّ لأشهر طويلة، وأدّى إلى اضطرار السلطة إلى التراجع عن العقوبات المفروضة، ثمّ إلى إغلاق السجن نهائيًّا بعد ذلك.

فحين مُنعوا من الخروج من غُرَفهم إلى الاستراحة اليوميّة، وحُرموا من ارتداء ملابس غير زيّ السجناء المذلّ، وحُرموا من إدخال الصحف والكتب، قرّروا الامتناع عن الاستحمام ثمّ امتنعوا عن إخراج جرادل البراز والبول من الغرف. وعندما تزايدت كمّيّات البراز إلى حدّ كبير، شرعوا يدهنون جدران الغرف بها احتجاجًا وإصرارًا على الانتقام من السجّانين وإدارة السجن، حتّى باتت الحياة في تلك المنطقة غير ممكنة. بعد أشهر، انكسرت إدارة السجن وتراجعت أمام أسلوب العمل السياسيّ الجماعيّ الذي قرّر انتهاج سياسة في الردّ على العدوّ تجعله خاسرًا من كلّ خطوة يبادر إليها.

وعلينا نحن أن نسلك الطريق ذاتها، بدءًا من الردّ على منع إحياء ذكرى النكبة بإقامة فوريّة لجسم تنسيقيّ عمله الأول الاهتمام بألاّ يمرّ يوم بين منتصف نيسان ومنتصف أيّار من كلّ عام دون تنظيم أنشطة قطريّة أو محلّـيّة تبغي إحياءَ ذكرى النكبة وترسيخَ الرواية التاريخيّة الفلسطينيّة؛ مرورًا بالردّ على عَبْرَنة الأسماء الفلسطينيّة بإصدار كَرّاسات تُعِيد إلى ذاكرة الصغير قبل الكبير القرى المهدومةَ والمهجَّرةَ، وتستحضر من رفوف المكتبات الأسماءَ العربيّة لكلّ مكان في هذه البلاد، فنلتزم جميعًا باستعمال الأسماء العربيّة فقط بدل العبريّة المفروضة علينا؛ وكذلك الشأن في الردّ على فرض نشيد "هَتِكْفاه" على طَلَبة المدارس، وانتهاءً بمشاريع عودة مهجَّري الداخل إلى قراهم ردًّا على مصادرة الأراضي الفلسطينيّة، بدل الاكتفاء بضريبة كلاميّة لحقّ عودة اللاجئين من الشتات، وغير ذلك.