"صمود" تتمرد على القمع والحواجز../ راسم عبيدات*

قمع وذل وتفنن في التعذيب جوهر حياة الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال، بل وامتهان للكرامة البشرية والإنسانية، فالعامل من أجل الحصول على لقمة العيش يتجرع المرارة تجرعاً، وهو في سبيل الحصول عليها عليه الخروج من ساعات الفجر الأولى لكي يمر في دورة تفتيش تطال كل سنتمتر في جسمه على حواجز الذل والإهانة، بل ويتعدى الأمر ذلك بقيام ضباط مخابرات الاحتلال بمساومة العمال على كرامتهم وانتمائهم الوطني، وابتزازهم من أجل التعاون مع الاحتلال، التجسس والخيانة، مقابل الحصول على تصريح العمل أو الدخول للقدس ومناطق 48، وكذلك حال المرضى أو الذين لديهم حالة إنسانية ملحة، من أجل العلاج في المستشفيات الإسرائيلية أو الدخول للقدس و48، يتعرضون لنفس الابتزاز والمساومة.

والقمع والذل وامتهان الكرامة للإنسان الفلسطيني لا يطال العمال والمرضى والحالات الإنسانية فقط، بل كل شرائح الشعب الفلسطيني. وعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تسأل أهالي الأسرى عما يتعرضون له من ذل ومهانة وامتهان للكرامة أثناء زيارتهم لأبنائهم الأسرى في سجون الاحتلال، تدرك لماذا يتمرد الإنسان الفلسطيني، فأهالي الأسرى يخرجون في حر الصيف وبرد الشتاء لزيارة أبنائهم الأسرى من ساعات الفجر الأولى، والحافلات التي تنقلهم للزيارة عليها اجتياز عدة حواجز عسكرية، يخضع خلالها أهالي الأسرى لدورات ومرات عدة من التفتيش والاستفزاز.

والمعاناة لا تقف عند هذا الحد، بل على أبواب السجن على الأهالي الانتظار في حر الصيف وبرد الشتاء في العراء أو تحت ما يشبه أو يسمى بالمظلات، وعليهم الانتظار لساعات طويلة لكي تبدأ دورة جديدة من التفتيش عبر "المعاطات" والأبواب الالكترونية والماكينات الالكترونية، ومن ثم يتبعها تفتيش جسدي من قمة الجسد وحتى آخر أصبع فيه، ناهيك عن التعرية والعبث في الأماكن الحساسة من الجسم، دون مراعاة لشيخ أو امرأة أو طفل رضيع، وسعداء الحظ من أهالي الأسرى الذين يتمكنون من زيارة أبنائهم، وبالتالي يتوجب عليهم بعد الزيارة انتظار آخر زائر، وهذا يعني أن عودتهم لبيوتهم، لن تكون قبل ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي.

استنادا لهذا التوصيف لغيض من فيض لما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من قهر وقمع وإذلال وامتهان للكرامة على مدار الساعة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فهل المطلوب منه الخنوع والاستسلام؟ أم يتوجب عليه النضال والكفاح وبشتى الطرق والوسائل والأساليب من أجل نيل حريته والعيش بحرية وكرامة؟ وأظن أن الشعب الذي لا يناضل من أجل نيل حريته واستقلاله لا يستحق الحياة.

وهذا الواقع وهذه القيود وهذه الحواجز والإهانات اليومية والمتكررة هي التي دفعت صمود كراجة الطالبة في جامعة القدس/ أبو ديس ومن قرية صفا في رام الله، والتي والتي تمر في دورة القمع والذل يومياً من خلال الحواجز والأسوار التي تطوق طريقها وجامعتها وقريتها ذهاباً وأياباً، لكي تعلن تمردها وتقول بشكل قاطع وواضح أن الشعب الذي يستمرئ الذل لا يستحق الحياة، هذه الحياة التي لا تقبل أن تحياها الحيوانات، تلك الحيوانات التي لها الحق في التجول في طول البلاد وعرضها، أما شعبنا الفلسطيني فهو يعيش في معازل وأقفاص وحصار، ومحروم من أبسط حقوقه في حرية ليس في الوطن الحر، بل الحركة والتنقل في وطن مقيد ومسور.

تمرد صمود قادها للتعبير عنه من خلال الإقدام على طعن أحد جنود الاحتلال على حاجز قلنديا، هذا الطعن الذي لم نعرف أسبابه ودوافعه، ولكن أياً كانت الأسباب والدوافع فالجذر والأساس لذلك هو الاحتلال وما يقوم به من ممارسات وإجراءات بحق شعبنا الفلسطيني، هذه الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جرائم حرب، فتقرير "غولدستون" الذي أكد على قيام إسرائيل بتلك الجرائم في حربها العدوانية على قطاع غزة، وتقرير آخر للأمم المتحدة يتحدث عن قيام إسرائيل بسرقة مياه الفلسطينيين، وأشار ذلك التقرير إلى أن حصة المستوطنين في الضفة من مياه الفلسطينيين المنهوبة والمسروقة تعادل أربعة أضعاف حصة الفلسطيني من المياه.

وأيضاً ما جرى ويجري في القدس، والتي تتعرض إلى حملة شاملة من التطهير العرقي والطرد القسري، حيث لم تعد عملية هدم المنازل فردية، بل جماعية وتطال أحياء عربية بكاملها.

ورفعت إسرائيل من وتيرة قمعها في هذا الجانب، حيث قامت قواتها المرافقة لبلدية القدس يوم الثلاثاء 27/10/2009 بهدم تسعة منازل فلسطينية في العديد من أحياء القدس منها صورباهر والمكبر وغيرها، ناهيك عن ما يجري من محاولات للمستوطنين والحكومة الإسرائيلية للسيطرة على المسجد الأقصى من خلال الاقتحامات اليومية والمتكررة من قبل المستوطنين لساحاته بدعم وحراسة من قوات الاحتلال، وذلك لخلق أمر واقع يقود إلى تقسيم المسجد الأقصى، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

والتصريحات الإسرائيلية الرسمية والتي وردت على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي من طراز تقول "فليبحثوا لهم عن أقصى آخر"، أو ستعمل إسرائيل على إبقاء المسجد الأقصى مفتوحاً أمام جميع المؤمنين، يشير إلى حقيقة النوايا الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة على المسجد الأقصى، ومن ثم العمل على تقسيمه.

إذا تمرد صمود لم يكن من فراغ، بل تمرد له أسبابه ودوافعه، أسبابه ودوافعه تكمن في الاحتلال وجرائمه وممارساته وإجراءاته القمعية بحق شعبنا الفلسطيني.