المشكلة ليست في الحائط.. بل في الرأس العلمانية الدينية ومأزق صلة اليسار بالمقاومة الإسلامية../ قاسم عز الدين

يعلق المتدينون بدين العلمانية من اليسار في عقدة الصلة بالمقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان، دون حرج من تأييدها في العراق، حيث تغطي تعددية المقاومة الحرج. يعلقون في عقدة قراءة حركة مقاومة ناجحة في الحرب من أجل الحقوق الوطنية من جهة، لكنها تشارك، على قولهم، في سلطة طائفية ونظام سياسي رجعي من جهة أخرى. وهو أمر يدعو برأيهم إلى تحفّظ العلمانيين على المقاومة في ما يسمونه «طرفي السلطة الطائفية». لكن قراءة الصلة بالمقاومة الإسلامية على هذا النحو مصطَنَعَة من أساسها، تنم عن تأويل مفتَعَل لخلاف مع المقاومة بسبب معتقداتها الإسلامية، أكثر مما تبوح القراءة حول دور المقاومة في التناقضات الاجتماعية والسياسية.

ولا ريب في أن عقدة النجار هذه، محمولة من مقاربة علمانية دينية ظلت سائدة في أوساط أحزاب اليسار في العالم (عدا مجموعات مناهضة الامبريالية من بقايا الماويين وبعض التروتسكيين) منذ الثورة الإيرانية حتى انتصار المقاومة في لبنان عام 2006.

في تلك الفترة كان قد غاب عن بال اليسار الانشقاق التاريخي عن «الجبهة الشعبية» في فرنسا حول استقلال الجزائر. ونسي اليسار تطوّع «حمّالو الحقائب» في دعم المقاومة المسلّحة التي كانت وقتها مقاومة إسلامية، (وكما عرّفها عدوها أيضاً ووصمها بالتخلّف والإرهاب) دون أن تتناول المسألة الاجتماعية من قريب أو بعيد. بعدها اضمحلّت، أو كادت، تقاليد اليسار في دعم «المقاومة العادلة» التي تستمد وجوب الدعم من عدالة قضيتها وحق المقاومة بذاته دون شروط إضافية، ثقافية كانت أم اجتماعية وسياسية.

وقد كانت المقاومة العادلة، في المنظور اليساري على الأقل، تعبيراً عن رد فعل اجتماعي وسياسي أرقى من عدوها، حتى إن لم تعبّر أدبياتها عن مشروع تحرري وبرنامج سياسي مكتوب. لكن اليسار تأثّر طوال المرحلة التالية بالثقافة السياسية السائدة (الليبرالية أولاً ثم النيوليبرالية) ثم استغنى عن المنظور الاجتماعي والسياسي في قراءة التناقضات، فباتت العلمانية الثقافية قيمة القيَم التي تحدّد مضمون القراءة وأبعادها. وأصبحت جملة من الطواطم والطقوس المجرّدة، ولم تعد آليات وضعية زمنية في مسار بناء نظام على نسق جمهورية الثورة الفرنسية، الأكثر تعصباً للعلمانية دون أن تأخذها في شعارها (حرية، مساواة، مؤاخاة). فلم تعد العلمانية خلاصة بناء دولة الحقوق الوطنية وحقوق الفئات الاجتماعية المتباينة (الدولة الحيادية تجاه الجماعات الدينية والثقافية) بل أصبحت وصفة دينية ومدخلاً لحل المشكلات الاجتماعية والسياسية. وبات من بداهة «الثقافة» السائدة، أن حبيبات من ترياق الطقوس العلمانية تشفي من كل الأمراض الاجتماعية والسياسية في كل الأحوال والظروف،على اعتبار أن الثقافة العلمانية هي التي صنعت الدولة الحديثة وليست الثورة الصناعية التي قلبت النُظم السياسية والعلاقات الاجتماعية، وأن مثقفي الأنوار الذين كتبوا العلمانية في أدبيات النظام الصناعي، هم من صنع التاريخ العصري وليس النظام الاجتماعي ـ السياسي والقوى المنتِجَة.

بيد أن الواقع الاجتماعي والسياسي أصلب من حصره في قمقم الإيديولوجيا مهما علا شأنها. وقد أوقف انتصار المقاومة في لبنان (فضلاً عن المقاومة في العراق وفلسطين وأفغانستان) عجلة الزحف النيوليبرالي في الشرق الأوسط والعالم. فالثور المعولم الهائج كسر قرنه في لبنان وشعر مَن يريد أن يشعر من اليسار في هذا الزلزال، كل في بلاده وقطاع عمله. والتقط يسار أميركا الجنوبية جرعة الأمل التي جاءته من لبنان والشرق الأوسط، وخضّ بدوره اليسار الأوروبي تحديداً، على قول هوغو شافيز «إذا سحقت الامبراطورية النيوليبرالية المقاومة في الشرق الأوسط، لن تصمد أميركا الجنوبية وأوروبا ساعة بعدها».

ومنذ 2006 انقسم اليسار السياسي بين يسار علماني ديني (ليبرالي) ويسار علماني اجتماعي زمني. ولم تعد مسألة دعم المقاومة الإسلامية مطروحة للنقاش بين قوى اليسار الاجتماعي الزمني، بل بناء التشابك في تكامل المقاومات هو المدرج في حراك هذا اليسار. ثم خطا البحث والتفكير في المنتديات الاجتماعية العالمية خطوة في اتجاه بناء الآليات العملية في منتدى بيروت (قوى وازنة من 58 بلداً) بداية 2009 ، على أن تكون القفزة التالية في منتدى بيروت في أواخر 2010.

في السياق يظن اليسار في لبنان (واليسار العربي عموماً) أن طائفية المقاومة تحول دون إصلاح النظام السياسي والتغيير الاجتماعي، على اعتبار أن الأيديولوجيا تحدّد إرادة التغيير. لكن الحقيقة أن موازين القوى في الواقع الاجتماعي والسياسي هي التي تمنع المقاومة من التغيير. والمحدِّد في ذلك هو واقع الحقل الإقليمي المتداخل في العولمة النيوليبرالية وليس الواقع المحلي وأزمة النظام السياسي فحسب. فالمقاومة ولدت في مرحلة انهيار حركات التحرر الكبرى وسيادة النيوليبرالية في النظام المعولم. وهي تسبح عكس التيار الدولي والإقليمي الجارف، خلافاً لظروف حركات التحرر الوطني السابقة.

وفي هذه الظروف غير المؤاتية للتغيير الاجتماعي والسياسي، بسبب تلاشي حركات التحرر وضعف المقاومات الاجتماعية (ومن ضمنها أفول اليسار)، فإن المقاومة مضطرة للاحتماء بثقافة بيئتها المحلية حفاظاً على استمرارية وجودها، خصوصاً ان موازين القوى المحلية الطائفية جزء من الحرب للمقاومة وعليها. وفي هذا السياق تدخل المقاومة إلى السلطة الطائفية مرغمة بطبيعة موازين القوى الفعلية، لا مشارِكة «طرفي السلطة الطائفية»، كما يشكك اليسار ويتحفّظ. وهي تحاول عرقلة ما يمكن عرقلته من زحف السلطة (المعتَمَدة من القرار الدولي والإقليمي) في اتجاه الاستراتيجيات الأميركية ـ الإسرائيلية وما يصاحبها من تحولات نيوليبرالية معولمة. وقد نجحت المقاومة، حتى الآن، بصعوبة قاسية استناداً إلى تعزيز قواها في بيئتها المحلية الضيقة، وإلى اللعبة الطائفية في السلطة أيضاً. لأن الأولويات السياسية يحكمها دوماً ميزان القوى في الواقع الاجتماعي والسياسي، وفي هذا الأمر لا تغامر أي مقاومة تضع رأسها على المحك، بالتخلي عن سبب من أسباب قوتها أملاً بالمراهنة على أسباب أفضل تأتي لاحقاً وربما بعد فوات الأوان.

ولا يستمر هذا التوازن السياسي أبد الدهر بطبيعة الحال. ولا بدّ من أن تصل التناقضات الطائفية والاجتماعية والسياسية، المتحركة على الدوام، إلى المقاومة سواء عبر تناقضات شكل الحكم الطائفي أم عبر تآكل بيئة المقاومة ذاتها. وهي الدوامة التي يجدد النظام السياسي المحلي والإقليمي نفسه في حروبها الباردة والملتهبة. لكن هذه التناقضات في النظام السياسي لا تُحل، كما يظن علمانيو الثقافة «بنشر الوعي ومحاربة الطائفية» أو كما يظن اليسار بتغليب المطالب المعيشية والنقابية لإلغاء الانقسام العصبي والطائفي. إنما تُحل كما حُلَّت أينما كان على سطح المعمورة، بتغطية الانقسامات العصبية بآليات أعلى منها تقوم فيها قوى اجتماعية، وتلبي طموحاتها ومصالحها.

والحاصل في لبنان أن الطبقة السياسية تجدد نفسها دوماً في الحراب والاقتتال الطائفي، خاصة لدى أي بادرة إصلاح سياسي وتغيير اجتماعي طفيف، وأن المقاومة لا مصلحة لها (ولنا) بخوض حرب أهلية خاسرة مسبقاً لإصلاح النظام السياسي، لأن موازين القوى المحلية والإقليمية لا تتيح لها الإصلاح بالضغط الشعبي والسياسي وهي لم تتح لها مشاركة المعارضة في حكومة قبل إظهار قوة السلاح.

لا تنكسر دوّامة هذه الحلقة المفرغة بدون نمو قوى اجتماعية محلية حول المقاومة وبدون نمو قوى صاعدة في الحقل الإقليمي. لكن على الرغم من الفراغ المخيف في المنطقة العربية وبسببه، فإن الظروف السياسية ملائمة للعمل على الإفادة من التحولات بعد كسر قرن الثور الهائج، على ما تسعى إليه إيران وتركيا.

وفي هذه الظروف يمكن لليسار أن يجدّد نفسه بحلّة جديدة، لأن أفق حركته أوسع من المحلّي بل حتى أوسع من الحقل الإقليمي (على افتراض احتفاظه بشيء من تاريخ تكوينه). ففي مثل هذا الحراك الواسع المساحة والأفق حول المقاومة والمقاومة الاجتماعية (وهي نواتية في الحقل الإقليمي والعالم)، لا تبرز مشكلة الصلة بالمقاومة الإسلامية ولا بـأي حراك سياسي أو اجتماعي، كما لا تأخذ مسألة الاستقلال عن «طرفي السلطة الطائفية» منحى مصطنَع بسبب عدم تجاوب المقاومة مع الدعوة إلى جبهة وطنية عريضة وبرنامج سياسي موحد.

يصبح لزاماً علي اليسار أن يحدّد هويته وطموحه لنفسه أولاً وللقوى الاجتماعية تالياً: هل هو يسار ثقافي، أم مطلبي ـ نقابي، أم سياسي ـ اجتماعي؟ هل يظن أن الضغط الاحتجاجي و«فضح السلطة» في أزمة النظام، يؤديان إلى الإصلاح السياسي وإقرار الحقوق الاجتماعية، أم أن إعادة بناء القطاعات الإنتاجية وتنظيم مكان العيش والعمل، (بمعزل عن السلطة) يؤديان إلى خلق قوى اجتماعية لها مصلحة في التغيير؟ وهل يبحث اليسار عن حلول وبدائل لأزمة كل قطاع إنتاجي واجتماعي، يمكن أن يتقاطع عليها مع القوى السياسية والاجتماعية أو يستقل عنها، أم أن تصوراته جاهزة سلفاً في عموميات لا تصمد لحظة على المحك. وهل يرى الحلول والبدائل محلية تتلاقى لاحقاً في الحقل الإقليمي، أم أنها إقليمية (على الأقل) يقوم فيها كل معني في بلده وقطاعه ومحلته؟

يبدو أن لا مندوحة من مساءلة عمق الاشكاليات عوض الخربشة الثقافية على التناقضات الاجتماعية والسياسية. ولعل العبرة من ضرب الرأس في الحائط، الاقتناع بأن المشكلة ليست في الحائط.
"السفير"