"ما كذَّب الفؤاد ما رأى"../ حسين أبو حسين

صدر نهاية الأسبوع المنصرم قرار قضائيّ استثنائيّ للقاضي يوفال شدمي، من محكمة صلح الناصرة، في قضية قاصر عربي اتهمّ برشق سيارة شرطة بالحجارة، في 05.01.2009، أثناء عمليات الاحتجاج على حرب غزة، ويقضي القرار بعدم إدانة القاصر بالتهم المنسوبة إليه، استناداً إلى ادعاء وكيله أنّ تقديم لائحة الاتهام ضد القاصر تتناقض جوهرياً مع مبادئ العدالة والنزاهة القانونية.

ما من شك، أنَّ القرار المذكور غير مسبوق واستثنائيّ، كونه يتطرق لسياسة النيابة ويُغَرِّدُ خارج السرب، بل ضد أهزوجة السرب القضائي.

لقد جاء في حيثيات القرار أنَّ الدولة تنتهج سياسة تمييزيَّة، تُميِّزُ من خلالها بين القاصرين العرب واليهود، فهي تسارع إلى اتِّخاذ إجراءات جنائية بحق القاصرين العرب، الذين يُعتقلون على خلفية أعمال ذات طابع عقائدي، وتطالب بإنزال عقوبة السجن الفعليّ، دون أن تقوم بإرجاء الإجراءات القضائية ضد القاصرين أو بالعفو عنهم، بينما تمتنع عن اتخاذ أي إجراءات بحق القاصرين اليهود، الذين خالفوا القانون أثناء عملية الانسحاب من قطاع غزة أو إخلاء بعض „البؤر الاستيطانية” في الضفة الغربية أو القاصرين اليهود (الحريديم)، الذين اعتقلوا على خلفية „حرمة السبت”، حيث تمّ إطلاق سراحهم مباشرة بعد اعتقالهم، دون اتخاذ أي إجراء قضائي بحقهم.

لا يسع كلّ متابع ٍنزيه وموضوعيّ لنشاط الشرطة والجهاز القضائي إلا أن يرى الإجحاف اليومي الصادر عن هذا الجهاز بحق العرب، أفرادًاً وجماعات من فلسطينيي الداخل، وفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 67. الجهاز بكافة أذرعه وسلطاته مجنّدٌ برمته للإسهام في إحكام سياسة القمع والتفرقة، بدءاً من شرطي المرور، مروراً بأجهزة التحقيق والنيابة العامة، وصولاً ً إلى القضاء.

ما من شك أن الموضوع المطروح جدير بدراسة مستفيضة ووافية تتطرق إلى كافة أوجه الازدواجية المعيارية في ممارسة سلطة القانون، طبقاً للهوية القومية.

نسلط الضوء، في هذه المقالة، على الازدواجية التمييزية العنصرية المُتبعة تجاه القاصرين العرب، ففي حين أن نيابة الشرطة اعتقلت وقدمت لوائح اتهام ضد عشرات القاصرين العرب، الذين تم اعتقالهم إبان مظاهرات الغضب احتجاجاً على حرب غزة، وطالبت المحاكم باعتقالهم لاحقاً، وفي أغلب الحالات تم قبول طلبها، حيثُ أمرت المحاكم باعتقالهم حتى انتهاء الإجراءات القانونية بحقهم- أي لفترة أولية قدرها تسعة أشهر- معللَّة ذلك بضرورة الحفاظ على النظام ومعاقبة المعتدين على رجال الشرطة بيد حديدية.

في المقابل، نكاد لا نجد أية لائحة اتهام ضد قاصرين يهود قاموا بأعمال شغب أثناء الانسحاب من غزة أو خلال تمثيليات „إخلاء البؤر الاستيطانية” مثلاً.

وفي هذا السياق، نشرت المحكمة المركزية في القدس، في الثلاثين من أيلول المنصرم، قرارها الذي يلغي قراراً صادراً من محكمة صلح القدس بخصوص ثلاثة قاصرين يهود تم إبعادهم عن بيوتهم في الضفة الغربية المحتلة لمدة 21 يومًا، بعد أن تم القبض عليهم إثر رشقهم سيارات فلسطينية بالحجارة وإصابة المسافرين فيها.

ومن سخريات القدر أن القاضي استند في قراره إلى „حق القاصرين” المكفول دستورياً بالعودة إلى بيوتهم في المستوطنات، مرتكزاً إلى سابقة قضائية للمحكمة العليا بهيئة موسَّعة من تسعة قضاة أجازت فيها ابعاد عائلتين فلسطينيتين من مخيم عسكر وعصيرة الشمالية من الضفة الغربية إلى قطاع غزة لمدة عامين، بحجة قرابتهما لفلسطينيين تم اعتقالهم على خلفية انتفاضة الأقصى، حيث أكدَّت أن إبعاد مواطن من محل سكناه ونقله إلى مكان آخر يمسُ بشكل جسيم بكرامته وبحريته وبملكيته، سيما وأن بيت أي مواطنٍ لا يشكل مكان سكن فحسب، بل هو واقع مكاني ووجداني واجتماعي.

نعم، ويا لهول المفارقة- إن العائلات الفلسطينية المُبعدة، هي في الأصل لاجئة من الساحل الفلسطيني عام 48 إلى الضفة الغربية، يتم إجلاؤها مرة أخرى إلى قطاع غزة عنوةً وباسم القانون، على الرغم من الكلام المعسول حول حرية المواطن في السكن في مناخه الجغرافي، الذي تغنَّى به تسعة من قضاةِ المحكمة العليا، وتأتي محكمة القدس المركزية لتقتبس من هذه السابقة وتعلٍّلُ إعادة المستوطنين القاصرين أبناء المستوطنين إلى مستعمراتهم بعد أعمال الشغب التي مارسوها أثناء إخلاء بؤرة استيطانية.

يذكر جمهور المحامين والقانون قرار قاضي العليا المتقاعد حشين، الذي صدر بحق قاصر فحماوي، كان عمره في حينه 15 عاماً، إبان اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000- ليصبح فيما بعد السابقة المعتمدة ضد القاصرين العرب - حيث أمر بحبس القاصر إلى حين انتهاء محاكمته رغم كونه مريضاً مزمناً، مشيراً أن داوود اليافع -الذي أصبح فيما بعد ملكاً من ملوك إسرائيل- أردى جُليات قتيلاً بعد أن رجمه بحجر وادي.

نعم تلك هي سريرة وأخلاقية القضاء الإسرائيلي، الذي يُؤًوِلُ الكلام كيفما يشاء „ملوك الكلام” وطغاة الزمن الرديء، حيثُ يتمُ قلب المفاهيم، ويصبح المجرم ضحيةً والضحيةُ مذمومةٌ بفعلتها، كونها „أجبرت” المجرم على اقتراف جريمته ضدها.

أما نحن جمهور المحامين والقانونيين ومؤسسات حقوق الإنسان والمغلوبين على أمرنا فعلينا على الأقل: مهمةٌ بسيطة، قول كلمة حق أمام سلطان جائر وكسر جدار الصمت وإماطة اللثام عن هذا العدل الزائف.