المناورات علينا والحرب عليكم/ زهير اندراوس

من حين إلى أخر، نسمع من بعض العرب أو المستعربين، المقولة الممجوجة التي تهدف إلى النيل من سورية قادةً وشعباً: منذ العام 1973، أي بعد أن وضعت حرب تشرين الأول (أكتوبر) أوزارها، لم تُطلق من سورية حتى طلقة نارية واحدة باتجاه الدولة العبرية، وهذه المقولة تنسحب أيضاً على عددٍ من المتشدقين، الذين حوّلوا المزايدات والمهاترات، إلى اختصاص، وهذه الترهات، يكررها العديد من أبطال الفضائيات العربية، الذين أمركتهم إسرائيل وأسرلتهم أمريكا، إذ أنّهم يهاجمون سورية على عدم إطلاق النار، وكأنّ سورية خارجة عن الإجماع العربي، وكأنّ الدول العربية بملوكها وسلاطينها وحكامها ما زالت تتخذ من المقاومة أو الممانعة إستراتيجية ضدّ الدولة العبرية، وهذا التوجه الانتهازي حتى النخاع ينسحب أيضاً على مستغربين (الأصل من كلمة غرب) عرب، الذين لا يتركون فرصةً إلا ويقومون بتوجيه سهام النقد اللاذعة لحزب الله، فوفق منطقهم، القائم أصلاً على معاداة أمتّهم وشعوبهم، يتبجحون من على شاشات التلفزيون وفي الصحف الناطقة بالعربية ويؤكدون المرة تلو الأخرى بدهاء وبخبث شديدين: بعد انتهاء العدوان الذي شنّه الاحتلال الإسرائيلي على لبنان في صيف العام 2006 واتخاذ مجلس الأمن الدولي القرار 1701 الذي وضع حداً لهذا العدوان البربري، لم يقم حزب الله بإطلاق صاروخٍ واحدٍ باتجاه العمق الإسرائيلي، هذا الكلام الصحيح والمعسول يؤكد أنّ وراء الأكمة ما وراءها: أصحاب هذه النظريات يريدون تمرير رسالة واضحة إلى الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج بأنّ مواجهة إسرائيل على أرض المعركة هي مغامرة غير محسوبة، وهذه الرسالة تحمل في طياتّها أبعاداً خطيرةً للغاية أهمها تكريس حالة الإحباط لدى الشعوب العربية بأنّ الجيش الإسرائيلي لا يُقهر، على الرغم من أنّ أقطاب المؤسستين العسكرية والأمنية في الدولة العبرية يعترفون وبشكل علني بأنّ الجيش الإسرائيلي خسر المعركة مع حزب الله، وعلى الرغم من عدم التكافؤ في القوة العسكرية بين الجانبين.

ولا ضير في هذا السياق أن نورد مقتطفات من بحث إسرائيلي أشرف عليه العميد د. روبي ساندمان، رئيس قسم التطبيق والتنفيذ في سلاح البحرية الإسرائيلية، حيث طُلب من 24 ضابطاً رفيعي المستوى في جيش الاحتلال أن يُوزعوا العلامات لأداء الجيش الإسرائيلي خلال حرب لبنان الثانية، بالإضافة إلى توزيع النقاط على أداء مقاتلي حزب الله في عدد من القضايا. ويتبيّن من الإجابات التي حصل عليها العميد ساندمان من قبل الضباط والجنرالات أنّ الجيش الإسرائيلي يتمتع بتفوق كبير جداً على الأعداء في مجال نوعية الأسلحة والتنظيم، ولكنّه يعاني من قصور وعدم الأهلية المطلوبة من اجل تحقيق الحسم العسكري مثل: الإستراتيجية، علم الحرب، القيادة والولوج إلى تحقيق الحسم، وجاء في المقال أيضاً أنّه بدون تفوق في مجال تحضير القتال وإدارة المعارك، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال الوصول إلى الحسم العسكري قبالة حزب الله. علاوة على ذلك، أكد المقال العلمي الذي تمّ نشره في صحيفة الجيش (معرخوت) على أنّ الضباط منحوا نقاطاً أكثر لأداء حزب الله اللبناني في مجالات الاستخبارات، الإستراتيجية وعلوم الحرب، إلا أنّ المعطى الأهم، كما جاء في البحث، الذي حصل على جائزة رئيس هيئة الأركان العامة، الجنرال غابي أشكنازي، هو أنّ الـ24 ضابطاً أجمعوا على أنّ حزب الله تفوق على الجيش الإسرائيلي خلال المواجهة في جميع المجالات تقريباً.

ومن لبنان ننتقل إلى فلسطين: مجموعة المنافقين عينها، التي احترف أفرادها فن غسيل الدماغ للأمّة العربية، يهاجمون حماس ويؤكدون بتكرارٍ مملٍ على أنّها ومنذ انتهاء العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة لم تقم بإطلاق الصواريخ التي يسميها رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عبّاس بالعبثية، باتجاه جنوب الدولة العبرية، وأكثر من ذلك، تقوم هذه المجموعة المدعومة من الدول العربية المصنفة إسرائيلياً وأمريكياً بدول محور الاعتدال، بنفث سمومها على حماس، أو 'الإمارة الظلامية'، وتقول إنّها لم تُطلق الصواريخ فقط، بل منعت التنظيمات الفلسطينية الأخرى من توجيه الصواريخ إلى البلدات الإسرائيلية في الجنوب، ويذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك، عندما يقولون بدون خجل أو وجل إنّ حماس تحوّلت عملياً إلى مقاول ثانوي للاحتلال الإسرائيلي بمنعها أيّ عملية عسكرية ضدّ إسرائيل من قطاع غزة، تجري هذه الأمور الخطيرة للنيل من الممانعة السورية والمقاومة اللبنانية والفلسطينية، في الوقت الذي بدأت فيه أكبر وأوسع مناورة عسكرية إسرائيلية أمريكية (الأربعاء 21.10.09) في تاريخ دولة الاحتلال لمحاكاة هجوم شامل على الدولة العبرية من قبل إيران، سورية، حزب الله وحماس. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه العجالة إذا كانت إسرائيل، وفق منطق المستغربين والمدافعين عن قوة إسرائيل العسكرية، قد حققت قوة الردع أمام هذه الدول والتنظيمات، فما الحاجة لإجراء مناورة عسكرية كبيرة؟ وبرأينا فإنّ إجراء هذه المناورات في هذا التوقيت يحمل الكثير من الدلالات والأبعاد المختلفة سواء الأمنية أو الإستراتيجية أو حتى السياسية، إذ أنها لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن مجمل الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها تأتي في ظل تطورات مهمة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، وظروف حرجة تمر بها ما تُسمى بالعملية السلمية بالشرق الأوسط. فالمناورات تُعبّر عن مظهر مهم للغاية من مظاهر ذلك التعاون الإستراتيجي الوثيق بين واشنطن وتل أبيب. علاوة على ذلك، يمكن توصيف هذه المناورات بمثابة تتويج لعملية استخلاص العبر ومقاربة الاستراتيجيات العسكرية بين إسرائيل وأمريكا سواء فيما يتعلق بلبنان أو فلسطين أو العراق وذلك في ضوء التقارير التي تحدثت عن أنّ الحروب الأخيرة احتلت حيزاً هاماً في المداولات بين وزارة الدفاع الأمريكية ونظيرتها الإسرائيلية وتأثيرها على عقيدة الحرب المستقبلية للأمريكيين والإسرائيليين على حد سواء. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذه المناورات تأتي بالأساس كرسالة مضادة للتهديد النووي الإيراني الذي تعتبره إسرائيل خطراً وجودياً بالنسبة لها، لا سيما في ظل خروج تقارير من إسرائيل تتحدث عن أنّ الخيار العسكري لا يزال مطروحاً في مواجهة إيران، ما دفع البعض لوصف هذه المناورات بأنّها بمثابة مقدمة لسيناريو حرب إقليمية جديدة ستنشب في المنطقة.

مضافاً إلى ما ذُكر أعلاه فإنّه باعتقادنا المتواضع تأتي هذه المناورات كمحاولة من إدارة أوباما لإشعار إسرائيل بأكبر قدر من الحماية العسكرية، بشكل يتيح لواشنطن اتخاذ خطوات جريئة في المجال السياسي لصالح العملية السلمية المتعثرة مع الفلسطينيين، أي تكون هذه المناورات بمثابة جزرة أمريكية لإسرائيل لدفعها إلى تحقيق انجاز سياسي خلال الفترة المقبلة في المنطقة.

إسرائيل تُحضّر لعدوانٍ شاملٍ ضدّ إيران وسورية وحزب الله وحماس، نعم حافظت هذه القوى على تكتيك عدم الانجرار وراء الاستفزازات الإسرائيلية، ولكنّها لم تتنازل قيد أنملة عن الثوابت العربية والفلسطينية، أما الدول العربية التي تأتمر من واشنطن وتل أبيب فقد تنازلت عن كل شيء ولم تحقق شيئاً، وفيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، فحدّث ولا حرج: فقد وضعت جميع البيض في السلة الأمريكية منذ أوسلو، وحتى اليوم لم تحقق إنجازاً يذكر، بل بالعكس جلبت الويلات على الشعب الفلسطيني، هذا هو الفرق بين تيار المقاومة وتيار التفاوض، بين التمسك بالثوابت وبين التفريط بها، وعليه نسأل: عن أيّ مصالحة فلسطينية يتحدثون؟ التفاوض والمقاومة يسيران في خطين متوازيين لن يلتقيا أبداً، وهذه بديهية.