إعدامات في العراق؟ قف عندك!../ نهلة الشهال

يبدو أن موجة إعدامات جديدة ستجري هذه الأيام في العراق. قبل العيد الكبير أو صبيحته، في توقيت يطابق تاريخ إعدام صدام حسين، مذكّراً بـ«النجاح في الانتقام» الذي عناه، وموظفاً له في استقدام شعبية تلقائية، كتلك التي تحوزها سلطات كل من مصر والجزائر حين تدافع بغوغائية عن «جماعتها» بوجه الطرف الآخر في المباراة الكروية المتحولة جنوناً إجرامياً لم تنتهِ مفاعيله بعد.

وقد وصل إفلاس الطبقة السياسية في العراق ـ حكاماً حاليين وغرماء يعملون للحلول محلهم ـ إلى حدّ الظن أن تلك الإعدامات الجديدة ربما كانت وسيلة لتحريك الخريطة التي تتكوّن وفقها نتائج الانتخابات النيابية المقبلة. فالحياة السياسية في العراق تعيش في شلل تام، وتتعادل الكتل المتنافسة حجماً ونفوذاً، وتعتمد جميعها خطابات متشابهة في رطانتها العمومية. وهي ليست مشغولة إلا بدسائسها الصغيرة. ولم يعد ممكناً التمييز بين جماعة الحكيم والمالكي والصدر وعلاوي والهاشمي، وكذلك الحزب الشيوعي، ما يشي بإفلاسها العملي والسياسي، وهي كالأواني المستطرقة. إذ لا يقترح أي منها برنامجاً أو رؤية للعراق، بينما هذا غارق في مأساة اندثار الحياة اليومية لأبنائه.

ويصح التوصيف نفسه على القوى التي تتحرك تحت مسميات «المقاومة»، لكنها على تنوعها، تشترك جميعاً بمقدار مشابه من العماء فيما بينها، وتتقاسم مع القوى العلنية، أي تلك التي تدور في فلك السلطة، هاجساً وحيداً، هو السيطرة على السلطة نفسها.

من يفكر في المشكلات الأساس، كالصحة، بعد تفشي أمراض مستعصية، بعضها مرتبط بالأسلحة التي استخدمها الاحتلال، وأخرى بالفساد والإهمال. وهذه الأخيرة من نوع ظن العالم أنها انقرضت، كالطاعون يطل برأسه هنا وهناك، والكوليرا تستفحل بين الحين والآخر في بعض أحياء بغداد، وفي جنوب العراق، كما في كردستانه الذي يطمح إلى تقديم نفسه بديلاً حضارياً، فيموت بسببها أطفال على بعد أمتار من فرع جامعة «كورنيل» وسواها من الأشهر عالمياً!

من يخطط ويقترح وسائل، من يتقدم من المجتمع ومن التشكيلات السياسية ببرنامج توافقي لتوفير التعليم والكهرباء، وقبلها جميعاً الأمن؟ لم تعد الرموز والقوى السياسية تحاول حتى التظاهر بالتعاطي مع هذه المسائل.

مستحيل بالطبع أن يقال دع عنك جفاف النهرين العظيمين، وموت الأهوار وهجرة سكانه منه، ويباس ملايين أشجار النخيل، واستيراد العراق اليوم ـ وهو أكبر حضارة زراعية في التاريخ ـ لكل ما يحتاج إليه من طعام ومواد أساسية من إيران وتركيا وسوريا.

أو دع عنك الفواجع التي تترتب على التفجيرات الكبرى التي يذهب المئات ضحايا لها في رمشة عين، (وقد يقال إن تلك تُخَطّط لها جهات ليس بالإمكان السيطرة على أفعالها). دع ذلك كله، وهات أمن كل يوم وكل إنسان في ظل انفلات عصابات الخطف والخوّة والاغتصاب والانتقام، إلى آخر كل ما يخطر على البال، بحيث أصبح الإجرام مهنة شائعة في العراق. مستحيل، لأن هذه نتاج تلك!

وهما معاً يفضحان الوظيفة التمويهية للواقع، المنحطة إذن، لما ينوي الحكم في العراق الإقدام عليه من «إعدامات جماعية»، وهو الوصف الذي تستخدمه بشأنها المنظمات العالمية لحقوق الإنسان، التي يصعب اتهامها بمحاباة النظام السابق.

هناك ما يقرب من ألف حكم صادر بالإعدام ينتظر أصحابها المعتقلون التنفيذ. لكن هناك بالخصوص أحكام بإعدام 126 امرأة، كنّ في مواقع المسؤولية زمن سلطة صدام حسين. وهن اليوم المرشحات للتنفيذ بهن بسرعة استعراضية. أين ومتى جرت محاكمة هؤلاء، ووفق أي قوانين؟ وهل يستقيم كلام عن بناء «دولة القانون» في ظل ممارسات على هذه الشاكلة؟ ثم ما الضرورة من تنفيذ هذه الأحكام، سوى تقديم مشاهد تنضح بالدم وبمشاعر الغِلّ، وتثير الغرائز البهيمية، أو تطمئنها إلى شرعيتها. هل هكذا يمهد لـ«المصالحة الوطنية» التي لا يُعرف مكان في العالم مرّ بما مرّ به العراق ولم يعمل العقلاء المخلصون لها: جنوب أفريقيا، وبلدان أميركا اللاتينية كلها التي مرت بفترات طويلة من الديكتاتوريات الدموية المشابهة لديكتاتورية صدام حسين، وقبل هذه كلها الكيفية التي حققت فيها إسبانيا انتقالها لمرحلة ما بعد حكم فرانكو البشع، المقام على أجداث من خلّدتهم «غرنيكا»، رائعة بيكاسو.

سينهض قوم يرون في هذا الكلام دفاعاً عن النظام البائد! وسينهض آخرون يرون فيه دفاعاً طائفياً، مثلاً! فالقوم هؤلاء، وهم كثر، باتوا مستقرّين في حالة القبيلة الهمجية: «معنا أو معهم»، ولا شيء آخر. هم أنفسهم من كانوا لا يفهمون كيف يمكن المرء أن يناهض نظام صدام بأكثر ما يمكن من القوة ومن الاستعداد لدفع أعلى الأثمان، وأن يناهض في الوقت نفسه المخططات الأميركية بخصوص العراق بالمقدار نفسه من العناد. فذاك كان سلوكاً غير عملي ولا واقعي. لا يفهمون من يقاتل كل يوم ضد إسرائيل رامياً إلى هزيمتها التامة بلا لبس، ورغم ذلك لا يرى كل الوسائل مشروعة، ولا كل وسيلة تبررها الغاية منها: من يرى ارتباطاً بين الوسيلة والغاية، وبين الشكل والمضمون، من يحفل بالبناء القيمي قيد الإنشاء ويعدّه شرطاً للنصر...

لذا ستكثر الأصوات الصارخة في العراق: «اقتله، اقتله»، كما في حلبات المصارعة الرومانية. وسيموت العراق أكثر.
"الأخبار"