أمطار قاتلة وأخرى تعد بالشفافية../ فيصل جلول


كنت في جدة يوم وقعت كارثة السيول . بدأ المطر في ساعات الصباح الأولى مثيراً الفرح، بل أشبه بالرذاذ في عين مقيم في بلد أوروبي لا تغادره الأمطار في الشطر الأعظم من أشهر السنة . لمحت من نافذة غرفتي في الفندق شارع فلسطين وكأنه يغتسل من غبار الأمس، وخلت أن الإدارة ستدعو النزلاء لإطفاء المكيفات للاستمتاع بالأثر اللطيف لضيف مفاجئ يزور المدينة لماماً ويمر في أجوائها مرور الكرام . ولما أحجمت الإدارة عزمت على تنبيه من بيده الأمر أثناء تناول فطور الصباح الجماعي، لكنني تريثت بعد تسرب قطرات الماء من أسفل النافذة الزجاجية إلى موكيت الغرفة.

في قاعة الإفطار ذات الواجهات الفسيحة المطلة على الشارع العام، كنت ألمح المارة وهم يواجهون الموقف برفع الدشاديش إلى أعلى الساقين للانتقال من رصيف إلى رصيف مقابل، أو باللجوء إلى المظلات الصغيرة التي يمكن تثبيتها على الرأس اتقاء للحر . بيد أن المطر اللطيف تحول إلى طوفان بسرعة مذهلة لا تتعدى وقت الإفطار، فقد تساقطت المياه بإيقاع متسارع لتتحول إلى جداول تجري بمحاذاة الرصيف ثم اتسعت خلال دقائق لتحتل كامل مساحة الطريق وأخذت تعلو وتعلو من دون أن تعيق كثافتها بعد مرور السيارات، وبقيت الحال على هذا النحو إلى فترة ما بعد الظهر فخلت للحظة أن الأمر سينتهي عند هذا الحد وأن لا بأس بهذا المطر الذي يحمل الخير إلى أهل المدينة الذين يقيمون على شريط ساحلي ضيق بين شاطئ البحر الأحمر والصحراء القاحلة.

سأعرف من بعد أنه ما كان بوسعي الإلمام بحجم الكارثة من داخل الفندق، ففي الخارج كان المشهد عصر ذلك اليوم مأساوياً، ذلك أن السيارات الصغيرة أخذت تغرق حتى وسطها ثم تتوقف وسط الشارع في الشق المتجه نحو وسط المدينة وهو المنحني قليلاً، في حين كان الشق الآخر المتجه نحو مكة والمدينة مكتظاً بسيارات وباصات مختلفة الأنواع والاحجام تنقل في معظمها حجاجاً ينتقلون إلى عرفة من دون صعوبات تذكر، بل إن القسم التالي من الطريق شبه الصحراوي المجرد من الحوافي بدا كأنه خال من أثر الأمطار التي كان تتشتت على جانبيه في مساحات شاسعة تمتصها الأرض سريعاً.

لم أقف على حقيقة الأمطار القاتلة إلا في اليوم التالي عبر وسائل الإعلام المحلية، ومنها أيضاً سأعرف أن جنوب المدينة كان الأكثر تضرراً على الصعيدين المادي والبشري، وأن السبب يعود ليس فقط إلى انحداره التدريجي قياساً بالشمال، وإنما أيضاً إلى حجم الأمطار المفاجئ وغير المسبوق، وإلى البناء العشوائي وخلو المدينة في قسمها الأكبر من مصارف المياه ناهيك عن التقصير والنقص في خبرة الدفاع المدني، ومن غير المعروف بعد دور الأرصاد الجوية في ما حصل، علماً بأنني كنت قد قرأت في إحدى الصحف المحلية تحذيراً من الارصاد للمواطنين قبل يومين من وقوع الكارثة يفيد بأن أمطاراً غزيرة ستسقط في عدد من المدن خلال موسم الحج، وأن إجراءات اتخذت في مكة لمواجهة الموقف وحماية حجاج بيت الله الحرام، فإذا بالأمطار تتكثف في جدة التي واجهت الكارثة بوسائلها المحدودة.

على هامش الأمطار المفاجئة والقاتلة ارتسم مشهد آخر كان من الصعب توقعه قبل الكارثة، وأعني بذلك التغطية الصحافية الرسمية الشفافة لوقائع ما جرى والمستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور . فقد تزامن بدء سقوط الأمطار مع انطلاق جدل بين إعلام الداخل والخارج حول حجم الأضرار، وبدا للحظة أن هذا الجدل حمّال للشائعات، وكما كان سقوط الأمطار سريعاً وكثيفاً ومفاجئاً كانت التغطية الرسمية الشفافة كثيفة وسريعة ومفاجئة حتى صار الاطلاع على كل أبعاد الكارثة متاحاً في الإعلام المحلي أكثر من الإعلام الخارجي، فالصحافة المحلية صاحبة الأرض وهي أدرى بشعاب جدة من غيرها، وبالتالي أكثر قدرة على عرض التفاصيل التي انتشرت كالفطر في الصحافة المكتوبة ولم تنقطع حتى اللحظة عن الصحافة السمعية المرئية.

واللافت في هذه التغطية ليس حجم التفاصيل والوقائع فحسب، وإنما أيضاً التعليق على الحدث، ثم نفاجأ بكلام من نوع: مقاضاة المقصرين وتشكيل لجنة تحقيق لمعرفة الأدوار ومن فعل ما ينبغي ومن لم يفعل، بل رأيت متضرراً يشكو على شاشة تلفزيونية بعبارات غاضبة قائلاً: “ما حصل لنا هو من عند الله ولا اعتراض لنا على ذلك، لكن لم يساعدنا أحد، لا دفاع مدني ولا غيره، ونحن شباب المنطقة واجهنا الموقف بسواعدنا ومازلنا غير قادرين على انتشال المفقودين ولعل الأيام القادمة تكشف للجميع أن الجثث مختلطة بالطمي ولا حول ولا قوة إلا بالله”.

أغلب الظن أن وسائل الإعلام المحلية اكتشفت من خلال هذه التغطية الشفافة أنها قادرة على أداء دور مهني رفيع على احتكار صناعة الخبر المحلي والتعليق عليه، وبالتالي تهميش التدخل الإعلامي الدولي والخارجي في شؤون هي أولى بتغطيتها وتحليل مجرياتها، ولعلها اكتشفت أيضاً أنه يمكنها بواسطة التعبير الحر والشفاف أن تقطع دابر الشائعات . . . والاصطياد في المياه العكرة.
"الخليج"