وقفات على مبررات خطيئة عباس../ أحمد الحيلة*

ترقب العديد من المراقبين أن يطّل السيد عباس على الشعب الفلسطيني ليعلن اعتذاره عن فضيحة غولدستون، ويتحمل المسؤولية بصفته رئيساً للسلطة، وبصفته رئيساً للجنة التنفيذية لـ م.ت.ف المسؤولة عن البعثات الدبلوماسية في الخارج.

ومرد هذا الترقب نابع من فرضية مفادها أن مصلحة عباس وسلطته في رام الله مراعاة شعور الشعب الفلسطيني المكلوم والمجروح في كرامته عقب تخلي قيادته عن مسؤوليتها في حمايته بتبرئة إسرائيل ومسؤوليها من الإدانة والمحاكمة، بطلب التأجيل على تصويت تقرير غولدستون.

من جانب آخر، اعتذار عباس كان مرتقباً كمتطلب وطني، بعد أن أعلن أكثر من مستشار، ومسؤول في فريق أوسلو عن تحمل سلطة عباس لإثم جريمة تأجيل التصويت، وذلك كما جاء على لسان ياسر عبدربه، وصائب عريقات، وناصر القدوة، وحتى على لسان السفير إبراهيم خريشة المندوب الفلسطيني لدى مجلس حقوق الإنسان.

ذكرنا ذلك من باب المصلحة السياسية لفريق بعينه، ناهيك عن القول أن الحدث يكفي في حد ذاته لتقديم الاعتذار والاستقالة عند الساسة الذين يقدرون أنفسهم انطلاقاً من موقع المسؤولية أمام الرأي العام.

لكن الواقع كان عكس ذلك عندما انبرى السيد عباس يدافع عن خطيئته بسوق مبرراته في محاولة منه للتخفي وراء الحقيقة، بإلقاء اللوم على الآخرين عندما قال في خطابه إن "قرار تأجيل التصويت جاء بناءً على توافق مختلف المجموعات في لجنة حقوق الإنسان". وهي محاولة مكشوفة، أراد منها التخفيف من سوأة موقفه باعتباره السلطة شريكا في الجريمة، ظاناً بذلك أنه يخفف من حجم المسؤولية الملقاة عليه!

من جانب آخر، حاول السيد عباس خداع الرأي العام، اعتقاداً منه أن الشعب الفلسطيني والعربي غير متابع لتفاصيل الحدث، عندما ساق مبرراً واهياً آخر بقوله إن التأجيل جاء "لتوفير أكبر عدد من المؤيدين للمشروع مستقبلاً". وأقل ما يقال في هذا الادعاء، بأنه خداع ساقط من الاعتبار، فقد أكد مندوب فلسطين في مجلس حقوق الإنسان إبراهيم خريشة، في تصريحات له، أن أغلبية أعضاء المجلس أيدوا التصويت بواقع 33 دولة مؤيدة، من أصل 47 دولة، وهذا ما أكدته العديد من المصادر الإعلامية والدبلوماسية.

ومن عجائب الخطاب أنه حاول أن يقلل من أهمية الحدث، محاولاً القفز إلى الانقسام الداخلي، وادعائه أنه "يؤمن بحل الأزمة (الانقسام) عبر طريق واحد وهو الاحتكام إلى الشعب والعودة إلى صناديق الاقتراع". وهذا قول فيه تناقض كبير مع الذات؛ أليست أزمة الانقسام هي نتيجة تنكر عباس وفريقه لنتائج الانتخابات التشريعية عام 2006؟!

أليس التنكر لدماء الشهداء في غزة بتبرئة الاحتلال، وحماية مجرميه من الإدانة والمحاكمة تعد إهانة للشعب الفلسطيني الذي تشدق باحترام رأيه عبر صناديق الاقتراع؟!

أليس من مقتضيات الديمقراطية، وقف جريمة التنسيق الأمني مع الاحتلال بإشراف "المندوب السامي" الجنرال الأمريكي كيث دايتون الذي يشرف على عمليات اعتقال المقاومين في الضفة، ووضعهم في سجون رام الله؟!

أليست الديمقراطية تعني إطلاق الحريات العامة، ووقف الاعتقال السياسي، وإطلاق سراح سجناء الرأي؟!

كما أن تباكي الرئيس عباس على المصالحة، وادعاءه بأن الحملة التي انطلقت ضد قرار تأجيل التصويت على التقرير تهدف إلى "التهرب من استحقاقات توقيع المصالحة الوطنية لضمان استمرار الانقسام"، إنما جاءت لقلب الحقيقة التي تؤكد أن عباس وموقفه الجريمة الفضيحة من تقرير غولدستون هو المسؤول عن تأجيل المصالحة.

وإذا كان عباس يريد القول إن جريمة وفضيحة غولدستون بتبرئة الاحتلال، وحماية مجرميه الذي قتلوا نحو 1500 فلسطيني معظمهم من المدنيين، ونصفهم من الأطفال، أمر لا يستحق التوقف، ولا يستحق كل ذلك الغضب الجماهيري والسياسي، فلا ندري ما الذي يستحق الغضب في نظر السيد الرئيس عباس؟!

إننا نعتقد أن تباكي عباس على المصالحة في هذه اللحظة بالذات ـ وهو الذي كان يضع العراقيل أمامها طوال الجولات السابقة ـ هو تعبير عن مأزقه السياسي، وهو تعبير عن رغبته بالتغطية على خطيئته برداء المصالحة الوطنية، على قاعدة عفا الله عما سلف..! وكأن شيئاً لم يكن..!