دبي: عقوبة لإيران../ ساطع نور الدين

الأميال البحرية القليلة التي تفصل بين مشروع جزيرة نخيل في مياه دبي والجزر الاماراتية الثلاث المتنازع عليها مع ايران، كادت تلغي المسافة بين البلدين اللذين ينتميان الى عالمين متعارضين في العرق والسياسة والاقتصاد وربما الدين ايضا.. لكن لقاءهما على التجارة والمال، كان حتى الامس القريب واحدا من أهم الالغاز السياسية في تلك البقعة المضطربة من العالم.

هو ليس لقاء سريا للمصالح بين الامارة العربية الصغيرة وايران اللتين تربط بينهما نحو خمسين رحلة جوية في اليوم الواحد، تتوزع من مطار دبي الى مطارات مختلف المدن الايرانية الكبرى، كما انه ليس رابطا خفيا بين الايرانيين الذين يمثلون ثاني أكبر جالية أجنبية في الإمارة بعد الهنود، وبين وطنهم الأم الذي يعترف علنا بدورهم في دورته الاقتصادية المعقدة، وفي التقريب بين التجار والمستثمرين أكثر من التقريب بين المذاهب والقوميات المتناحرة.

لم يكن سراً، لكنه كان لغزاً محيراً، ربما يجري فكه هذه الأيام: ثمة تسليم عام بأن دبي هي الرئة الاقتصادية والتجارية الأهم لإيران التي تخضع منذ ثورتها الإسلامية قبل ثلاثين سنة لحصار وعقوبات دولية مشددة. ولا يخفى على أحد أن نجاح تجربة دبي يعزى في جانب كبير منه الى تلك الثورة وذلك الحصار مثلما ينسب ايضا الى حالة الحرب التي غرق بها العراق منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.. لكن الصدف التاريخية ليست وحدها الأساس، لأن ثمة تقديرا عاما بأن أميركا هي التي سمحت بهذا المتنفس الايراني الحيوي، واحتفظت به بانتظار اللحظة الحرجة.

هل حانت تلك اللحظة الآن؟ الأزمة المالية الراهنة في دبي هي في المقام الاول وليدة سوء إدارة وتنظيم وتخطيط لمشروعات مفرطة في التوسع نحو البحر والتحليق في السماء، بما يتخطى قدرة الإمارة الصغيرة ودورها المفترض، والموهوم، كمركز اقتصادي وتجاري لمحيط يشمل الهند وباكستان وإيران والعراق والسعودية وصولا حتى الى مصر.. لكنها أيضا نتيجة سوء فهم للمعطيات السياسية التي أنتجت هذه التجربة والتي تقوضها حاليا، وتعاقب روادها على تجاوزهم الحدود المرسومة لدبي.

هو نوع من الكمين الذي نصب لدبي ومعها إيران ايضا، بعدما بدا أن الإمارة العربية الصغيرة تحلق خارج السرب العربي في نسج علاقاتها الايرانية الوثيقة والخاضعة لحسابات تجارية صافية تقدر سنويا بنحو 14 مليار دولار عدا التهريب المتبادل الذي يحسب المليارات ايضا، بل تتحدى إرادة شقيقتها الكبرى أبو ظبي الملتزمة بذلك الصراع العربي الايراني الواسع النطاق الذي يرعاه الاميركيون ويستخدمونه في حملتهم المتصاعدة على البرنامج النووي الايراني..

بناء على هذه القراءة لأزمة دبي، يجوز القول إنها الاشارة الاولى الى أن الحزمة الاخيرة من العقوبات الدولية على ايران قد أخذت طريقها الى التنفيذ.. وأغرقت تلك التجربة التي كان يفترض أن تستقطب المزيد من الاستثمارات الايرانية التي تضيع هذه اللحظات في بورصة دبي.. وتجعل من مشروع جزيرة نخيل أثراً بعد عين.