إسرائيل وهاجس التحولات... و"العثمانيون الجدد"!/عبداللطيف مهنا

كل تحوّل ذا منحى استراتيجي في المنطقة، أو هو قد يوحي بذلك، هو مدعاة تلقائية للقلق الإسرائيلي العميق، ويحظى بالاهتمام البالغ، وأحياناً المبالغ فيه. لأن غربة الغزاة هي مدعاة دائمة للخشية على الاستمرار والوجود والمصير في هذا الجزء من العالم الذي هم فيه طارئين، ويدركون قبل سواهم أنهم فيه إنما يقيمون عنوة بالضد من حقائق التاريخ والجغرافيا والهوية الحضارية والثقافية، وثبت ويثبت أنهم مهما طال الزمن سوف يظلون فيه تحت طائلة سيف الرفض العميق لهم، الذي، ومهما تمكنوا من أسباب القوة وضمانات فرض الأمر الواقع ودعم أقوياء العالم، يرونه يظل يلوح مسلطاً فوق رؤوسهم. هنا نلاحظ قلقاً مصيرياً أقرب إلى الفوبيا، وحيث كل احتمالات تحول، مهما قل شأنه، يخضع بالنسبة لهم للمقاييس الاستراتيجية الصهيونية المهجوسة بهذا القلق.

رأينا هذا بجلاء عندما بدأت إرهاصات إنكفاء المشاريع الأمريكية في المنطقة. تعثر مشروعهم في العراق. ترنحه في أفغانستان. وبالتوازي مع سحب مشروع الشرق أوسط الجديد من التداول. وإجمالاً بدايةً تآكل أحادية القطبية الأمريكية الكونية، وما يؤذن بالعد العكسي للانحدار الامبراطوري الأمريكي بعد بلوغ قمة السطوة ومن ثم أخذ مساره المحتوم في الهبوط متخبطاً في أزمته الاقتصادية، أو في آخر أزماته المؤشرة على هذا. فكان التوجه الإسرائيلي نحو المراكز الكونية الصاعدة، مثل الصين والهند وبدء تمتين الروابط المصلحية معهما، هو ما شاهدناه في العقد الأخير وذلك تحسباً إسرائيلياً لمثل هذا التحول واستعداداً له، وكمشاريع بدائل مستقبلية ممكنة لحلفاء أو ضامنين أو حتى غير معادين لوجود الأمر الواقع القلق الذي فرضوه بالقوة على حساب الغير وغير المطمئنين أبداً لاستمراريته.

في الماضي، كان أي مؤشر على نهوض عربي على الصعيد القومي، وحتى القطري، يدق ناقوس الخطر في تل أبيب. التوجهات الوحدوية، اندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة في الستينات. أما اليوم والعرب يعيشون حالهم الراهنة الغنية عن الوصف، فهناك هاجس القوة الإيرانية الصاعدة، وبالتالي هذه الضجة التي تزيدها إسرائيل اشتعالاً كلما مالت للخفوت قليلاً في الغرب حيال مجرد فكرة امتلاك إيران للتقانة أوالمعرفة النووية.

جاء كسر الأتراك لجناح "نسر الأناضول" بمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من المشاركة في هذه المناورة الأطلسية المقررة، وبالتالي تأجيلها، أو عملياً إلغائها، ليضيف لسلال القلق الإسرائيلي سلةً جديدة، ولم يكن هذا الموقف التركي، الذي كانت له مقدمات تركية، يعددها اليوم الإسرائيليون، إلا النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة لهم، وبالتالي، هناك اليوم في إسرائيل جبهتان فتحهما هذا الحدث، واحدتهما رسمية وديبلوماسية، تحاول جاهدة أن تكتم غيظها، وتسعى عبر الغرب المتعاطف والقلق مثلها للحفاظ على شعرة معاوية التركية الضرورية ما أمكن مكرهة. والثانية، إعلامية هي في حلٍ من الاعتبارات الديبلوماسية، والأصول الرسمية، وحسابات أهل القرار، لذا نجدها تتصاعد لدرجة الولولة عاكسةً إلى أبعد حد تجليات الفوبيا الإسرائيلية التي أشرنا إليها بداية، لكنها تعبر بدقة عن مكتوم الرؤية الرسمية.

لقد كانت تركيا الأتاتوركية القاطعة روابطها مع محيطها وموضوعياً مع تاريخها وجغرافيتها ومواريث هويتها، والجانحة إلى التغريب، أو اللاهثة قرابة القرن وراء الأوربة المستحيلة، توصف لعقود تلت نكبة فلسطين ب"الحليف الاستراتيجي" لاسرائيل أو الحليف الثاني لها بعد الولايات المتحدة. كان هذا منذ الخمسينات، وحيث يعد تحقيقاً لنظرية دول الجوار، أو الحزام غير العربي الحليف لإسرائيل، لصاحبها بن غوريون، والذي كان عماده أنقرة الأتاتوركية، وطهران الشاه، وأديس أبابا هيلاسلاسي. بسقوط نظام الإمبراطورين في كل من الأخيرتين، لم تتبق سوى أنقرة، حتى جاء إسلاميو حزب العدالة والتنمية للحكم ليتبخر هذا الحلم الإسرائيلي، وليصل الأمر إلى ما وصفته صحيفة "معاريف" نقلاً عن مصادر أمنية:
"إن تدهور العلاقات مع تركيا لم يبدأ اليوم، وإنما تجلى في تصريحات قادة الحكم التركي، في التظاهرات والاحتجاجات العلنية ضد إسرائيل، بما فيها أمام الرئيس شمعون بيرز. ينبغي للميل السلبي التركي هذا أن يقلقنا. ويجب علينا بالتأكيد إعادة النظر في بيع الجيش التركي منظومات متقدمة، حتى لا نكتشف ذات يوم أنها ستوجه ضدنا...

الإسرائيليون لم ينسوا ولن ينسوا للحكومة التركية الأردوغانية جملة من المواقف، مثل: منعها للأمريكان استخدام القواعد التركية لغزو العراق... رفض تركيا بأن تكون معبراً أو منصة لضرب المنشآت الإيرانية النووية... تعبير أردوغان عن غضبه وانسحابه من دافوس احتجاجاً على مزاعم بيرز وتتويجاً لإدانته القوية للجرائم الإسرائيلية إبان محرقة غزة... والأهم، خطوات الانفتاح التاريخي التركي المتسارع على العرب، أو ما يصفه محللوهم القلقون ب"التغيير الجوهري والعميق والاستراتيجي" التركي، وعليه، فإن كتم الرسميون غيظهم فإن الإعلام باح بالمستور، تقرأ مثلاً:
"لحظة جنون تصيب تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، وهو يتصرف كالمدمن، ويحتاج إلى كميات متزايدة من المخدر ذي الرائحة الإسلامية"! وكلام مثل: في تركيا أصبح "الجيش لم يعد يتحكم بالدولة... النخبة الديبلوماسية (الأتاتوركية) حشرت في الزاوية... احتل الإسلام المكانة المركزية، كما تطل العثمانية الجديدة"...
هل كل هذه الهواجس الإسرائيلية المعبر عنها هي ردة فعل تقتصر على جملة المواقف الأخلاقية التركية، أو حتى التضامنية، مع العرب المقهورين المتعرضين للمجازر في فلسطين؟!
أم على ما يحلو للإسرائيليين وصفه بانحياز تركي أو اقتراب أنقرة من المحور السوري الإيراني؟!
أو لما تقوله مصادر مقربة منه، وهو سعي أردوغان لأسلمة تركيا "بشكل هادئ"؟!
أو جراء ما يصفه وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان معقباً على مسلسل تلفزيوني تركي يصور قتل جنود الاحتلال للأطفال العرب الفلسطينيين ب"تحريض من النوع الأخطر والذي يجري برعاية رسمية" ؟!

أم أن الأمر، وإن كان لهذا كله، فهو ليس بهذه البساطة، ويشي بتحول استراتيجي تركي تحركه مصالح ويشجعه إيحاء تاريخي يزداد مع الأيام وضوحاً، لاسيما وإن تذكّرنا أن منع إسرائيل من المشاركة في مناورة "نسر الأناضول" سبقتها مناورة عسكرية تركية سورية مُشتركة، وأعلن أنه سيتبعها قريباً مناورة مشتركة أخرى؟ وإذا ما توقفنا أمام حدث بالغ الدلالة ويعد تحولاً استراتيجياً له ما بعده ونقلة نوعية في العلاقات يرهص بتعديل جوهري في المشهد الإقليمي، وهو تتويج الانفتاح على سوريا بتوقيع ما يقارب السبعين إتفاق وبروتوكول ومذكرة تفاهم معها، تبدأ بالسياسي، والاستراتيجي، ولا تنتهي بالاقتصادي والصناعي والزراعي، والثقافي والطاقة وتبادل الخبرات، بل تصل حتى إلى إدارة الحرائق والبيئة والحقول الأخرى... وإزالة الحدود في لحظة يمكن وصفها بأنها بالغة الدلالة، وحيث يقول وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو:
"لا أسلاك شائكة ولا ألغام ولا بوابات حدودية بعد اليوم"... تلى هذا توقيع 48 إتفاقاً مع العراق، وقول أردوغان: إن التعاون الاستراتيجي بين تركيا وكل من العراق وسوريا "يجب أن يكون نموذجاً يحتذى به بالنسبة لدول المنطقة"؟!
إذن، هناك أزمة تركية إسرائيلية حقيقية، وليست عابرة... علاقات استراتيجية امتدت يرى الإسرائيليون أنها "باتت في خطر فعلي"... إنتقال تركي يرونه قد تدرج من التحالف إلى الوساطة إلى العداء. ويلاحظون، أن إسلاميو تركيا يبتعدون رويداً رويداً عن دور الحليف التابع للغرب، أو إلى عدم القبول بذهنية الاستتباع التي تعاملهم بها الولايات المتحدة، وينجحون بإنجازاتهم وشعبيتهم في تطويع جيشهم قوى الشكيمة والمعادي عادة لهم، بحيث بدأ هذا الجيش حامي حمى الأتاتوركية في الانحياز رويداً رويداً لنبض الشارع التركي مبتعداً عن أتاتوركيته المتحجرة، بل هناك من يقول بأن عسكر تركيا قد بدأوا في الاتجاه إلى اعتبار إسرائيل خطراً على الأمن التركي... هل تستسلم إسرائيل؟

إن هذا ليس وارداً، ويعززه أن مثله وسنده هو ما سيكون عليه موقف الغرب بأسره، فإسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن علاقات عسكرية وسياسية، اقتصادية وصفقات أسلحة مجزية وهائلة، وكل هذا المستوى من العلاقات الذي بنته عقود غابرة وليس من السهل التخلي عنه في هذا الحاضر الذي يحبل بالمتغيرات المصيرية في المنطقة. كما أن تركيا ليست في وارد قطع هذه العلاقات ولا إفساد علائقها بالغرب، ولا حتى التخلي عن وجهتها الأوروبية التقليدية، وإن كفت عن حلمها السابق المتهافت ويأست من جدوى اندلاقها على أعتاب الاتحاد الأوروبي، الذي دأب على مبادلتها ودها المفرط بالفظاظة الزائدة، رغم استيفائها لشروط الالتحاق به حتى أكثر من بعض أعضائه... إذن هل هذا التحول التركي فيه بعض إنتقام لإذلال تركيا على أعتاب الاتحاد الأوروبي؟
...واستتباعاً، هل هي تصفية حسابات بين الإسلاميين والأتاتوركيين؟!

هنا أيضاً تبسيط للأمور... لقد عززت سياسة حزب العدالة والتنمية الانفتاحية على جوارها العربي والإسلامي، أو بيئتها التاريخية والحضارية دور ومصالح وأمن تركيا مع هذا الجوار وفيه، وأفادت أيما إفادة مصالحها الاقتصادية المتعاظمة معه، وكان لها مردوداً ملموساً حررها من قيود تبعيتها للغرب، وبالتالي أسهم في تمكين هذه السياسة من تحديد وظيفة أطلسية تركيا بما يفيدها ويفيد منه جيشها قدرة وتطوراً... استجابت هذه السياسة لوجدان ومزاج وضمير شعبي متنام يؤمن بأن العالم الإسلامي هو مجال تركيا الحيوي واقتنع باستحالة جدوى طرق الباب الأوروبي الموصد، وتوازت خطواتها المدروسة مع تنامي احساس الأتراك المتزايد بوجوب عودتهم إلى هويتهم بعد اغتراب إجباري طال عنها... هنا يكمن سر حكاية "العثمانيين الجدد"، أو مدعاة كل هذا القلق الإسرائيلي... وصداه الغربي!