تحديات ما بعد أبو مازن../ محمد السعيد إدريس

من الصعب قبول أن التعليق المثير الذي جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون حول إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) عزمه على عدم ترشيح نفسه مجدداً في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية المقبلة (سواء كانت في يناير حسب إعلان عباس نفسه أو في يونيو القادمين حسب ورقة المصالحة المصرية) كان محض صدفة، أو أنه لا يحمل معاني مهمة. فالوزيرة لم تسارع إلى إقناع الرئيس الفلسطيني بالتراجع عن موقفه هذا، على نحو ما فعل رجاله وزملاؤه في قيادة حركة “فتح”، ولكنها تعاملت مع القرار وكأنه أمر واقع سبق الاتفاق عليه سواء داخل الإدارة الأمريكية أو بمشاركة أطراف أخرى. فبعد أن عبرت الوزيرة هيلاري كلينتون عن “احترامها الهائل للرئيس عباس وقيادته للشعب الفلسطيني لعقود” أكدت عزمها العمل معه مستقبلاً في أي صفقة جديدة يعمل فيها من أجل المساعدة على تحقيق هدف السلام.

هل يمكن أن تكون واشنطن قد وصلت إلى قناعة بأنها قد استنفدت كل ما لدى الرئيس الفلسطيني من إمكانات وقدرات للتنازل، وأنها أضحت تتطلع إلى قيادة فلسطينية أخرى جديدة تملك من البريق ما يفتقده أبومازن، وتكون قادرة على تقديم تنازلات أخرى جديدة ضمن عملية سلام أخرى جديدة تفرض استمرار معادلة تقدم “إسرائيل” في ضم الأراضي وإكمال مشروع الدولة اليهودية على معظم أراضي فلسطين، وتفرض أيضاً وجود عملية سلام ترفع شعارات براقة قادرة على خداع الفلسطينيين والعرب والانجرار إلى عملية تفاوض في طريق ليست له نهاية على نحو ما حدث منذ مشروع السلام الذي بدأ في مدريد عام 1991، أي منذ ثمانية عشر عاماً ولم يحقق شيئاً للفلسطينيين سوى انقسامهم حول محتوى المشروع الوطني الفلسطيني وفي قلبه المقاومة كخيار فلسطيني لتحرير الأرض المغتصبة؟

هذا السؤال في حاجة إلى بحث حقيقي في ظل ظهور أسماء “فتحاوية بديلة” باتت معروضة للتسوية لتولي منصب الرئاسة الفلسطينية بعضهم مطروح للتمويه مثل محمد غنيم (أبو ماهر) نائب محمود عباس في قيادة فتح الذي يمنعه تقدمه في السن (75 عاماً) عن القيام بالمهمة، ومثل مروان البرغوثي الذي يمنعه سجنه هو الآخر عن تولي المسؤولية (إلا إذا كانت “إسرائيل” ستدخل شريكاً أساسياً مع واشنطن في الترتيب لهذه العملية الجديدة)، وبعضهم يمكن أن يقبل بالترشيح بل قد يسعى إليه مثل ناصر القدوة ابن شقيقة الرئيس عرفات ومندوب فلسطين الأسبق في الأمم المتحدة، ومحمد دحلان وجبريل الرجوب وغيرهم.

هناك احتمال آخر قد يفسر القبول الأمريكي “غير الآسف” على احتمال ابتعاد الرئيس الفلسطيني عن موقع صدارة مسؤولية القرار الفلسطيني هو أن يكون سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطينية هو المرشح الأرجح لتولي الرئاسة الفلسطينية بالتنسيق مع واشنطن من خلال تفاهم مشترك يتم بموجبه إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 من جانب واحد يحظى باعتراف رسمي من قبل الولايات المتحدة ومجلس الأمن.

صحيفة “هآرتس” التي كشفت رفض بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة “الإسرائيلية” لهذه الفترة ومطالبته الحكومة الأمريكية برفضها واستخدام حق الرفض (الفيتو) ضدها في حال عرضها على مجلس الأمن، كشفت أيضاً أن اتفاق فياض مع الإدارة الأمريكية حول هذه الفكرة من شأنه “أن يعيد “إسرائيل” إلى حدود عام 1948 (وليس حدود عام 1967)، حيث ستكون السيادة “الإسرائيلية” على القدس احتلالاً، وسيعطي للفلسطينيين حقهم بالدفاع عن النفس هناك”.

قد يكون السؤال عن مدى جدية مثل هذا التوجه مسألة مهمة وضرورية في ظل معلومات تؤكد أن نتنياهو ذهب إلى واشنطن خلال الأيام الماضية لأسباب كثيرة على رأسها إحباط تعاطي الإدارة الأمريكية مع هذه الفكرة أو الخطة التي قالت صحيفة “هآرتس” عنها أنها تقضي بأن تتوجه السلطة الفلسطينية والعديد من الدول العربية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة لطلب السيادة على حدود 1967، وفي ظل المشروعات البديلة التي تطرح من جانب مسؤولين “إسرائيليين” كبار لقيام دولة فلسطينية مؤقتة بحدود مؤقتة خاصة مشروع ايهود باراك وزير الدفاع ومشروع شاؤول موفاز وزير الدفاع الأسبق والرجل الثاني في حزب كاديما المعارض.

باراك اقترح مشروعاً لتحريك الجمود الحالي في عملية السلام بإقامة دولة فلسطينية فورية على مساحة 60% من أراضي الضفة الغربية، يليها إجراء مفاوضات حول القضايا الأساسية للتسوية خاصة القدس واللاجئين والحدود والأمن في غضون عامين. أما موفاز فقد اقترح هو الآخر “خطة سلام” تقضي بقيام دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، بالإضافة إلى طرح إمكانية التفاوض والتفاهم مع حركة “حماس”.

اللافت للانتباه هنا أن خطة موفاز تتحدث أيضاً عن الحاجة إلى قيادة فلسطينية تتفهمها، ما يعني أن قرار أبومازن التنحي أو عدم ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة جاء على الهوى الأمريكي والهوى “الإسرائيلي” ربما باستثناء شمعون بيريز رئيس الكيان الذي ناشد أبومازن “كزميل” ألا ينسحب، والذي قد يكون وقد لا يكون صادقاً في هذه الدعوة التي ربما تكون للتمويه ولإحداث المزيد من الارتباك والانقسام في صفوف حركة فتح بين من هم حريصون على بقائه وبدأوا في تسيير مظاهرات التأييد والدعوة له بالعدول عن موقفه، وبين من هم يتأهبون للظهور كبدلاء للرئيس الفلسطيني.

الحديث عن البديل لعباس وطرح كل هذه المبادرات الآن يتوافق تماماً مع قناعة نتنياهو بأن عملية السلام ستبقى معطلة حتى نهاية الولاية الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما على الأقل لأسباب كثيرة تخص الحال الانقسامي للفلسطينيين، وانشغال الإدارة الأمريكية في قضايا وملفات أخرى أهم، خاصة أفغانستان وإيران والعراق، ومخاوف الإدارة الأمريكية من ممارسة أي ضغوط على “إسرائيل” الآن في ظل التراجع الملموس في شعبية أوباما، وهو التراجع الذي أشعر المنظمات الصهيونية واليهودية في الولايات المتحدة بقوتها وشجعها على الاستقواء والتمرد على إدارة أوباما.

ولعل في المشروع المقدم من أقطاب المعارضة الجمهورية في الكونجرس الذي يقضي بمنع الرئيس الأمريكي من تعطيل نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ما يؤكد أن هذه المنظمات قادرة على ممارسة الضغط القوي على الرئيس.

هذه القاعدة بانسداد أفق عملية السلام من جانب نتنياهو معناها المباشر أن يواصل تنفيذ مشروع تهويد الدولة “الإسرائيلية” والتوسع في الاستيطان مستفيداً من حالة الجمود المتوقعة في عملية السلام، ومراهناً على أن مرحلة ما بعد انتهاء الجمود هذه ستأتي ضمن واقع سياسي جديد على الأرض يحول دون فرض أي تنازلات “إسرائيلية” أساسية تضر بمشروع “إسرائيل اليهودية”.
"الخليج"