الوضع الفلسطيني الحرج و مبادرة حماس../ غالب قنديل*

دخلت المواجهة التي يخوضها الشعب الفلسطيني ضد حملة التهويد في القدس، وبصورة خاصة في المسجد الأقصى مرحلة مهمة وخطيرة، وهي تشهد مزيدا من الاستنهاض للفلسطينيين في الضفة الغربية والأرض المحتلة عام 48 من خلال الصدامات والمعارك شبه اليومية بين المعتصمين و المتظاهرين الفلسطينيين من جهة والعصابات الصهيونية وقوات الاحتلال من جهة أخرى.

تشير الوقائع إلى أن مخطط التهويد يجتاز فصلا خطيرا وفق جدول زمني موضوع مسبقا يجري تنفيذه، وبات يتسبب بحرج شديد للسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس الذي يضعه الأميركيون و الإسرائيليون بين شاقوفين، فهو من جهة اتخذ الخطوات التصعيدية التي تكاد تطيح بفرصة المصالحة الفلسطينية وباحتمال تشكيل حكومة وحدة عبر تحديد موعد انتخابات جديدة واستثارة خلاف حاد مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية، ومن جهة ثانية وجد نفسه مضطرا لتوجيه تهديد بخطوات سياسية بينما طلب منه الأميركيون الاستعداد لاستئناف التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية بعد تحضير إخراج شكلي يحفظ ماء وجه كل من الرئيسين الأميركي و الفلسطيني حول وقف الاستيطان بحيث يكون الإعلان فارغا من أي محتوى عملي بعد إصدار تل أبيب عشرات آلاف التراخيص وإقرارها لمئات المشاريع الاستيطانية، وبعد التكريس الأميركي للشرط الإسرائيلي باعتبار تهويد القدس أمرا واقعا مستمرا.

الخطوات التي اتخذتها حركة أمس يوم أمس بدت بمثابة مبادرة وطنية لإنقاذ الواقع السياسي الفلسطيني من التخبط و الشلل بينما تستدعي المستجدات وقفة تتناسب مع ملامح انتفاضة جديدة في الضفة الغربية المحتلة يخشاها الإسرائيليون، ويكتشف الفلسطينيون أنها الطريق الوحيد لعرقلة مسار التهويد و الاستيطان الزاحف على بلداتهم وأراضيهم ومقدساتهم.

أولا المذكرة التي وجهتها قيادة حماس للدول العربية والإسلامية تكشف قيام السلطات المصرية بتعديلات على النص النهائي لاتفاق المصالحة الذي تم التوصل إليه، وهذه المذكرة توضح تمسك حماس بالنص الذي أعطت موافقتها عليه ورفضها لتمرير التعديلات على الطريقة التي تضمنتها الصيغة المصرية الأخيرة.

وهذا ما يسقط الاتهام الذي روجته السلطة الفلسطينية وأوحت به بعض التلميحات والتصريحات المصرية التي حملت الحركة مسؤولية عدم توقيع الاتفاق وتأخر الحركة في وضع النقاط على الحروف بصورة منهجية كان مؤذيا لها لكنها مع نشر بعض نقاط مذكرتها تسترجع زمام المبادرة السياسية وتؤكد حرصها على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتكشف المسؤولية عن عرقلة التوقيع.

ثانيا الاجتماع الذي عقدته الفصائل بدعوة من حماس في دمشق وتحدث بعده رئيس المكتب السياسي لحماس السيد خالد مشعل ورفاقه من قادة الفصائل قدم صورة واقعية عن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية وهو فضح خلفيات العرقلة المستمرة للوحدة الوطنية من خلال الشروط التي تضعها الولايات المتحدة واللجنة الرباعية الدولية والتي تنصب خصوصا على أمرين ترفضهما الفصائل الوطنية الفلسطينية بصورة حاسمة:

إسقاط الشرعية عن العمل المقاوم تحت عنوان نبذ العنف، وتكريس الاتفاقات التي عقدت سابقا بين حكومة الاحتلال والسلطة الفلسطينية وهو ما يعني الالتزام بالعمل وفقا للترتيبات الأمنية التي يرعاها فريق كينيث دايتون في الضفة الغربية المحتلة عبر تسخير السلطة الفلسطينية وأجهزتها لحماية الاحتلال ومطاردة المقاومين ونشطاء النضال الوطني الفلسطيني.

ثالثا الخطاب الهام الذي ألقاه مشعل وأبقى فيه الباب مفتوحا للمصالحة وللحوار الداخلي مع وضعه النقاط على الحروف في تعيين المسؤوليات، وفي الموقف من التصميم الإسرائيلي على تمزيق الشعب الفلسطيني من خلال خطوة عباس الانتخابية وعبر وضع الشروط على نص اتفاق المصالحة، كما تضمن دعوة لموقف عربي وإسلامي جديد يتناسب مع التصدي المطلوب لمخطط تهويد الأقصى والقدس، ومع تصعيد الاستيطان الصهيوني و استمرار الحصار المفروض على غزة بينما يواجه فلسطينيو عام 48 ملامح التحضير الحثيث للتطهير العرقي.

سحب المبادرة العربية أو تعليقها و التحرك دوليا وعلى جميع المستويات لفك الحصار ولتحقيق وحدة وطنية لا تحكمها الشروط الأميركية الإسرائيلية ولا ترغم الفلسطينيين على التفريط بحقوقهم المشروعة وفي مقدمها حق المقاومة، هي بنود جديرة بالاهتمام تستدعي من حماس والفصائل حركة عاجلة على جميع المستويات في سباق الزمن مع المخطط الصهيوني المعروف بفصوله القادمة وينبغي القول إن مبادرة حماس كانت خطوة في الاتجاه الصحيح.
"شام برس"