العولمة بوصفها أمركة../ عبد الإله بلقزيز


كان مألوفاً أن يقال في سنوات التسعينيات من القرن العشرين الماضي إن تعيين العولمة بلغة التعريف النظري أمر ممتنع أو متعذر، لأنها مثلما قيل ما زالت في طور النشوء والتكون لم تكتمل عناصر هيئتها بعد، وأنها مازالت تشهد حالاً من السيولة في الوقائع والظاهرات لم تستقر لها حال بما يسمح بحَصْرِ وجوه تمظهرها واشتغالها.

كان ممكناً التسليم بوجاهة مثل ذلك الريث في التعريف، مع بعض التحفظ على الذهاب به بعيداً. أما اليوم، بعد ما يزيد على سنوات عَشْر من ذلك التردد، فبات سائغاً الخوض في مثل ذلك التعيين النظري بعد أن “اكتملت الصورة” وتبينت الملامح والقسمات، وأخذت العولمة مداها في الإفراج عما تمتشيه في جوفها من حقائق وممكنات.

كنا قد وصفنا العولمة قبل نيف وعقد من الزمن بأنها “الاسم الحركي للأمركة”، وقصدنا بذلك أمرين أثنين: أولهما أن العولمة ليست شيئاً آخر سوى الرأسمالية الاحتكارية وقد انتقلت من عالم الميتروبول الغربي “الأمريكي الأوروبي” إلى مركز أوحد أو يكاد هو المركز الأمريكي.

وثانيهما أن العولمة ليست العالمية على نحو ما يُدّعىَ ويزعم في خطاب كهنتها الايديولوجيين مِمّن بشروا طويلاً ب”عدالتها” في توزيع مغانمها على البشر أجمعين، وإنما هي نقيض لفكرة العالمية ونقض لها. لا بأس هنا من استطراد بياني لإلقاء الضوء على الفكرتين التي قصدناهما بوصف العولمة أمركة:

العولمة أمركة لأنها تجسيد مادي وسياسي معاصر لصيرورة الاحتكار وهو سمة الرأسمالية في طورها الامبريالي حقيقة أمريكية صرفاً أو شيئاً بهذه المثابة. منذ الثورة التكنولوجية الأخيرة، والثورة المعلوماتية، قبل عقدين، بدأ يتبين على نحو شديد الوضوح أن الشراكة الرأسمالية الامريكية الأوروبية الجامعة، التي كان وجود الاتحاد السوفييتي والخطر الشيوعي قد غذّاها ولحمها وضمن لها الاستمرار، دخلت في لحظة انكماش وتحلل وخاصة بعد زوال ذلك الخطر “الشيوعي” على النظام الرأسمالي العالمي.

بدا، منذ ذلك الحين، وكأن الاحتكار الذي كان شبه مقتسم بين المراكز الرأسمالية الكبرى ينفلت من أي عقال ويأخذ مداه بعيداً في التعبير عن نفسه وعن حقائقه الجديدة. كانت التنافسية وهي سمة من سمات النظام الرأسمالي قيد مراقبة وحساب بين الميتروبولات الكبرى لأن الرأسماليات محكومة حينها بالتضامن البيني في مواجهة للخطر المشترك “الشيوعي”. أما وأنها تحررت من الشعور بالخوف منه، بعد انهياره، فكان عليها أن تحتدم وأن يصبح الصراع على احتكار الثروة والمال والأعمال والقرار الاقتصادي طقساً عادياً داخل المجال الرأسمالي العالمي.

أسفر ذلك الصراع داخل الميتروبول الرأسمالي في المراحل الأولى منه “أوائل التسعينات من القرن العشرين” عن تحول مثير في علاقات القوة ومشهد الاستقطابات على الصعيد الدولي: التحول في معنى وفي علاقات وجغرافيا مركز/اطراف “هوامش”.

في الماضي القريب، كان المركز غربياً “أمريكياً أوروبياً يابانياً”، وكانت الاطراف من نوعين: منظومة الدول “الاشتراكية” ومنظومة دول “العالم الثالث”. أما بعد انهيار “المنظومة الشيوعية”، فأصبح المركز هو الولايات المتحدة الامريكية حصراً، وباتت الدول الرأسمالية الأخرى أطرافاً جديدة وإن متقدمة لهذا المركز الجديد الذي يديرها.

استفادت أمريكا لإنجاز هذا التحول في علاقات القوة من عاملين: تفوقها العسكري الكاسح الذي تعزز بانهيار الاتحاد السوفييتي، واستثمارها الثورة التكنولوجية الجديدة للسيطرة على نظم المعلومات. وهكذا فإن الاحتكار الامريكي للثروة والقوة والسلطة “القرار الدولي” والمعلومات يضفي على هذه اللحظة الجديدة من الرأسمالية “العولمة” بصمة قومية أمريكية.

لكن أمريكا وهذا هو الوجه الثاني للمسألة سعت في أن تقدم عولمتها، أو قل أمركتها للنظام الرأسمالي، في صورة توحي بأنها لحظة نوعية في التطور تحدث الاختراق الكبير في مشهد العلاقات السائدة نحو التأسيس ل”عالمية” جديدة قائمة على “الشراكة” بين الجميع في الفرص والمنافع والإدارة. وكان أن اقترف هذا السعي بالادعاء الامريكي المتمادي بأن نهاية القطبية الثنائية والحرب الباردة بين المعسكرين تفتح الأفق أمام ميلاد “نظام عالمي جديد” رسمته “الشراكة” في إدارة النظام الدولي، وتفعيل مؤسساته المعطلة وإنفاذ أحكام القانون الدولي لفض المنازعات وحفظ الأمن والاستقرار في العالم. ومثلما أوحت سياسات تحرير التجارة الدولية من القيود وتأسيس “المنظمة العالمية للتجارة”، وتفعيل دور “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” في برامج التنمية الاجتماعية، ونشوء الشركات الصناعية العملاقة والبنوك الكبرى المندمجة غير العائدة الى أصول قومية بذاتها، بأن العولمة تنتج مؤسساتها العابرة للحدود وتوفر مساحات لمشاركة الجميع، كذلك أوحى تفعيل دور مجلس الأمن الدولي وسياسة التوافق بين أعضائه والصرامة في تطبيق بعض قرارته، وكأن هذه “العالمية” تأخذ وجهها لسياسي قرين وجهها الاقتصادي.

تلك كانت أزعومة تبين انفضاحها سريعاً. لم يكن للمؤسسات الاقتصادية الدولية من وجه عالمية سوى الاسم الذي تحمله. أما في الواقع، فحملت وظائفها على النحو الذي خدمت به مصالح الولايات المتحدة في مواجهة خصومها (الصين، روسيا، أوروبا، بعض بلدان العالم الثالث). فلقد ظلت الولايات المتحدة تسخّر هذه المؤسسات العالمية لتكريس سلطة الدولار، والدفاع عن أمنها التجاري في وجه الصين واليابان، واستعمال القروض وجدولة الديون سلاحاً سياسياً ضد روسيا والدول الخارجة عن طاعتها من “العالم الثالث”.

أما المؤسسات السياسية العالمية كمجلس الأمن، فوقع تسخّيرها لإنجاز حروب أمريكية عدوانية ضد العراق ويوغسلافيا وأفغانستان ولتشديد الحصار على سوريا وليبيا والسودان وإيران. وحين لم يكن القانون الدولي ومؤسساته يسعفانها، كانت تلجأ الى منظومتها العسكرية الخاصة: الأطلسية (كما في حالتي صربيا وأفغانستان) أو القومية الأمريكية مع بعض المرتزقة الحلفاء كما في حالتي الصومال والعراق).
"الخليج"