لوكربي: توريط ايران وسورية../ عبد الباري عطوان

أن تعيد الشرطة البريطانية فتح التحقيق في ملف تفجير طائرة "لوكربي" عام 1988 تحت ذريعة وجود خيوط جديدة، وأسماء جديدة لم تشملها التحقيقات السابقة، فهذا يعني، وبحكم التجارب السابقة، أننا أمام عملية ابتزاز جديدة لأكثر من جهة، وأكثر من دولة مثل ليبيا وإيران وسورية.

السيد عبد الباسط المقرحي ظل لسنوات يطالب من خلال محاميه بإعادة محاكمته، لوجود أدلة دامغة على براءته، ولكن جميع توسلاته هذه قوبلت بالرفض، حتى أن طلب الاستئناف الأخير الذي تقدم به اضطر للتنازل عنه، بعد مساومته بشكل بشع، وتهديد واضح بأن عليه أن يختار بين المضي في الاستئناف والبقاء في السجن، أو إسقاطه والعودة إلى طرابلس لقضاء أيامه الأخيرة بين أهله وأطفاله.

في كانون الأول (ديسمبر) عام 2007 ذهبت إلى غلاسكو للقاء السيد عبد الباسط المقرحي المتهم الرئيسي والوحيد في تفجير لوكربي، فقد كان متابعا لصحيفتنا بشكل جيد، وبادر إلى الاتصال هاتفيا بي أكثر من مرة، وقد قضيت معه أكثر من ثلاث ساعات في مكتب خاص للزوار، لم أتكلم خلالها إلا قليلا، فالرجل انفجر كبركان غضب، وانهار باكيا بحرقة وهو يقسم بأغلظ الإيمان انه بريء من هذه التهمة، وأنها ألصقت به ظلما وعدوانا، وأكد انه لو فعلها لما تردد لحظة في الاعتراف بذلك على الملأ، ولقتل نفسه بعد ذلك من شدة العار.

وجدت نفسي أمام رجل يعيش حالة من المرارة من ذلك النوع الذي يعيشه الرجال ذوو الكرامة العالية، خاصة عندما عرض عليّ ملف الادعاء الذي تضمن صفحات كاملة جرى طمسها بالحبر الأسود لأسباب أمنية.

المرة الأولى التي تقدم فيها باستئناف أمام المحكمة الاسكتلندية كانت عام 2002، ولكن الاستئناف قوبل بالرفض، وقال الدكتور هانز كوهلر مراقب الأمم المتحدة الذي حضر الجلسة إنها كانت عملية إجهاض واضحة للعدالة.

في عام 2007 ظهر دليلان يؤكدان وجود تلاعب بالأدلة، الأول في أيلول (سبتمبر) عندما اعترف الشاهد السويسري في القضية المهندس اولريخ لمبرت أمام ضابط بوليس شرطة زيوريخ بأنه كذب بشأن مسألة الصواعق (المفجّرات) التي استخدمت في التفجير، وبعد ذلك بشهر، أي في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه اكتشف محامو السيد المقرحي أن شاهدا ثانيا وهو المالطي توني غوتشي قد تلقى مبلغا مقداره ثلاثة ملايين دولار من قبل المخابرات الأمريكية والبريطانية كي يقول أن المقرحي اشترى ملابس الأطفال التي كانت في الحقيبة الملغومة من متجره في فاليتا (عاصمة مالطا)، وهذا الشاهد الرئيسي يعيش حاليا في استراليا بعد أن هاجر إليها وأصبح من الأثرياء.

الإفراج عن السيد المقرحي في شهر آب (أغسطس) الماضي كشف عن إثباتات إضافية حول "تسييس" العدالة، فقد تبين أن مساومات عديدة خلف الستار جرت لمقايضة الإفراج عن رجل مريض بسرطان البروستات أمامه ثلاثة أشهر للحياة فقط، مقابل صفقات تجارية نفطية ضخمة للشركات البريطانية. مليارات الدولارات حصلت عليها هذه الشركات مقابل ثلاثة أشهر من حياة رجل على فراش الموت، ومن أجل أن تحقق سلطات بلاده نصرا إعلاميا في يوم احتفالاتها بالذكرى الأربعين على توليها السلطة.

ليبيا رضخت للابتزاز مرتين، في الأولى عندما سلمت السيد المقرحي، ودفعت أكثر من ثلاثة مليارات دولار تعويضات لأسر ضحايا لوكربي، علاوة على نفقات قانونية بمئات الملايين من الدولارات، والثانية عندما تخلت عن برامجها لأسلحة الدمار الشامل لإعطاء "بطلي" حرب العراق وأفغانستان، أي توني بلير وجورج بوش الابن انتصاراً دبلوماسياً بعد ثبوت كذب ادعاءاتهما حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.

ربما تكون السلطات الليبية اشترت حريتها ورفعت الحصار الظالم المفروض عليها بدفع هذه المبالغ وتدمير ما في حوزتها من أجهزة نووية وكيماوية وبيولوجية، ولكن الأمر المؤكد أنها تقف حالياً أمام عملية ابتزاز جديدة، فالشرطة البريطانية التي ستعيد فتح ملف التحقيق في قضية لوكربي تريد استجواب ثمانية أشخاص آخرين، مما يعني أننا نقف حاليا أمام معركة قانونية جديدة ومكلفة.

ولعل المسألة الأهم هي توقيت الإعلان عن إعادة فتح التحقيقات، وتزامن ذلك مع أزمة أمريكية إسرائيلية متفاقمة مع إيران بسبب عدم تسليمها لما في حوزتها من يورانيوم مخصب لروسيا وفرنسا، وإجراء الولايات المتحدة وإسرائيل مناورات جوية مشتركة قبل أيام معدودة من ضمنها مهاجمة أهداف نووية مزعومة، وتزويد القاذفات بالوقود في الجو.

نحن أمام فصل جديد في لعبة استخباراتية قذرة للتمهيد لحرب جديدة في المنطقة، يروح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، وللهدف نفسه الذي كان وراء حربي العراق وأفغانستان، أي تأمين إسرائيل ومنابع النفط، وإبقاء الأخيرة تحت الهيمنة الأمريكية.

اسم عبد الباسط المقرحي قد يختفي قريباً من واجهات الصحف، ربما بسبب الوفاة متأثراً بالسرطان الذي انتشر في معظم أنحاء جسده، ولكن أسماء أخرى قد تظهر مجدداً بعضها سوري، وبعضها الآخر فلسطيني، والثالث ليبي.

محطة تلفزيونية بريطانية مشهورة تعد حالياً برنامجاً وثائقياً يثبت أن إيران وسورية والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة متورطة في تفجير طائرة "بان. آم" الأمريكية فوق لوكربي انتقاماً لتفجير أمريكا طائرة إيرانية مدنية فوق الخليج قبل ذلك بعام.

المؤلم أن السيد المقرحي الذي أتعاطف معه كثيراً، ويصعب علي التشكيك في صدق دموعه، لن يرى حكم براءته وهو على قيد الحياة، ولكن عزاؤه الوحيد أنه سيقضي ما تبقى من أيامه الأخيرة في صحبة والدته المريضة (80 عاما) وأطفاله الذي قال لي إن أكثر ما يحز في نفسه أنهم كبروا دون أن يتمتع بطفولتهم، ودون أن يصحبهم إلى المدرسة مثل باقي الآباء.