عن الإثم والخجل وعلاقتهما بأخلاق المجتمعات../ ياسمين ضاهر

لقد حفزتني إعلانات حملة جمعية "السوار" التي تناقلتها الصحف ووسائل الإعلام المختلفة تحت عنوان "هو اللي لازم يخاف/ ينخزي/ يتخبى"، على تناول موضوع الاعتداءات الجنسية من زاوية الخجل والخوف والشعور بالذنب، اللذين ينظر إليهما علما الاجتماع والنفس كضروريين وحيويين في بناء المجتمعات وتماسكها. فما الذي يجعل الجاني في مجتمعنا "لا يخاف" ولا يشعر بالذنب؟ وما الذي يجعل أفراد المجتمع لا يشعرون بالذنب أمام صمتهم على هذه الجرائم؟ ولماذا مقابل هذا نجد المعتدى عليها بالمقابل هي التي تستحي! وهي التي تخاف؟

يُجمع الكثير من الفلاسفة والمفكرون وعلماء نفس، ومن أهمهم فرويد، أن الشعور بالذنب ساعد الإنسان على مر العصور على تطوير حضارة وتشييد الأخلاق الإنسانية والمحافظة عليها. إن الشعور بالذنب بمقدوره أن يكون فعلا تصحيحيا، وإن كان يعود إلى فعل "لم يعد موجودا"، إلا أنه يصحح في العلاقة "المتخيًّلة" التي تربط بين الماضي والحاضر، وتجعل الإنسان يصب جلّ اهتمامه في فعل محو الإثم. وهذه العملية الأخيرة تتم بعمل فعلي عادة، نستطيع أن نجمله بالاهتمام بالضحية، أو ما يرمز له الجرم وما يمكن أن يرمز لمحوّه. وبعكس العقاب الذي هو دفع ثمن للآخرين عن فعلتك، فالشعور بالذنب يفترض أخذ الأفراد مسؤولية شخصية على صنيعهم ولا يزيدهم كرها أو غضبا على المجتمع أو على الآخرين، كما بمقدور العقاب أن يفعل. فما يفعله الشعور بالذنب هو "عقاب ذاتي"، يقوم به الجاني ليكفّرَ عن صنيعه تجاه الآخرين، دون حاجة دائمة لتدخلهم المباشر.

ولكن ومن أجل أن يكون الشعور بالذنب موجودا، أو لنقل "فعّالا" عليه أن يعتمد على أخلاق كان قد ذوَّتها الفرد منذ طفولته الأولى ومن خلال سيرورته الاجتماعية في البيت والحارة والمدرسة. فالشعور بالذنب هو شعور يعبّر عن تناقض ما بين التصرف الحالي أو السابق وما بين المثل العليا التي ذوًّتها الفرد الإنسان. هذه الفجوة بين المثل والفعل هي ما تجعل هذا الشعور نافعا في حياة المجتمعات، لأنها لم تكن لتستمر، أي المجتمعات، إن اعتمدت فقط على عقاب أجهزة الدولة وهي كثيرة. فهناك "المقبول اجتماعيا" والذي نتوخى أن يصبح "إنسانيا أيضا"، وهو ما يجعل المجموعات تؤمن به وتطبقه وتشعر بالذنب إن لم تفعله.

وإذا ما عدنا إلى مجتمعنا لننظر عن قرب إلى تجليات "الشعور بالذنب فيما يتعلق بالاعتداءات الجنسية" نجد شيئا غريبا جدا!.

إن مجتمعنا العربي التقليدي المحافظ لا يضع موضوع الحفاظ على النساء، أجسادهن وحيواتهن، ضمن أولياته الأخلاقية بتاتا، فرغم كل ما يتغنى به من "الحفاظ على الشرف"، أو حتى ابتعاده حد المغالاة بالتعامل مع المرأة كـ"مقدسة"- تقديس يتعامل معها كشيء يجب وضعه في مكان وحفظه كقطعة، فالماس قطعة والتنك قطعة وكلاها من الأشياء وليس لهما ذوات. نفس المجتمع الذي يرى بالمرأة مثالا لـ"العفة والشرف الطهر"، يسمح لشبابه إن يتحرشوا جنسيا وعلى الملأ بالصبايا العائدات من المدرسة إلى بيوتهن، أو المارات في الشارع، أو حتى في السيارة. هو نفس المجتمع الذي يشجع على قتل من "دُنس" شرفها، لأن المتحرش –هذه المرة- تمادى كثيرا حد اقتحام الجسد. فكيف لمجرم أن يشعر بالذنب بعد هذا؟

المعتدي جنسيا في مجتمعنا لا يخجل أيضا. فالخجل وبخلاف الشعور بالذنب، له علاقة مباشرة مع ظاهرية الفرد وكيف يبدو بنظر الآخرين ورد فعله أو فهمه لهذه النظرة. وكيف نعرف أنهم لا يخجلون؟ هم، أحيانا، يتقلدون مناصب عليا، معروفون في كل قرانا وبلداننا، ويسيرون في الشوارع غير آبهين، ولا يضطرون للاختفاء عن عيون الناس لماذا؟ لأن هذه العيون ليست موجودة أصلا.

تخيلوا أن من يتحرش جنسيا بالنساء في الشارع أو مكان العمل لا يشعر بأدنى خجل، تخيلوا انه ليست هناك عيون تؤنبِّه ولا تذنبِّه، فقلًّما توقفت امرأة أخرى "غير المتحرَش بها" أو رجل وتدخلا ضد استعمال هذا العنف ضد النساء، كلنا نمر على الظاهرة، ودون أن نلتفت إليها أو نعيرها أهمية وإذا ما أعرناها فمن باب الـ"لا حول ولا قوة" قائلين في نهاية المطاف "ماذا ستفعل؟". بينما تخجل النساء المارات ويتمنين لو "أن الأرض تشق وتبتلعهن"، وهو شعور طبيعي، لأن ما لا يفهمه مجتمعنا أن التحرش بالنساء هو عنف يمارس ضدهن. عنف قد تغلفه كلمات رقيقة. ومن المتوقع أن يمر بعض المارة على الحدث وتتابع خطاها، بينما من غير الطبيعي أن يتصرف مجتمع بأكمله وكأن شيئا لم يكن.

إذا نظرنا إلى إحصائيات السوار لعام 2009 لفهمنا كم وقع المشكلة عميق، وكم يحتاج مجتمعنا إلى مثل عليا والى الكثير الكثير من الشعور بالذنب والخجل أيضا: في 51% من حالات الاعتداء الجنسي، المعتدي هو أحد أفراد العائلة، في 28% هو ابن عم أو ابن خال، وفي 21% هو أخ وفي 18% هو أب. أن يتم الاعتداء في بيت الضحية كما في 34% من الحالات يعني أن الأمر تكرر مرارا، وان المعتدي يفهم أن عمله مشروع جدا وإلا لما كان أتى عليه طيلة هذا الوقت، والبيت صامت، ولا نستطيع أن نفسر هذا الصمت إلا بالموافقة.

أن تكون البيئة القريبة من المرأة هي مكان وقوع الجريمة، يعني أن البيئة لم تذوِّت قيما ضد قمع النساء وتعنيفهن جنسيا وجسديا. وأود أن انوه، أن تعامل المجتمع مع المعتدي كأنه إنسان مجنون أو شاذ، هو تعامل ينجح فقط في التخفيف من وطء الجريمة ومن خجل المجرم وخجل المجتمع بأبنائه، ولكنه لا يردع المجرمين.

ليس في ثقافة مجتمعنا الآنية مثل عليا ضد انتهاك حقوق النساء، أجسادهن وحياتهن، ليس هناك من إيمان عميق بضرورة مكافحة هذا الغبن سوى لدى مجموعات، أؤمن أنها آخذه بالتوسع من نشيطات حقوق إنسان ونسويات، وللأسف القليل من المؤسسات الأخرى تولي الأمر اهتماما.

إنها حملة رائعة، على المعتدي أن يخاف وأن يشعر بالخجل وأن يختبئ. ومن أجل هذا علينا كمجتمع – كأفراد – أن نعي جيدا أن المرأة إنسان، لها قيمتها كأي فرد آخر في المجتمع. تعنيفها والتحرش بها جنسيا هو جريمة، على المجتمع أن يعاقب عليها قبل القانون.
حين لا يشعر المجرم مرتاحا في بيته وقريته ومدينته، سنقول إننا أنجزنا الكثير..