العودة إلى الطائف الخروج من البربرية إلى الدولة../ الفضل شلق

لو رفض الناس الدولة وشكلوا، برضاهم أو بالغلبة، نادياً أو جمعية أو عشيرة أو قبيلة أو طائفة لإدارة شؤونهم، لكان في الأمر دولة. تحتاج كل دولة الى نظام. لا بدّ من التمييز بين الدولة والنظام، وهو تمييز بين كائنين لا يمكن فصل احدهما عن الآخر. لا تنفصل الدولة عن النظام، بل تتحول اليه كما تتحول الرغبات الى وقائع. وفي التحول نقصان وهبوط من مستوى إلى آخر. هبوط لا بدّ منه ولو كان يبعث على الألم، الم التضحية بشيء ما في سبيل كائن مجرد متسام لا يرى ولا يشاهد، لكنه يستغرق الوجود البشري. وهذا المجرد هو الدولة.

الدولة هي المشترك بين الناس. هي الحدود الجغرافية التي تفرض نفسها انسانياً، تفرض نفسها على من يعيش ضمنها وفي اطارها. ليس العيش المشترك خياراً بل هو ضرورة. الضرورة شأن اخلاقي، لأنها تتعلق بما يجب ان يكون، بما يجب ان يتحقق، بما يجب على الإنسان فعله ولو شاء غير ذلك.

النظام هو المختلف بين الناس. هو الاختلاف بين الحاكم والمحكوم، هو أسلوب الاقتطاع والتوزيع. هو اعادة توزيع الحصص بين المغانم والمغارم، بين الإيرادات والنفقات، بين الضرائب والمنافع، بين المصالح والمفاسد. النظام هو فقدان المساواة وانتقاص العدالة. النظام ممارسة تتناقض مع فكرة الدولة. لكن لا بدّ للدولة من نظام، لا بدّ لكل شيء من نقيضه. في التناقض يكون النقصان وفقدان العدالة؛ لكن التناقض لازم من اجل تحقيق ما لا يمكن تحقيقه وهو الدولة.

التمييز بين الدولة والنظام هو كالتمييز بين الأخلاق والسياسة، بين ما يجب ان يكون وما يمكن أن يكون، بين المثال ونسخته الواقعية. الدولة تجريد متسام، هدف، غاية. النظام واقع مشبوه، موضع للريبة والظنون. الدولة يقين يحتاج الى الظن، الى غلبة الظن، كما يقول الفقهاء؛ والنظام ترجيح في عالم فاقد الحقيقة، مليء بالاجتهادات. ليس لدينا الا هذا العالم وترجيحاته. اما الحقيقة فهي ما نصبو إليه، ما نرغب به، ما نتوق الى مصيره. الدولة حقيقة النظام، والنظام واقع الدولة.

تتوسط الحكومة (الحاكم، الرئيس، الملك) بين الدولة والنظام. تنقل الدولة من فكرة مجردة إلى واقع ملموس، من رغبة مستحيلة إلى تلبية ممكنة، من هدف متسام الى تسوية هي بمثابة التضحية. كل تسوية فيها تضحية، وفي كل تضحية الم وشعور بالمرارة.

يصعب ان نتصور وجود الدولة والنظام دون حكومة. يصعب تصور الاستمرار للسياسة والاخلاق دون حكومة؛ رغم ان الحكومة، وما يتبعها من بيروقراطية، تحتال دائماً على الأخلاق والسياسة. توجد الحكومة إما بالغلبة او بالتسوية. تستحيل الغلبة، غلبة فريق على آخر، في لبنان. لذلك يرتبط وجود الحكومة بالتسوية. الحكومة والتسوية في لبنان وجهان لشيء واحد.

أعاد اتفاق الطائف الحياة للنظام، في لبنان، من اجل استعادة فكرة الدولة. أعاد اتفاق الطائف الاعتبار للسياسة، وأعاد الاعتبار للأخلاق. نقلنا من بربرية الحرب الاهلية الى انتظام الدولة. لم يشمل اتفاق الطائف كل ما رغب به اللبنانيون. كان ناقصاً. وكان طبيعياً ان يكون ناقصاً. وما كان بالإمكان ان يكون غير ذلك. ومن ينشد الكمال، فعليه ان يكمل بحثه في غير هذه الدنيا.

عدّل اتفاق الطائف الدستور، فجعل الدستور ممكن التطبيق. وفي كل تطبيق تشويه. التشويه إزالته واجب. هناك فرق بين ازالة الشوائب في تطبيق الدستور وبين إلغاء الدستور ذاته. في دولة تفتقد موازنة متبناة في مجلس الوزراء ومجلس النواب منذ أربع سنوات، ليس هناك سوء تطبيق وحسب، بل هناك الغاء للدستور ذاته. الغاء الدستور هو عودة لتحكم الميليشيات والعصابات كما في أيام الحرب الأهلية. استعادة الدستور هي استعادة للدولة. وهذا أمر ضروري. مرة أخرى نحتاج إلى استعادة الدولة عن طريق تأليف الحكومة.

يكاد كل ما جاء به الطائف من انجازات ان ينهار. أعاد اتفاق الطائف الاعتبار لسكان لبنان فكان الإعمار ممكناً، وكان النهوض ممكناً، وكان التحرير ممكناً. يتساءل المرء عن امكان التحرير عندما يكون المجتمع خاملاً. كان اتفاق الطائف تسوية. ليس العيب في التسوية. السياسة هي، في آنٍ معاً، تراكم التسويات وتراكم الإرادات. التسوية والإرادة تعبيران عن حيوية المجتمع. ما حققته السياسة بعد الطائف يمكن أن تلغيه التشنجات بعد اتفاق الدوحة. تجب العودة إلى اتفاق الطائف والبناء عليه.

قبل اتفاق الطائف كان لبنان مستباحاً أمام الميليشيات والخارج. لبنان الآن مستباح أمام الخارج. وفي غياب الدستور، هو مهدد بعودة الميليشيات، او عصابات من نوع آخر، مسلحة أو غير مسلحة. ما من بلد من العالم إلا وله داخل وخارج. زوال الداخل أمام الخارج يطرح أسئلة حقيقية حول الاستقلال والسيادة والتحرير. ما من بلد يزول داخله ويتلاشى أمام الخارج الا وتتعرض هذه الصفات الثلاث للزوال.

في استعادة الدولة والنظام والحكومة ردّ اعتبار للمجتمع اللبناني، للداخل في مواجهة الخارج. شرط ذلك ان تعتمد كل حكومة على المجتمع في السياسة والاقتصاد والشؤون المالية والعسكرية، وفي كل شيء آخر. ليست الدولة دولة، ولا النظام إطاراً للمجتمع، ولا الحكومة جديّة إذا لم يكن الاعتماد بشكل رئيسي على جهود الناس في العمل والإنتاج. الاستباحة أمام الخارج يمكن أن تتعدد أشكالها، وان تكون مالية كما سياسية وعسكرية. الاعتماد على تدفق الاستثمارات (الإيداعات المصرفية؟) من الخارج يمكن ان يكون خطراً على الداخل، وان يغذي أوهام الاطمئنان للأخطار الداهمة. تراكم الدين العام خطر أكيد، وهو تعبير عن العجز؛ لكن تدفق الأموال الخارجية هو أيضاً خطر لا يقلّ فداحة. ليس مهماً تدفق الاستثمارات، بل كيفية استخدامها.

العودة الى اتفاق الطائف هي بمثابة العودة للتصميم والعزم والإرادة من اجل الخروج من البربرية الى الدولة. علينا التعلّم من التاريخ، وإلا فإن التاريخ يكون عبئاً علينا. ليس التاريخ تراثاً في صناعة الحمص والتبولة. التاريخ هو في التعلم من دروس الماضي من اجل صناعة المستقبل. ان نصنع المستقبل هو ايضاً ان نصنع وننتج أكثر مما نستهلك. حتى الآن نحن مستهلكون وحسب. نعتمد في ذلك على الخارج ايضاً.

خصوصية لبنان الراهنة هي زوال الخط الفاصل بين الداخل والخارج. هي انه معرّض للخارج في كل شيء، سياسياً واقتصادياً ومالياً وامنياً. يصعب التقاء الخارج على اتفاق يصون لبنان، كما في الطائف.
"السفير"