عندما قصفت إسرائيل إيران بالغواصات النووية/ زهير اندراوس

في الوقت الذي مزق فيه، العقيد معمر القذافي ميثاق المنظمة الدولية، وعندما كان الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، يخطط برفقة عددٍ من المحيطين به لتأجيل النقاش في تقرير غولدستون، وفي الفترة نفسها التي كان الرئيس المصري حسني مبارك يستجدي الأمريكيين بالموافقة على توريث نجله جمال، والكف عن تهديده بتعيين الجنرال عمر سليمان، وزير المخابرات مكانه، في هذا الوقت بالذات، أي في الثلاثين من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، وبدون ضجيج ولكن مع كمية هائلة من الخبث، أكدّ ناطق عسكري إسرائيلي لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) أنّ غواصتين من طراز دولفين سلّمتا مؤخراً إلى البحرية الإسرائيلية. وقال هذا الناطق: تسلمنا غواصتين من نوع دولفين مصنوعتين في أحواض السفن الألمانية، وأصبحت إسرائيل تملك بذلك خمسا من هذه الغواصات المتطورة من طراز (يو 212) التي يبلغ شعاع عملها 4500 كيلومتر، في نفس السياق قالت وسائل الإعلام الأجنبية إنّ هذه الغواصات قادرة على إطلاق صواريخ برأس نووي، علاوة على ذلك، ذكرت وسائل الإعلام العبرية أنّ واحدة من هذه الغواصات الإسرائيلية تتمركز بشكلٍ دائمٍ في الخليج العربي، قبالة السواحل الإيرانية، والثانية في المتوسط والثالثة قبالة سواحل الدولة العبرية. وكانت الإذاعة العامة الإسرائيلية ذكرت مطلع تموز (يوليو) أنّ غواصة إسرائيلية من طراز دولفين عادت إلى المتوسط عبر قناة السويس التي عبرتها في الآونة الأخيرة لإجراء مناورات في البحر الأحمر، وزادت أنّ عبور مثل هذه الغواصة لقناة السويس الذي لا سابق له يجب أن يفهم كرسالة موجّهة إلى إيران.

وفي نفس السياق، كشفت مصادر أمنية إسرائيلية وصفت بأنّها رفيعة المستوى، الثلاثاء من الأسبوع الماضي، النقاب عن أنّه للمرة الأولى في تاريخ الدولة العبرية يتم تعاوناً أسمته بالتاريخي في البحر الأبيض المتوسط، والذي يتمثل في مشاركة قوات من الجيش الإسرائيلي في فعاليات حلف شمال الأطلسي (الناتو). وزادت أنّ هذا التعاون يأتي بالتزامن مع تدهور العلاقات مع تركيا، على خلفية قيام الأخيرة بإلغاء المناورات التي كانت مقررة على أراضيها بمشاركة سلاح الجو الإسرائيلي والأمريكي، علاوة على ذلك، أشارت المصادر عينها إلى أنّ سفينة تابعة لسلاح البحرية الإسرائيلية سوف تنضم إلى القوة البحرية التابعة لحلف شمال الأطلسي لملاحقة النشاطات 'الإرهابية' البحرية في المنطقة، وشددت المصادر على أنّه بعد جهود استمرت أكثر من سنتين، وافقت قيادة حلف شمال الأطلسي الأسبوع الماضي، على انضمام سلاح البحرية الإسرائيلي إلى القوة التابعة للناتو، فيما وصفته بأنه تعاون مكشوف للمرة الأولى بين الجيش الإسرائيلي والناتو.

علاوة على ما ذُكر أعلاه أكدّ وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، خلال زيارته للدولة العبرية على أنّ هناك توافقاً إسرائيلياً أمريكياً على أن تسلح إيران النووي يهدد استقرار المنطقة برمتها ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل وجميع دول الشرق الأوسط.(27.07.09). أما وزير الحرب الإسرائيلي، الذي أفلت مؤخراً من الاعتقال في لندن بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ترتقي إلى جرائم ضدّ الإنسانية، فقد صرح أنّه في حال قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمهاجمة الدولة العبرية، فإنّ الأخيرة سترد بهجوم عسكري كاسح، وسيؤدي هذا الهجوم إلى إعادة إيران آلاف السنين إلى الوراء، كما قال إنّ الهجوم الذي ستشنه إسرائيل على إيران سيكون قاضياً، بحيث لن يبقى في إيران أشخاص لإحصاء عدد القتلى والجرحى.

ولكن بعيد استلام الدولة العبرية الغواصتين من ألمانيا، لوحظ أنّ وزير الأمن باراك غيّر لهجته وخرج عن الإجماع الصهيوني الإسرائيلي القائل إنّ إيران تُشكّل خطراً وجودياً على إسرائيل، وبات يقول إنّ الجمهورية الإسلامية غير قادرة على محو إسرائيل، وهي بالتالي لا تشكل خطراً وجودياً عليها. وغنيٌ عن القول إنّ ألمانيا، عندما قررت تزويد إسرائيل بهذه الغواصات، التي حسب المصادر الإسرائيلية، بإمكانها أن تحمل رؤوساً نووية، كانت على علم بأنّ هذا التزويد سيزيد قوة إسرائيل العسكرية وستكون قادرةً على توجيه الضربة الثانية، ويرى دارسو العلاقات الدولية أنّ النظام ثنائي القطبية الذي ساد في الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة لم يشهد حرباً عالميةً، كحال التجارب السابقة، فقط بسبب حيازة المعسكرين لأسلحة الدمار الشامل وتحديداً لوصول كل معسكر إلى مستوى القدرة على استيعاب أي هجوم يقع عليه والرد بهجوم ساحق يلحق بالمبادر بالهجوم خسائر اكبر ما يمكن أن تكون قد أحدثته ضربته الأولى، وهو ما عُرف باسم القدرة على توجيه الضربة الثانية.

وبما أنّ العلاقات الدولية محكومة بموازين القوى، فإنّ إسرائيل بامتلاكها هذه الغواصات، أحدثت تغييراً إستراتيجياً كبيراً في المنطقة، وعندما نقول الإستراتيجية نقصد بذلك ما عرّفها القائد الإستراتيجي الألماني كارل فون كلاوتز بأنّها فن استخدام المعارك كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب، وعرّفها القائد البروسي، هيلموت فون مولتكه، بأنّها إجراء الملائمة العملية للوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد للوصول إلى الهدف المطلوب، بينما عرّفها الجنرال البريطاني من أصل فرنسي، ليدل هارت بأنّها فن توزيع واستخدام مختلف الوسائط العسكرية لتحقيق هدف السياسة، أما الجنرال بالت فقد عرفها بأنّها فن تعبئة وتوجيه موارد الأمّة أو مجموعة من الأمم، بما فيها القوات المسلحة لدعم وحماية مصالحها من أعدائها الفعليين أو المحتملين في حين يُعرّفها ا الجنرال الفرنسي أندريه بوفر، وهو من أبرز المفكرين الذين خرجوا بالإستراتيجية عن مفهومها العسكري البحت، بأنّها فن حوار الإرادات تستخدم القوة لحل خلافاتها، ويمكن تعريف المصطلح بأنّ الإستراتيجية هي خطط أو طرق توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد اعتماداً على التكتيكات والإجراءات الأمنية في استخدام المصادر المتوفرة في المدى القصير، أما الإستراتيجية العسكرية فتتناول تخطيط وتنفيذ الحملات، تحركات وتصرف القوات، وخداع العدو. وإذا تعمقنا في تعريفات الإستراتيجية كما ذُكرت أنفاً، فإننّا نصل إلى نتيجة مفادها أنّ الدولة العبرية تجمع التعريفات في كوكبةٍٍ واحدةٍ، وتواصل السير قدماً لتكريس التفوق الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، هذا طبعاً إذا أخذنا بالحسبان أنّ الجيش الإسرائيلي يستطيع التغلب على جميع الجيوش العربية مجتمعةً، خصوصاً وأنّه لا مجال للمقارنة بين سلاح الجو في الدولة العبرية وبين أسلحة الجو في البلدان العربية.

اللافت أو بالأحرى عدم اللافت في الأمر، أنّ تعاظم قوة إسرائيل وتكريسها لتفوقها في كل ما يتعلق بالضربة الثانية مرّ مرور الكرام على الزعماء والملوك والسلاطين والأمراء العرب، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، والأدهى من ذلك، أنّ الغواصات الإسرائيلية التي بإمكانها أن تحمل الرؤوس النووية تمر عبر قناة السويس، وبمعرفةٍ من النظام الحاكم في القاهرة، ولكن الأخطر من هذا وذاك، أنّ الدولة العبرية هي التي تقوم بالإعلان عن مرور الغواصات عبر قناة السويس، التي أممها الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، وتعرض بسبب ذلك للعدوان الثلاثي في العام 1956 من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، تل أبيب تُعلن ومصر تلتزم صمت أهل الكهف. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج أنّ الدول العربية اتخذت من الصمت المعيب والمشين على هذه التطورات المتسارعة، التي تحمل في طياتها أبعاداً خطيرة على الأمن القومي العربي، اتخذت من ذلك إستراتيجية. لا بل أكثر من ذلك، الأنظمة العربية بأغلبيتها العظمى تمكنت من تمرير مخطط خبيث على الشعوب العربية مفاده أنّ التهديد الفارسي، أي الإيراني، هو أخطر بكثير من الإسرائيلي، ومن هنا بات واضحاً أنّه يوجد تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، وإسرائيل والدول العربية لدرء ما يُسمى بالخطر الإيراني. وإذا أضفنا تركيا إلى المعادلة في المنطقة فنصل إلى القول الفصل إنّه في الشرق الأوسط قامت ثلاث قوى إقليمية: إسرائيل، إيران وتركيا، أما العالم العربي فما زال، للأسف الشديد، يغط في سباتٍ عميقٍ للغاية، وهذا الأمر هو نتاج 'الإستراتيجية' العربية غير القائمة أصلاً وفصلاً وقصداً.