عن الأداء السياسي الفلسطيني../ خالد خليل

بعد الضربة الكبيرة التي تلقتها إسرائيل جراء تبني مجلس حقوق الإنسان توصيات تقرير "غولدستون" بشأن إدانتها بارتكاب جرائم حرب في غزة نهاية العام المنصرم وبداية العام الحالي، إستطاعت الدبلوماسية الإسرائيلية تجنيد أصدقائها واستنفارهم بشكل كبير، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي كثف مندوبوها هذا الأسبوع زياراتهم إلى الشرق الأوسط بمستوى أرفع مما كان في الأشهر الماضية.

إنَّ رفع التدخل السياسي إلى مستوى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون كان ينذر بأن تطورًا ما سوف يحصل على صعيد تحريك التسوية بين سلطة أبو مازن وإسرائيل. وعلى الأقل هكذا توقع الفلسطينيون أصحاب نظرة "الحياة مفاوضات".

لكن الواقع جاء معاكسًا تمامًا للتوقعات حيث أعلنت كلينتون أنَّه لا داعي للشروط المسبقة وخاصة فيما يتعلق بالاستيطان. وما كان أمام أبو مازن الخارج لتوه من أزمة سحب التقرير الدولي (غولدستون)، إلا أنَّ يعترض على تصريح كلينتون مشترطًا أي تقدم بالمفاوضات بوقف أو تجميد الاستيطان في الضفة الغربية. مما حدا به الإعلان عن نيته فيما بعد عدم الترشح في الانتخابات القادمة بسبب الموقف الأمريكي حسب ما يدعي، لكن يقال في الكواليس ان هذه الخطوة تأتي للحفاظ على كرسي الرئاسة من دون انتخابات.

في الحقيقة إنَّ موضوع استمرار المفاوضات ليس مرتبطًا فقط بتجميد الاستيطان، وحكومة نتانياهو التي يحلو للكثيرين وصفها بالتعنت ارتباطًا بهذا الشأن، اتخذت قرارًا مسبقًا يقضي بموافقتها على تجميد مؤقت للاستيطان، ولا شك أن استخدام ورقة الاستيطان تأتي للضغط على الفلسطينيين وربما بالتنسيق مع بعضهم، من أجل تبهيت الملفات الأخرى التي ستشملها رزمة التسوية السياسية، وتعطيل الاستمرار بالخطوات المتعلقة بتقرير غولدستون وتخفيف الضغط الدولي على إسرائيل. وفي هذه الحالة سيصبح سيناريو تقديم نتانياهو «تنازلاً» جديدًا من خلال إعلانه عن تجميد الاستيطان، في متناول اليد، ويخرج به "أصدقاءه الفلسطينيين"، من مأزقهم الحالي، لتقبض إسرائيل الثمن في المفاوضات حول القدس واللاجئين والحدود والدولة منزوعة السيادة، التي فصّلت لها إدارة اوباما "حلولاً إبداعية" أعلنتها سابقًا ضمن ما عرف في حينه بمبادرة الحكماء. لقد بات في حكم المؤكد أن التوجه الأمريكي ممعن في تصميمه على تنفيذ هذا المشروع حتى وان كان عن طريق إعلاء شأن سلام فياض الذي يوافق تمامًا على مبادرة الحكماء وليس له أي مرجعية سياسية يحسب لها حسابًا، كما هو الحال بالنسبة لمحمود عباس الذي مهما تمادى في انفراديته، لا بد وان يخضع في النهاية لضغوطات حركة فتح التي تعطيه شرعية الاستمرار في منصبه رئيسًا للسلطة الوطنية. إلا أن القضية أشمل من هذا الصراع الثانوي الكامن بين سلام فياض ومحمود عباس، وهي تكمن بالجوهر في الأداء السياسي للفلسطينيين، بكل فصائلهم الداعمة والمناوئة للسلطة على حد سواء، والمتعلق مباشرة بعملية التسوية السياسية.

وإذا ما وضعنا حركة فتح جانبًا بوصفها أنتجت قيادات السلطة الحاليين وغلّبت مسار التسوية السياسية على أي مسار آخر دون طرح أية خيارات سياسية أخرى رغم إعلانها رسميًا عن تمسكها بالثوابت الوطنية والمقاومة في مؤتمرها الأخير، مما يضعها أو يضع قيادتها المتنفذة في موقع المسؤولية المباشرة عن أية أخطاء ترتكبها السلطة، فإنّ الفصائل الفلسطينية الأخرى، الوطنية والإسلامية، تتحمل أيضًا أوزار المحنة الراهنة التي آلت إليها الأوضاع السياسية على الساحة الفلسطينية.

هناك انطباع أن هذه الفصائل ومن ضمنها حماس تقف غالبًا موقف المتفرج من حيثيات وتفصيليات التسوية السياسية وكثيرًا ما تبدو فاقدة لزمام المبادرة في أدائها السياسي الذي يترك شعورًا أنه بمثابة ردات فعل غاضبة أو انفعالية على سلوك السلطة أو الأطراف الأخرى المعنية بعملية التسوية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر موقف حماس من المرسوم الخاص بالانتخابات الذي أصدره محمود عباس، نموذجيًا لهذا المشهد، فعقدت مؤتمرًا صحفيًا أعلنت فيه فورًا رفضها للانتخابات. وفي نفس الوقت أكدّت تحفظاتها من الورقة المصرية للمصالحة.

موضوعيًا رفض الانتخابات يعطّل إجراءها ويفرمل المشروع الانفصالي لسلطة عباس، لكنه بلا شك يبقي الحالة الفلسطينية كما هي يطغى عليها التنازع والإحباط والتشرذم، وهو ما ترفضه غالبية الشعب الفلسطيني. إن رفض الانتخابات ومعه رفض المصالحة أو إبقاء التحفظ عليها يظهر حماس كطرف سلبي وعدمي لا يريد حلاً للنزاع الفلسطيني، وفي الواقع لم تنجح حماس بإقناع الشارع الفلسطيني بالمبررات التي ساقتها في مؤتمرها الصحفي لرفض المصالحة، خاصة وان ورقة المصالحة المصرية تحتوي على الجوهر الوطني للمصالحة من خلال تبنيها لوثيقة الأسرى والاتفاقيات الفلسطينية-الفلسطينية السابقة. لم تكن الموافقة على المصالحة والدفع باتجاه التوقيع لتنتقص من موقف حماس بشأن التسوية، وربما أدى ذلك إلى محاصرة محمود عباس ومؤدلجي التسوية بأي ثمن. المصالحة من شأنها أن تغيّر المسار الانفصالي الذي تسعى إليه إسرائيل وأمريكا وحلفاؤهما داخل المجتمع الفلسطيني، والأهم من ذلك فإنّ من شأن الموافقة على المصالحة من قبل حماس إكسابها تأييدًا شعبيًا من الغالبية الساحقة للشعب الفلسطيني، في حين أن الرفض من شأنه إكساب عباس مزيدًا من النقاط التي قد تتحول إلى فوز في حالة تحقيق سيناريو تنازل نتنياهو عن موقفه والخضوع لمطلب تجميد مؤقت للاستيطان، كذلك حتى بعد الإعلان عن عدم الترشح فانه من الطبيعي أن لا تتم الانتخابات وان يبقى عندها عباس رئيسا وبدون معارضة لان حماس أصلا ترفض الانتخابات.

من نافلة القول أن هذا النوع من الأداء المتعلق بالسياسات اليومية ليس بإمكانه أن يكون بديلاً عن الحاجة لطرح مشروع سياسي فلسطيني بديل عن مشروع التسوية وهذه مهمة ينبغي أن تتصدى لها جميع الفصائل الفلسطينية الرافضة لأحادية خيار التسوية، وخاصة تلك المتأرجحة بين حماس والسلطة. إلى ذلك الحين فإنّ مسألة إجراء تغيير أدائي عند فصائل المعارضة الفلسطينية حتى فيما يتعلق بالتسوية والتعاطي مع التكتيكات والمخططات المتبعة من أقطابها، تبقى مسألة ملحة وبحاجة إلى استثمار جهود كبيرة فيها، حيث أن قضية التقاطب والتمترس في محاور متصارعة: مع التسوية وضد التسوية فقط، تزيد من حدة التنافر في أوساط الشعب الفلسطيني الذي يتوق إلى الوحدة والهدوء الداخلي، وهذا بالطبع لا يلغي التمحور والاختلاف، فالقضية ليست أبيض-أسود.