العنف وأثره على التنظيم القومي لعرب الداخل../ عوض عبد الفتاح

تحول موضوع العنف الداخلي، الفردي والجماعي في المجتمع العربي، مؤخرًا إلى جزءٍ ملازمٍ للحديث عن الهموم العامة.

لقد فرضت هذه الآفة الإجتماعية الآخذة بالإنتشار، نفسها على الجلسات الخاصة، فضلاً عن أحاديث النشطاء والقادة والمؤثرين في الرأي العام وقادة المجتمع، ولم يعد الحديث يكتمل بدون تناول هذه المسألة، على نحوٍ يتسم غالبًا بالتذمر والقلق والتعبير عن الذهول وليس بالبحث عن صيغ عملية لمجابهته.

وتشكل ظاهرة العنف الداخلي للمجتمع الرازخ تحت نظام عنصري وقهري والمستهدف بنسيجه المجتمعي، خطرًا حقيقيًا على وجوده كمجتمع منظم أو يسعى إلى تنظيم نفسه على أساس قومي، ويقيم مؤسساته، وعلى فرص وإمكانيات تطوره القومي والمادي والإجتماعي. والمجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر من هذه المجتمعات.. ومن أكثرها استهدافًا، في هويتها وحضارتها ومواردها الطبيعية والبشرية.

حتى الآن نجح المجتمع العربي في الداخل، رغم كل مخططات النظام العنصري، وخاصة مخطط التفرقة، بالتحول من بقايا مجتمع بعد النكبة، إلى مجموعة قومية تكتسب بصورة تدريجية ملامح مجتمع متميّز.. يسعى إلى التعبير عن ذاته وإلى تحقيق مصيره. وقد ساهم الإضطهاد المؤسسي (الصهيوني) ضد المجموع في مراحل لاحقة من النكبة إلى تحويل النقمة والصراع ضد المؤسسة بدل أن يتحول إلى الداخل.

طبعًا هذه المسيرة لم تكن خالية من شجارات عائلية متفرقة في العقدين الأولين من إقامة إسرائيل؛ ومن حالات عنف فردية طبيعية. وفي مراحل لاحقة أيضًا. أما ما يشهده المجتمع العربي في العقد الأخير من عنف جماعي (طائفي) وفردي، فإنه يقترب من الخطر الحقيقي الذي يهدد بتفكك هذا المجتمع.

حتى الآن ساهمت وتساهم المؤسسات العربية المختلفة؛ الأسرة والحزب والهيئات المختصة ولجان الصلح، وما تبقى من قيم عربية في الحدّ من انتشار هذه الظاهرة على نطاق أوسع. ولكن التآكل المستمر في دور ومكانة ومقدرة هذه المؤسسات على منع استشراء هذه الظاهرة، آخذ في الإزدياد. وبذلك يمكن تصور ما سيحصل لمجتمع مقهور ومضطهد على أساس قومي، في حالة اندثار مرجعياته التمثيلية والإجتماعية والدينية والأخلاقية، أو في حالة تحول هذه المرجعيات إلى حالة صورية توهم الناس بوجودها وتُريحهم من عبء التفتيش والبحث والعمل الجدّي على إيجاد المرجعية السياسية الجامعة الممثلة للعرب، والمعبّرة على حق تقرير مصيرهم.

لا شك أن المرجعيات الإجتماعية والحزبية والدينية المختلفة لعبت ولا زالت تلعب دورًا إيجابيًا أساسيًا لا غنى عنه. ولكن التقاعس وغياب المبادرة وغياب التفكير المعمق والرؤية السياسية الشاملة لمكان ومستقبل المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر لا يكرس الوضع القائم فحسب، بل يساهم في تعميق الأزمة إلى حدّ الوصول إلى حالة انحلال جماعي. أليست الإعتداءات الطائفية في المغار وشفاعمرو وغيرها من البلدان العربية والشجارات الفردية التي تتحول إلى شجارات عائلية شكل من أشكال الإنحلال الجماعي!

لسنا في معرض الخوض في الجذور الإجتماعية والتاريخية والنفسية والسياسية لظاهرة العنف، فهذه من اختصاص المختصين. وبالمناسبة ليست المؤتمرات الأكاديمية أو البحثية هي الردّ على ما يجري في المجتمع العربي. إنما الخطوات الفعلية المستمدّة من رؤية تنظيم المجتمع العربي على أساس قومي-سياسي والتهيئة لذلك عبر إقامة اللجان الشعبية وتجنيد المتطوعين من الشباب الواعي لهذه اللجان لتكون رادعًا لهذه الظاهرة، ولتكون في الوقت ذاته لجانًا مكافحة ضد مختلف صنوف الظلم والإضطهاد العنصري. وهذا برأيي ما يجب أن تبحثه لجنة المتابعة في اجتماعاتها القادمة، إذا ما أردنا التعامل بجدية مع واقعنا الإجتماعي والسياسي وإذا ما أردنا صون هذا المجتمع؛ صون أبنائنا وبناتنا من مخطط تدمير مجتمعنا وجعله ضعيفًا ومفككًا حتى لا يقوى على بناء ذاته كمجموعة قومية منظمة ومعتزّة بذاتها.

لا ننسى أن لهذا الجزء من شعب فلسطين دورا تاريخيا في مواجهة الصهيونية وإفرازاتها التدميرية، لما يحمله من طاقة فعلية أو كافية لطرح البديل الديمقراطي والإنساني.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص