برنامج الوهم، وبرنامج الحقيقة../ زكريا محمد

يشهد الوضع الفلسطيني هذه الأيام واحدة من أشد فترات حياته خصوبة. إذ يطرح من جديد كل شيء على بساط البحث. فما كان مجالا لنقاشات النخبة، أو بعضها، تحول الآن إلى جدل واسع لا مثيل له يشارك فيه الجميع، ويطال الجذور. المسلمات جميعها توضع الآن على المشرحة: الدولة، المفاوضات، السلطة، المنظمة، وحدة الشعب، البرنامج الوطني، وكل شيء.

والاستنتاج الذي يبدو أن الغالبية قد توصلت إليه، هو أن طريق أوسلو، وما تفرع منه، طريق مغلق، ولا بد من البحث عن بدائل له. قلة قليلة جدا، من بينها الرئيس عباس، هي من يدافع عن هذا الطريق الآن. أما الغالبية الساحقة فتناقش وسائل الخروج من هذا الطريق المغلق، وتتساءل عن الخيارات المتاحة. وهذه الغالبية تشمل أحزابا، أو تيارات في أحزاب، ومؤسسات المجتمع مدني، ومثقفين من كل نوع، إضافة إلى كوادر وشخصيات سياسية مستقلة. وبعنى ما، فإنه جدل تشارك فيه قوى الشعب الحية جميعها.

وهذه المادة هي مساهمة في هذا الجدل، ومحاولة للبحث عن مخارج وطرق أخرى.

نهض طريق أوسلو على فرضية مركزية مضمرة، وهي: تفكيك البرنامج الوطني (برنامج العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة)، إلى مكونين رئيسيين: الدولة والعودة، ثم التخلي عن الثاني من أجل تحقيق الأول. أي أن أساس الصفقة مع المشروع الصهيوني يقوم على دولة فلسطينية على الضفة والقطاع، مقابل التخلي عن حق العودة، مع البحث عن عودة رمزية ما تبرر هذه الصفقة، وتمنع انفجارها.

لكن الصفقة لم تنجح.
الصفقة فشلت.
لقد ثبت للناس أنها وهم كامل. فالمشروع الاستيطاني الصهيوني، يطالب بنصف مساحة الضفة الغربية، ويترك للفلسطينيين مسطحات المدن والقرى وما حولها كي يسموها دولة. وما يجري هذه الأيام إنما هو نقد للوهم، ومراجعة له.

فشل الصفقة يعني أن المنطق الذي قاد إليها كان خاطئا؛ منطق رمي نصف البرنامج الوطني، النصف الذي يخص اللاجئين، لصالح النصف الثاني، أي دولة على الضفة والقطاع. فهذا المنطق أدى إلى تقسيم الشعب الفلسطيني إلى عدة قطع: الضفة وغزة، 48، الشتات. وها هو يهدد بأن يقسم منطقة الدولة المأمولة إلى منطقتين: الضفة وغزة.

والحق ان هذا أمر منطقي، فحين يتم تفكيك البرنامج الموحد للشعب، فإن وحدة الشعب ذاتها تتفكك. فالبرنامج الوطني في الحالة الفلسطينية هو دليل وحدة الشعب وعنوانها. وحين يتفكك البرنامج تتفكك وحدة الشعب، الأمر الذي يتبعه تفكك وحدة ممثله. إذ لا يمكن لوحدة الشعب ان تتمزق، وأن يظل ممثله، اي منظمة التحرير، موحدا مع ذلك. وهكذا تدهورت منظمة التحرير، بالتدريج، وأخذت تفقد موقغها كممثل فعلي للشعب الفلسطيني.

عليه، فإن استعادة وحدة الشعب ووحدة ممثله، يجب ان تنطلق من إعادة بناء برنامج موحد لهذا الشعب. وإعادة بناء البرنامج لا يمكن ان تتم إلا انطلاقا من العودة إلى الجذور، أي إلى أصل المشكلة. وأصل المشكلة هو قيام المشروع الصهيوني، ونتاجه إسرائيل، على أنقاض أرض الشعب الفلسطيني، وعبر تدمير مجتمع هذا الشعب. لذا فأي حل تاريخي للصراع يجب ان يقوم على تصحيح هذا الخطأ، آخذين بعين الاعتبار الحقائق التي خلقت على الأرض:

أولا: أن أي حل يجب أن يشمل اعتراف إسرائيل، واعتراف المجتمع اليهودي الذي قام على انقاض فلسطين، بأنه مسؤول عن نكبة الفلسطينيين وتشريدهم.

ثانيا: وهذا الاعتراف هو المقدمة لأي حل عملي لمشكلة اللاجئين، أيا كان الشكل الذي يأخذه هذا الشكل العملي.

ثالثا: من دون هذا الإقرار بمسؤولية إسرائيل ومجتمعها اليهودي لا يمكن الوصول إلى أي حل لا في الضفة وغزة ولا غيرهما. أي أن الحل، يجب أن يصل إلى جذر المسألة لا نسيانه.

رابعا: تترابط مع هذا، وينبع منه، مسألة فلسطينيي 1948. فلا يمكن عمل سلام في الضفة وغزة من دون حل مشكلة مليون ونصف فلسطيني داخل إسرائيل. ومشكلة هؤلاء مركبة تشمل: أرضهم، وقراهم التي أبعدوا عنها، ويمنعون من العودة إليها، ومشكلة هويتهم القومية. وهذا يعني أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال قبول أي حل يتحدث عن إسرائيل كدولة يهودية. فالقبول بها يعني نظريا إخراج هؤلاء الناس من بلادهم، ويعني عمليا فتح الباب أمام مشاريع طردهم.

خامسا: إزالة الاحتلال عن الضفة وغزة، وتفكيك المستوطنات وتعويض الفلسطينيين عن عذابات الاحتلال.

عليه، فالبرنامج الوطني يشمل حل مسائل القطع الرئيسة للشعب: اللاجئين، فلسطينيي 48، سكان الضفة وغزة. ولا يمكن لأي هيئة أن تدعي انها تمثل الشعب الفلسطيني من دون ان يشمل برنامجها حل قضايا هذه القطع الثلاث. وحين تدعي انها تقود الشعب، فإن على برنامجها أن ينطلق من تقديم الحلول لهذه القطع.

وقد توقفت القيادة الفلسطينية منذ زمن بعيد عن ان تعتبر نفسها ممثلة لفلسطينيي 48. لقد أخرج هؤلاء من نطاق الشعب الفلسطيني عمليا. وباتت قضاياهم تخصهم وحدهم ولا تخص منظمة التحرير. بات قضية تخص إسرائيل. أما في ما خص اللاجئين، فإن الصفقة المقترحة، صفقة وثيقة جنيف، تلغي قضيتهم ومصالحهم. صحيح أنه لم يتم التخلي عن قضيتهم رسميا وعلنيا، لكن يمكن لكل واحد ان يفهم ان صفقة الدولة على الضفة والقطاع، ترمي بهم وبحقوقهم. إنهم عمليا من سيدفع ثمن قيام الدولة المأمولة، والموهومة، من جيوبهم. بناء عليه، فالقيادة الفلسطينية لم تعد تمثل اللاجئين عمليا، كما أن البرنامج الوطني لم يعد يشملهم.

عليه، فالقيادة لم تعد ممثلة للشعب كله. وفي أقصى حد، يمكنها الادعاء بأنها تمثل الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الحقيقة فإنها تستطيع ان تدعي انها تمثل الضفة الغربية فقط، بعد ان سيطرت حماس على قطاع غزة.

إذن، فنحن أمام استحقاق استعادة البرنامج الموحد، كمقدمة لاستعادة وحدة الشعب. وهذا البرنامج، كما يتضح، برنامج للكفاح طويل المدى، ولا يمكن تحقيقه إلا عبر تأزيم المشروع الصهيوني، ومنعه من الشعور بالهدوء والاستقرار، وإغلاق اي محاولة للتطبيع بينه وبين المحيط العربي. وهذا يعني، بالضرورة، العودة إلى سياسة المقاطعة وتثبيتها، ومواجهة كل من يخترقها.

بالمقابل فإن حل أوسلو، أي الحل الذي ترمي فيه مشكلة اللاجئين مقابل الحصول على دولة مأمولة، لم يكن هو الآخر حلا قريب المنال وقصير المدى أيضا. فها نحن نتفاوض عليه منذ ما يقرب من عقدين من الزمان. وليس هناك ما يشير إلى أنه يمكن ان يتحقق خلال العقدين القادمين. ما يمكن ان يتحقق فقط إنما هو كانتونات تحت الاحتلال، تقوم على مساحة خمسين في المائة من مساحة الضفة، وليس أكثر من ذلك. بالتالي، عليه، فليس هناك حل قريب في مقابل حل بعيد، ولا حل سهل يفي مواجهة حل صعب.
لسنا أمام حل سهل وحل صعب، حل قريب وحل بعيد.
لا، نحن أمام وهم وأمام حقيقة.
الوهم يوحي بالقرب والسهولة، لكنه مجرد وهم.

حل أوسلو، أو ما يمكن أن اسميه بشكل أدق (حل وثيقة جنيف)، التي هي في الحقيقة جوهر الصفقة المأمولة التي تم السعي إليها طوال الأعوام الماضية، لا يمكن له ان يتم. فالطرف الآخر الذي تطرح عليه الصفقة يريد على الأقل 50 في المئة من أرض الضفة إضافة إلى ما سيتم نسيانه. هذه الصفقة غير ممكنة، رغم أنها بدأت برمي قضية اللاجئين، ورمت بفلسطينيي 48. والجري وراءها جري وراء الوهم، وتبديد لطاقة الشعب، ومساهمة في إبعاد يوم الحل الحقيقي.

وقد أدى هذا السير وراء الوهم، وهم حل الدولة القريب، أدى إلى تمزيق وحدة الشعب، ووحدة برنامجه. وهذا يعني أنه ساهم بالفعل في إبعاد يوم الحل الواقعي، الحل الشامل، أكثر فأكثر.

لقد جرب (الطريق القصير والسريع)، أوتوستراد الوهم، أوتوستراد دولة فلسطينية على الضفة وغزة، مع رمي اللاجئين ورمي فلسطينيي 48. جرب وفشل. وثبت أنه ليس قصيرا ولا سريعا، بل أنه ليس طريقا في الحقيقة. إنه مجرد تخطيط على الرمل، محي بقدم باراك وشارون ونتنياهو، وغيرهم.

لذا لا يبقى أمامنا سوى الحل المترابط لجميع القضايا التي أفرزها وجود المشروع الصهيوني، الحل شامل، الصفقة التاريخية الشاملة، التي تشمل الضفة والقطاع، واللاجئين، وفلسطينيي 48. هذا الحل هو مبتغانا. وهو حل يحتمل أن يحمل في ثناياه، وفي وقت ما، دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. لكن ضمن هذا الحل، وليس ضده أو على حسابه.

وفي هذا السياق، وضمن هذا الحل، لا يمكن وضع دولة واحدة لشعبين في مواجهة دولة في الضفة والقطاع. ذلك ان الحل الشامل يفتح الباب أمام إمكانيات متعددة لصيغ متعددة، قد يكون من بينها دولة في الضفة والقطاع، وقد يكون من بينها دولة واحدة ثنائية القومية.

أما في الوقت الحالي، فإنه يبدو ان من الضروري الابتعاد عن التركيز على شعار الدولة في الضفة والقطاع. فقد تحول هذا الشعار، منذ أن استلمه جورج بوش والإسرائيليون ووافقوا على لفظه، إلى شعار لا يبعث على الثقة عند الناس. إذ بدا وكأن الدولة المأمولة يمكن ان تقوم مع وجود الاحتلال لا في مواجهته، بل بدا وكأنها يمكن أن تتشكل بالفعل بوجوده. بل لقد بدا وكأن هذه الدولة مجرد بضعة هياكل، يتم توضيبها في اجتماع أو اجتماعين في الغرف المغلقة، لا مسألة سيادة على الأرض وإزاحة للاحتلال والاستيطان.

بل لعله يمكن القول أن شعار الدولة قد أصبح لعبة دولية لمنع التقدم نحو الحل الحقيقي. فقد صار شعارا لكبح التفكير في الطرق الأخرى، والخيارات الأخرى. صار فزاعة يتم بها ترهيب الناس من نقاش خياراتهم. لذا يجب ان يتم التركيز الآن بخصوص الضفة الغربية على إزالة الاحتلال، وعلى نظام الأبارتهايد السائد، ووقف الاستيطان، وكل ما يتبع ذلك من مواجهة الجدار، وسرقة المياه، وحرية الحركة، وإزالة الحواجز. هذه هي القضايا الأهم، لا الحديث الذي لا معنى له عن دولة يتم إقامتها في خلوات مثل خلوات الصوفية.

كان الزعيم الراحل ياسر عرفات يأمل جديا في ان صفقة الدولة على الضفة والقطاع ممكنة. وكان يريد تحقيقها بالتفاوض والكفاح معا. وكان بإمكانه أن يمرر هذا الصفقة على الشعب الفلسطيني لو انها مشت. لكنه توصل في النهاية إلى ان هذا الحل غير ممكن. اكتشف ذلك بوضوح في كامب ديفيد عام 2000. اكتشف أنهم يعرضون عليه كانتونات فقط. وحين رفض ذلك، قتلوه بالسم.

أما الذين ارادوا ان يتذاكوا على عرفات، وأن يحصلوا على الصفقة بالتفاوض وحسن السيرة والسلوك فقط، فهم الآن معزولون تماما.
لقد انفض الناس عنهم.
وهم لا يمثلون إلا قلة قليلة وسط الناس.
فالناس تريد استعادة البرنامج الوطني، البرنامج الذي يلم الشعب بأسره، ويكون أرضية لقيادة واحدة موحدة لهذا الشعب.