أزمة الخيار الفلسطيني../ خالد خليل

لا شك أن تدويل القضية الفلسطينية، وشن حملات دبلوماسية منظمة من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967، وغيرها من خطوات التأليب للرأي العام العالمي، تشكل بمجملها أدوات هامة في الصراع العربي الإسرائيلي ينبغي عدم التوقف أو التلكؤ باستخدامها على ساحة العمل الدولي، بوجود مفاوضات أو بعدم وجودها، فترويج المطالب الفلسطينية المستندة الى الثوابت الوطنية الواضحة وتسويقها أمميًا، من المفروض ان لا يتناقض مع أي مسار تسووي للقضية الفلسطينية، بل على العكس تمامًا من المؤكد أن هذا الترويج وكسب ود المجتمع الدولي والرأي العام الغربي من شأنه إكساب القضية الوطنية زخمًا وإسنادًا في العملية السياسية.

الحراك السياسي الأخير للسلطة الفلسطينية يتم عرضه على انه استراتيجية جديدة انتقل اليها الفلسطينيون في أعقاب اقتناعهم انّ حكومة نتانياهو ترفض السلام ولن تلتزم بالعملية السياسية والاتفاقات الموقعة بين الطرفين.

وهذا كلام صحيح وينسحب على كل الحكومات الاسرائيلية منذ توقيع اتفاقيات اوسلو حتى الآن، ولم تكن هناك حاجة الى كل هذه المدة، 19 عامًا، من المفاوضات لكي تكتشف السلطة الفلسطينية هذا الاكتشاف الخطير. على أية حال ليس هذا بيت القصيد والمهم بالأمر عرض „الاستراتيجية” التي تتحدث عنها السلطة على انها خيار جديد وكأنه بديل لخيار المفاوضات الذي اتبعته حتى الآن، والحقيقة انه أسلوب جديد للضغط باتجاه العودة الى المفاوضات على أسس أكثر عقلانية.

تعتقد السلطة أن الضغط الدولي سيجبر إسرائيل على تليين مواقفها والعودة الى المفاوضات على أساس تجميد الاستيطان والالتزام بخارطة الطريق، وهذا أمر برأينا بمثابة تكرار لعملية إنتاج الوهم الذي ساد خلال العقدين الأخيرين، وتعزز منذ صعود أوباما الى سدة الحكم باعتبار هذا الأخير مصممًا على المضي قدمًا في التسوية على أساس برنامج الدولتين.

في الحقيقة لا داعي للإلتصاق بخيار التسوية بعدما أثبتت الوقائع المتتالية منذ أوسلو فشله، وكون السلطة أخفقت في الساحة الدولية طوال هذه المدة لا يعطيها الحق أن توهم الشعب الفلسطيني بأنَ تحركاتها الدبلوماسية الجديدة ستقود إلى الدولة الفلسطينية المستقلة، فهذه التحركات ومهما بلغت قوتها ستفضي في أحسن الأحوال الى إعادة تجنيد الدعم للقضية الفلسطينية عند الحلفاء الطبيعيين لها، ولن تؤدي بأمريكا وحلفائها في الناتو لتغيير موقفهم والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وعلى الرغم من انتقاد أوباما المصادقة على بناء 900 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة "غيلو" في القدس، فقد أكدَّ قبل ذلك بيوم واحد أن إدارته سترفض أي خطوة من طرف واحد، ولن تؤيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي برأيه لن تقوم دون مفاوضات ثنائية مباشرة. وبالطبع ينسجم هذا الموقف مع الموقف الفرنسي والبريطاني والاتحاد الاوروبي بشكلٍ عام.

الرهان على الموقف العربي مِن قبل السلطة اصطدم هو الآخر بصمت عربي على التهديد بالفيتو الأمريكي، وهذا أيضًا متوقع من نظام عربي تابع بمعظمه للإملاءات الأمريكية.

كما يبدو أنَّ أزمة القيادة الفلسطينية ستزداد تعقيدًا وتدهورًا في المرحلة القادمة لأنها ما زالت تدور في دوائر مفرغة بعدما كبلت نفسها مصلحيًا مع الدول المانحة واسرائيل، فأصبحت عاجزة عن اتخاذ خيارات حقيقية لحل القضية الفلسطينية حلاً تحافظ من خلاله على الثوابت الوطنية المعروفة، لأنّ أي خيار من هذا النوع سيكون ثمنه كبيرًا بالنسبة لها وسيفقدها امتيازات مصلحية لا تستطيع إدراكها إلا من خلال الإذعان.

الخيارات الحقيقية لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً تشترط وحدة الفصائل الفلسطينية على أساس برنامج وطني مقاوم للإحتلال بكل الوسائل والمستويات، بما في ذلك تدويل القضية الفلسطينية، وتطوير الحراك السياسي على الساحة الدولية، إضافة إلى تطوير سبل المقاومة الشعبية على الأرض الفلسطينية ومواجهة الاحتلال في جميع الإمكانات المتاحة.

إنَّ إنجاز المصالحة الوطنية بين حماس وفتح والفصائل الأخرى هو وحده الكفيل بفتح حوار جدي على هذا الأساس، ولا شك أن المسؤولية في تعطيل هذه المصالحة تقع على الجميع دون استثناء، والجمود الحاصل على هذا الصعيد يضرب القضية الوطنية ويعزز مواقع القيادة المتنفذة في السلطة، والتي لم تعد محل ثقة لكثير من قطاعات الشعب الفلسطيني.