دولة بلا وطن.. و"استقلال" والأمة تفقد استقلالها!../ عبداللطيف مهنا

منذ النكبة وحتى الآن، أعلن الفلسطينيون الاستقلال ثلاث مرات، مرتان كانتا من طرف واحد والثالثة ينتظرون لإعلانها موافقة من مجلس الأمن. الإعلان الأول كان عشية تلك النكبة وكان رداً عليها. حينها، وبدعوة من الهيئة العربية العليا، عُقد مجلس وطني في غزة. أصدر المجتمعون إعلانهم هذا في الأول من تشرين الأول / أكتوبر العام 1948... ووفق هذا الإعلان فالمعلن عنه هو استقلال "فلسطين كلها"... "استقلالاً تاماً"، في "دولة حرة ديمقراطية ذات سيادة".

مهّد هذا الإعلان لإنشاء حكومة عموم فلسطين، التي كان من بين أهداف إنشائها الرد على قيام كيان الغزاة الغاصب على أنقاض الوطن السليب، والتأكيد على رفض كل ما نجم وينجم عن هذه النكبة، وبالتالي الاصرار على استعادة كامل المسلوب... ليأتي فيما بعد، اندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة في مطلع العام 1965، التي أطلقت فتح رصاصتها الأولى، إيذاناً ببدء مسيرة التحرير لكامل التراب الفلسطيني، أو فلسطين التاريخية "من نهرها إلى بحرها"، أو ذاك الشعار الرئيس الذي هو على رأس المبادئ والمنطلقات والمسلمات التي ارتكزت عليها تلك المسيرة النضالية التي بدأت حينها أول خطواتها... التحرير الذي حُددت أداته الرئيسة وهي الكفاح المسلح... هذه الأهداف والمبادئ أو المسلمات كنا نجدها أيضاً في متن الميثاق القومي الذي استبدل بالوطني لمنظمة التحرير، أي قبل العبث به وإلغاء بعض بنوده ليتكيف مع اتفاق أوسلو لاحقاً.

الإعلان الثاني، كان في الجزائر، أو فيما عرف بمؤتمر قصر الصنوبر العام 1988، والذي في حين لا يتم التطرق اليوم إلى سابقه يستعاد الحديث عنه هذه الأيام في معرض التطرق إلى الراهن. في هذا الإعلان، الذي جب مداورة ركائز ما قبله عبر الاستناد إلى ما دعاه "الشرعية الدولية"، كانت التوطئة إلى ولوج ما دعيت بداية التسعينيات بـ"المسيرة السلمية"، وفيه كان المدخل الذي أدى إلى مرحلة أوسلو، وكل ما تبع من تداعيات فلسطينية وعربية إلى يومنا هذا، فما ترتب أوصلنا إلى ما نحن عليه في هذا اليوم الذي نحن في هذه العجالة لا نجد حاجة إلى توصيف واقعه ووقائعه.

الإعلان الثالث، هو هذا المزمع المعلن، أو الملوّح به، في رام الله قبل أيام، والذي يأتي كإعلان عن وصول ما دعيت بـ"المسيرة السلمية"، أو نهج التفاوض، إلى الحائط الإسرائيلي المسدود. أو نعيها الذي كان على مرحلتين: الأولى، كان تلويح الدكتور صائب عريقات بما يعرف بحل "الدولة" بعد أن نعى حل "الدولتين"، والذي كان قد سبقه إليه أبو علاء أحمد قريع بعد أن تعثرت مفاوضاته مع سيبي ليفني. كان الهدف من تلويح أو تحذير عريقات، الذي جاء إثر زيارة هيلاري كلينتون إلى المنطقة وتصريحاتها المعروفة، هو الضغط، أو طلب النجدة، ممن يهمه أمر المفاوضات، أو تلمساً لإنقاذ المرحومة "المسيرة السلمية" من قدرها الإسرائيلي المحتوم، وحيث هذا لم يُجدِ بطبيعة الحال، جاء، وبعد أقل من يومين تقريباً، إعلان أبو مازن، رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، عن نيته عدم ترشيح نفسه مرة ثانية لرئاستها... هنا، أما وقد تم تجاهل تحذيرات عريقات، جاء الرد سريعاً من الولايات المتحدة الأمريكية حيال ما أعلنه أبو مازن. عبّرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بعد ساعات فقط منه، عن استعدادها للتعاون مع أبو مازن في أي صفة تكون له مستقبلاً!

والثانية، وحيث لم تأت سابقتها بأكلها المأمول، فهي إعلان السلطة إزماعها التوجه لمجلس الأمن التماساً لإعلان الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وعاصمتها القدس، بيد أنه قد لحقها استدراك لعله كان درءاً لتصاعد ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة الملوّحة بالويل والبثور وقطع الأموال، والاحتلال المباشر لبقايا ما هو محتل بصورة غير مباشرة وفق ما رتبته الحلول الأوسلوية، إذ سارع عريقات لتوضيح ما يلي: أنه لا جدول زمني لهذه الخطوة، قال: "لن نذهب غداً إلى المجلس"... وسنتشاور مع الجميع، ومع الولايات المتحدة، دون أن ينسى المطالبة بالمساعدة من الاتحاد الأوروبي، معلناً اطمئنانه إلى حدوثها من قبل الجامعة العربية!

هنا، يتضح أن حدود الهدف من التلويح بالذهاب باتجاه الإعلان الذي لم يعلن بعد، ولا يبدو أنه سوف يعلن، جاء في ذات السياق الذي كان من أجله التلويح بحل "الدولة الواحدة"، ومن ثم عدم النيّة في الترشيح لرئاسة السلطة، أي محاولات الضغط لإنقاذ المسيرة التفاوضية التي أجهزت عليها مخططات نتنياهو التهويدية المتسارعة المتلاحقة، وتراجعات أوباما المدوية واللاحقة بركبها... فيما بعد في مقابلة مع صحيفة مصرية قال أبو مازن، أنه قد يفكر في ترشيح نفسه، أو "التفكير في الأمر"، "إذا قدمت أمريكا شيئاً ملموساً لشعبي... هم لم يمنحوني شيئاً، فلم يخرج أسير واحد، ولم يزيلوا أي حاجز، فكيف بالقضايا الكبيرة"... التطورات اللاحقة، وردود الأفعال على الخطوات التصعيدية التهويدية اللاحقة المعلنة من قبل الجانب الإسرائيلي، أجابت: أنهم ليسوا في وارد تقديم هذا الشيء... فماذا عن موقفهم من الإعلان عن النية بالتوجه نحو إعلان الاستقلال المزمع؟!

الإسرائيليون، ردّوا "استيطانياً"، والأمريكان، عبر المتحدث باسم الخارجية أبدو معارضتهم للمزمع الفلسطيني، مع التأكيد على لازمتهم المكررة بأنهم مع "دولة تكون نتيجة مفاوضات بين الطرفين"، أي لزوماً بقبول إسرائيلي وإلا فلا... أما الاتحاد الأوروبي، فقد عبّر عنه سلفاً الموقف الفرنسي. المتحدث باسم الخارجية أيضاً، اعتبر أن أية خطوة دعاها أحادية الجانب لإعلان الدولة الفلسطينية "قد تكون مضرة لقيامها"، وقال إننا نتشاور حول الأمر مع الأوروبيين والولايات المتحدة...

هنا تجدر الإشارة إلى أن الفرنسيين يأتون دائماً متأخرين ولانتهاز الفرص الضائعة، وهم إن أتوا فلا يأتون إلا من الموقع السيء إلى الأسوأ... زيارة وزير الخارجية كوشنير الأخيرة إلى فلسطين المحتلة، التي جاءت بعد إلغائها لعدم سماح إسرائيل له بزيارة غزة، وبعدما رفع الفرنسيون مقترح المؤتمر الدولي في باريس، وما رافق الزيارة توقيتاً ووقائعاً هو جرياً على هذه العادة. فيما جاء رد الفعل الأوروبي على طلب المساعدة من قبل الفلسطينيين حاسماً ومتوقعاً، انه الذي يقول بأن الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة مسألة "سابقة لأوانها"... فما هو الموقف الأصل... الموقف الإسرائيلي؟

لقد جاء في توسيع مستعمرة "جيلو" جنوبي القدس، عبر الإعلان عن البدء في بناء 900 وحدة سكنية إضافية فيها، والهدف من ذلك هو إكمال تطويق القدس من جنوبها والإجهاز على ما تبقى من أراضي قرية الولجة... وإذا ما أضفناها إلى المقرر بناؤه حتى الآن في الضفة وهو 3000 وحدة سكنية، وفق المعلن، فيقارب مجموعه الأربعة آلاف وحدة، وهذا يعد أكبر مدى وصلت إليه القدرة التهويدية السنوية، أو هو الأمر غير المسبوق تحقيقه حتى الآن... يضاف إليه، أنه ومنذ احتلالها في العام 1967 وحتى الآن تم هدم 25 ألف منزل عربي في القدس!!!

وعودة إلى ردود الفعل على هذا المعلن الإسرائيلي، والذي أتى من قبل من ينشد الفلسطينيون مساعدتهم لإعلان الاستقلال. كوشنير أسف لهذا، لكن "الأمر كذلك دوماً"... ودعا إلى "محادثات إنسانية، وجهاً لوجه". والاتحاد الأوروبي "يشعر بالصدمة". والروس يقولون أنهم قلقون "قلقاً كبيراً". أما الأمريكان، فعبروا عن استياء، تظل حدوده هي ما قاله الرئيس أوباما في كوريا: "إن الوضع في الشرق الأوسط إشكالي جداً، وعدت وقلت إن أمن إسرائيل يشكل مصلحة أساسية للولايات المتحدة"!

إذن، الأمريكان مستاؤون والأوروبيون مصدومون، والإسرائيليون، وفقما نقلت "يدعوت أحرونوت"، يقولون إن "اعتراض الولايات المتحدة من عدمه لا يشكل عاملاً مؤثراً"، وتنقل الصحيفة عن مقربين من نتنياهو القول "إن الأمريكيين يحتاجون إعلامياً للاعتراض على الاستيطان"، أي هذه هي رؤية الإسرائيليين لحدود استياء حليفهم، أما بيرز فينصح الفلسطينيين بالصبر!!!

المفارقة، أن هذه المواقف الإسرائيلية، التي لا تأبه للاستياء المزعوم للولايات المتحدة ولا تشفق على الأوروبيين من معاناة الصدمة، تحيّر البعض منا، ومنهم من يعتبره تحدياً غير مسبوق للغرب... وقبل أيام وفي حوار مع دبلوماسي أوروبي يبدي تعاطفه مع العرب تساءل محتاراً عن سر هذه العربدة أو هذا التحدي في نظره، الذي يبدر من دولة صغيرة مثل إسرائيل للعالم... هو طبعاً لم يذكر تعبير العربدة حرفياً، أجبته: لكي تعرف السر عليك بكل بساطة أن تتذكر حقيقة واحدة وهي، أن هذه العربدة هي جزء من لزوميات الدور الذي أعطيتموه أنتم في الغرب لها كأداة لكم منذ أن قررتم اصطناعها في المنطقة، وعندما أقول الغرب أعنيه اليوم الولايات المتحدة الأمريكية التي أنتم في الاتحاد الأوروبي مهما حاولتم إبداء التمايز معها تظلون في مواقفكم ملحقاً موضوعياً لها... إن هذه العربدة هي وسيلة ضغط وابتزاز مطلوبة بالنسبة لكم، تظل الأنجح والأقل كلفة من حشد الأساطيل وإقامة القواعد وشن الحروب للهيمنة على بلادنا وجوارها... عربدة تظل تحت السيطرة مهما بلغت بالنسبة لكم، أي تظل في حدود المرغوب إجمالاً، وأنا أتحدى أنها وصلت في يوم من الأيام إلى حدود تهديد مصالحكم في هذه المنطقة بل هي تنسجم معها... أوقفوا دعمكم لها، فهي لن تكف عن العربدة فحسب، بل أعدك بعودة يهودكم إليكم مرة ثانية إن أنتم أقفلتم صنبور ماء الحياة التي تزودون صنيعتكم به... ماء الحياة في كافة المجالات وحيث لا حياة ولا مستقبل لها بدونه... وماذا بعد؟!

لكي يبقى للولايات المتحدة وغربها ما يبرر لها مواصلة نفاقها فيما يخص المواقف المخادعة المعلنة من قضايانا، وللإسرائيليين الوقت الكافي لتهويد ما لم يهوّد بعد من فلسطين، ولتصبح حكاية إعلان الاستقلال الفلسطيني قريباً هي أقرب إلى الخرافة، سرّب الإسرائيليون ما دعوه بـ"الخطة الكبرى"، لينشغل الواهمون منا كالعادة لفترة قادمة في حكايتها، لتحقق بانشغالهم بها من ثم مآربها المشار إليها أعلاه... هذه الخطة الكبرى، أو الخدعة الكبرى، هي من بنات أفكار بيرز- باراك، وكان قد سبقهم إليها وزير الحرب السابق شاؤول موفاز، وهي تأتي اليوم بعلم وموافقة مسبقة من نتنياهو... الخطة تطرح دولة مؤقتة على 40% من الضفة المحتلة... مع ضمانات أمريكية للطرفين: للفلسطينيين دولة سوف تكون في نهاية المطاف بمساحة الضفة، وهنا عودة إلى حكاية تبادل الأراضي، وأن تنتهي المفاوضات خلال ما لا يزيد عن عامين. وللإسرائيليين اعتراف بيهودية الدولة... أي موضوعياً استثناء القدس، والمستعمرات، واللاجئين، من مفاوضات ما يدعى الحل النهائي، واستطراداً، التمهيد للترانسفير لفلسطينيي المحتل من فلسطين العام 1948، وليس شطب حق العودة فحسب... لعل هذا الكلام يذكرنا بوعد سلام فياض ببناء الدولة الفلسطينية خلال عامين!

... في ظل هذه العبثية التصفوية لقضية قضايا الأمة العربية في فلسطين... آن الأوان للمراجعة... لوقفة فلسطينية وعربية جادة ومسؤولة أمام حقائق الصراع الحياة أو الموت وفي مستواه... آن الأوان لعودة مستحقة إلى مربعه الأول... وإلى حقيقة الحقائق التي تقول، أنه لا استقلال في مجزوء مغتصب من أمة هي بكاملها تكاد أن تفقد استقلالها، ناهيك عن أن لا استقلال بلا عودة ولا عودة بلا تحرير... وبالتالي، العودة إلى روح إعلان الاستقلال الأول عشية النكبة وتجاوز تاليه وما قيل إنه سيتلوه!