جاء ميتشل.. ذهب ميتشل../ راسم عبيدات*

تتعاقب الإدارات الأمريكية، وتتعاقب الزيارات المكوكية لمبعوثيها إلى المنطقة، وكل ذلك من باب إدارات الأزمات لا العمل على حلها. وتتكثف تلك الزيارات عندما تحتاج الإدارات الأمريكية إلى دعم وتوحيد للموقف العربي الرسمي، حول قضايا لها علاقة بتهديد المصالح الأمريكية في المنطقة، حيث تبدأ بنثر الوعود و"الضحك على ذقون" القيادات العربية والفلسطينية، بأن هذه الإدارة جادة وستعمل على إيجاد حل للصراع العربي- الإسرائيلي وفي القلب منه القضية الفلسطينية.

فالإدارة الأمريكية السابقة – إدارة المحافظين الجدد- بقيادة بوش الابن، وعدت بالعمل على إقامة دولة فلسطينية خلال خمس سنوات. وتبخرت الوعود ولم تنجز لا في خمس ولا ست سنوات. وختمها بوش بخطاب وداعي له في الكنيست الإسرائيلية شن فيه هجوما قاسيا على قوى المقاومة العربية والفلسطينية ووصفها "بالإرهاب". وأسهب في الحديث عن معاناة اليهود وذرف الدموع على سكان مستوطنة "سديروت" بزعم أنهم "ضحايا الإرهاب الفلسطيني".

أما الشعب الفلسطيني الذي يذبح كل يوم، ويحرم من أبسط شروط ومقومات الحياة، ويحاصر حتى الموت، ويقصف بالأسلحة المحرمة دولياً، فلم يحظ حتى بكلمة تعاطف من هذا الرئيس، بل وأكد على التزام أمريكا بأمن وحماية إسرائيل.

وبعد رحيل بوش جاءت إدارة أوباما لكي تسوق نفس البضاعة، ولكن بمفردات ولغة جديدة تلعب على وتر العواطف والمشاعر. وعلق النظام الرسمي العربي، وبالذات ما يسمى بـ"قوى الاعتدال" منه، الكثير من الآمال على هذه الإدارة. وكل من كان يستمع إلى الخطاب الذي ألقاه أوباما في حزيران/ يونيو الماضي في جامعة القاهرة، وما أحدثه من ضجة وضجيج وصخب واهتمام عربي غير مسبوق، بل وانبهار الكثير من القيادات العربية وجوقاتها المطبلة والمزمرة والمسبحة بحمد فلوس قياداتها من رجال فكر وسياسة وأعلام وكتاب ومثقفين بأوباما وخطابه. وبدأوا ينظرون له على أساس أن هناك سياسة أمريكية جديدة، وأن الوقت الذي كانت فيه إسرائيل فوق القانون الدولي قد ولى إلى غير رجعة، وأن هذه الإدارة جادة في إيجاد حل للصراع العربي- الإسرائيلي وجوهرة القضية الفلسطينية، وان أوباما سيأتي لهم "بالزير من البير"، والدولة الفلسطينية ستقوم على أساس وعد أوباما خلال فترة أربع سنوات.

وتمر الشهور بانتظار أن يعلن أوباما ملامح خطته أو مبادرته للشرق الأوسط، ولتظهر هذه الملامح واضحة من خلال خطة تقوم على أساس التطبيع مقابل وقف الأنشطة الاستيطانية في القدس والضفة الغربية. ويأتي الرد الإسرائيلي سريعاً وحازماً من خلال الخطاب الذي ألقاه نتنياهو في جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية، إحدى أهم معاقل اليمين الإسرائيلي والتطرف، وكذلك من خلال الكلمة التي ألقاها من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، بأنه لا وقف للأنشطة الاستيطانية في القدس أو حتى تجميد لها، باعتبارها على حد زعمه العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأن أكثر ما يقبل به هو تجميد مؤقت للاستيطان بسقف أعلى لا يزيد عن ستة شهور، وبما لا يشمل الكتل الاستيطانية الكبرى في الجنوب؛ مستوطنات "غوش عتصيون" وفي الوسط مستوطنة "معالية أدوميم" وفي الشمال مستوطنات "تجمع أرئيل" ، ناهيك عن ما يسمى بالزيادة الطبيعية في المستوطنات الأخرى، مقابل عمليات تطبيع واسعة مع العالم العربي.

واستناداً إلى هذه المواقف الإسرائيلية، والتي تعني الرفض لخطة أوباما والعمل على تفريغها من مضمونها ومحتواها، وجدنا أن الموقف الأمريكي بدأ بالتراجع نحو التكيف والتطابق مع الموقف الإسرائيلي، بالتخلي عن وقف الأنشطة الاستيطانية في الضفة والقدس نحو التجميد الجزئي والمؤقت لها، وعلى أن يترافق ذلك مع خطوات تطبيعية مع العالم العربي، تشمل فتح الحدود والأسواق العربية أمام التجارة والبضائع الإسرائيلية، وكذلك استخدام أجوائها وموانئها من أجل الطيران والرسو والمرور والهبوط وفتح الممثليات والقنصليات الإسرائيلية في العواصم العربية.

وبدأ المبعوث الأمريكي للجنة الرباعية جورج ميتشل جولات مكوكية بين العديد من العواصم العربية وتل أبيب ورام الله، من أجل أن يحدث أي اختراق من شأنه حفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية، ومعسكر الاعتدال العربي والفلسطيني من دعاة نهج التفاوض من أجل التفاوض، ولكن وجدنا ميتشل وبدلاً من أن يوجه ضغوطه على إسرائيل، لكي تلتزم بالوقف الشامل للأنشطة الاستيطانية في القدس والضفة الغربية، قد شدد من ضغوطه على الطرف الضعيف، ألا وهو الطرف الفلسطيني والعربي، ذلك الطرف الذي كان يقول بأنه لا عودة إلى المفاوضات أو عقد لقاءات مع القيادة الإسرائيلية إلا بالوقف الشامل للاستيطان. ولم يتلاش صدى صوت هذه التصريحات، حتى أذعنت السلطة الفلسطينية للضغوط الأمريكية، واستجابت لعقد لقاء القمة الثلاثي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بين أوباما ونتنياهو وعباس، والذي لم تكن حصيلته سوى صفر ناقص.

وبعد ذلك وجدنا أن القيادة الإسرائيلية، لا تمعن فقط في التنكر لخطة أوباما، بل في إذلال القيادة الفلسطينية وتعريتها، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو إظهارها بمظهر المتآمر والمتاجر بدماء شعبها، والخائن لنضالاتها وتضحياتها.

وليس أدل على ذلك بما أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية، وفيما يسمى بـ"عيد المظلة" من توفير الدعم والحماية للجماعات الاستيطانية في اقتحاماتها المتكررة للمسجد الأقصى، وتعطيل الحياة في مدينة القدس وعزلها الشامل والكلي عن محيطها الفلسطيني، بل في الوقت الذي مدت فيه القيادة الفلسطينية طوق النجاة للحكومة الإسرائيلية وقادتها من منع محاكمتهم كمجرمي حرب على جرائمهم التي ارتكبوها بحق شعبنا الفلسطيني، في حربهم العدوانية على قطاع غزة في كانون أول/ 2008، بتأجيل التصويت على تقرير القاضي "غولدستون" في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وقتل للمدنيين، عمقت إسرائيل من أزمة تلك القيادة، من خلال العمل على تكثيف الاستيطان في مدينة القدس، وأعلنت عن تدشين المرحلة الثانية من المشروع الاستيطاني المسمى "تسيون زهاف" في قلب قرية جبل المكبر المقدسية، والمتضمن إقامة (104 ) وحدات استيطانية.

وفي ظل تصاعد الأزمة ومن أجل احتواء حالة الاحتقان والغليان في الشارع الفلسطيني، والذي باتت أجواؤه تنظر باندلاع انتفاضة ثالثة، سارعت أمريكا إلى إرسال مندوبيا ميتشل إلى المنطقة من أجل الاستمرار في إدارة الأزمة والقول بوجود حركة سياسية وعملية سلمية، وبيع الأوهام والاستمرار في طحن الماء، وبما يمكن إسرائيل من الاستمرار في سياساتها وممارساتها واستكمال عمليات التهويد والأسرلة بحق شعبنا الفلسطيني.

وسيستمر ميتشل وغيره من مندوبي الإدارة الأمريكية والإتحاد الأوروبي في إدارة الأزمة على هذا المنوال حتى نهاية ولاية الإدارة الأمريكية الحالية والتجديد لها أو رحيلها، مع وعد جديد من رئيس أمريكي جديد بإقامة الدولة الفلسطينية، خلال عشرة أعوام قادمة، وسيستمر دعاة نهج التفاوض من أجل التفاوض في الساحتين الفلسطينية والعربية بالقول إن الحياة مفاوضات، وسيرفعون تلك المفاوضات إلى مرتبة الأيديولوجيا، وسيستمرون بالقول إن السلام والمفاوضات هما الخيار الإستراتيجي، حتى الوصول إلى أطروحات نتنياهو بالسلام مقابل تحسين الشروط الاقتصادية والحياتية للفلسطينيين تحت الاحتلال.

فإلى متى سيستمر دعاة هذا النهج في بيع الأوهام واللهاث وراء السراب والتعاطي مع الأمور على قاعدة "عنزة ولو طارت"، فـ"الزمن من دم" وحقوق وقضية شعبنا في مهب الريح فلا مصالحة وطنية قريبة، ولا تسوية سياسية في الأفق..