منظومة صواريخ أم منظومة عقل جديد؟../ محمد فرحات*

بقياس المساحة وعدد السكان والحاجة، وبالمقارنة مع بلدان عظمى وصغرى ومن كل العوالم، فإن إسرائيل هي أكثر بلد مدجج بالسلاح في العالم. إن ما لدى دولة إسرائيل، من منظومات سلاح وأمن وموازنات وقدرات مادية وبشرية وعسكرية، يعتبر من بين الأكثر كثافة وتمايزا في العالم، سواء بالقياس للاعتبارات السابقة أو لغيرها أيضا.

وفي السنوات الأخيرة، وبالتحديد بعد حرب لبنان عام 2006، باعتبار دلالاتها المفصلية في حروب إسرائيل، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قد أبدت كل ما من شأنه أن يحمل رسالة لكل الخصوم، عن معنى السلاح والقدرة والثمن. غير أن إسرائيل بالقدر ذاته وربما أكثر، توجه الرسالة نفسها لذاتها ووعيها، وهذا مؤشر غير مسبوق على هذا النحو في سياقه ومعناه ودلالاته، سواء: في وعي إسرائيل لنفسها، أو في وعي الآخرين لها، وهنا ثمة ما يدعو لاستعارة عبارة شكسبير وتحويرها. عن شيء ما يجري في أعماق إسرائيل، بدل بلاد الدنمارك.

ولدولة لا يشكل القلق أحد أبعاد حياتها فقط، بل يكاد يرقى لمرتبة أيديولوجيا بأكملها، وبمقدوره أن يساهم بصورة جوهرية في تفسير الكثير من مواقف دولة إسرائيل وخياراتها، فإن خطاب القوة مفهوم إلى حد بعيد، غير أن استخدامها للقوة عبر تاريخها قد أفضى بها إلى إشكالية ومفارقة كبيرة لا إلى حلول لمشاكلها. فمن جهة، لم يضع إفراطها في ذلك، حداً لولادة مقاومات تتلو ويتجاوز بعضها بعضا. ومن جهة أخرى، يُفترض في دولة تنام، على مثل ما تنام عليه إسرائيل، من قوة وقدرة ونفوذ وإمكانيات مُجربة ألا تقلق، بيد أنها تنام فعلا في ثنايا قلق عميق.

... ومن يطل على وضع إسرائيل يتساءل: هل تحتاج إسرائيل لمنظومة صواريخ جديدة أو أخرى لحماية أمنها؟ الجواب نعم. ولكن على ضوء التجربة، هل تَحقق لإسرائيل الأمن والردع والطمأنينة بفعل السلاح؟ الجواب: لا. بدليل الواقع وما فعله استخدام القوة ضد أعدائها، من استيلاد للمقاومات المضادة لإسرائيل في المنطقة. إذاً، ثمة أمر ما غير السلاح لم تجربه إسرائيل، وهو موجود في مكان ما، لا يتعلق بمنظومات السلاح، ولكن اسرائيل لم تتجه إليه ولم تجربه، وتعمل على تفاديه. وهو بالضبط منظومة عقل وتفكير مختلفة ومغايرة لما اعتادت عليه إسرائيل. منظومة تحكم استخدام القوة من جهة، وتنظر إليها على نحو مختلف مما اعتادت عليه إسرائيل، واستمرأته في علاقتها بالواقع وبالآخرين. منظومة تستخدم العقل والخيال في قراءة الواقــع والاحتمالات والمخــاطر والحلول، وتفهم الأخر وحقوقه ومصـالحه ومطامحه ورهاناته وتحــولاته، وتحاول التفاهم معه وبناء التسويات المقبولة من وجهة نظره.

أما البديل فهو أن تستمر إسرائيل في درب القوة المهلك في العمق لها أكثر مما سيهلك خصومها، لان خصومها يتمتعون بطاقة بنيوية تؤهلهم لتحمل كل أهوال قوة إسرائيل وقسوتها، وإنتاج وضع مقاوم ضدها، وقد صار لهم في هذا السياق خبرة معتبرة. إن هذه العبرة التي لا تحتاج إلى جهد كي يتوقف عندها المعنيون، هي ما تأبى إسرائيل استخلاصها والعمل بضوئها، وعندما يكون هذا الأمر نمط تفكير متأصلاً في وعي في إسرائيل، فلن تعرف طعم الطمأنينة أبدا.

... لقد قامت إسرائيل واستمرت بالسيف والدهاء والسياسة والخيال، واستخدمت القوة في حقل الواقع بصورة متواصلة ومكثفة، وصلت في محصلة ذلك إلى مأزق وجودي مليء بالمخاطر والتهديدات، وتحول الخوف عندها إلى عقدة وعقيدة وثقافة، بينما تتحول استراتيجيتها المبنية على تخويف خصومها بعد ستين عاماً، من العمل الفعال في الواقع، إلى تجاوزهم عقدة الخوف منها نحو مقاومتها.

مقاومة تراهن على النصر وتحقيق الإنجاز. إن هذه المفارقة التي تحتاج إسرائيل للوقوف أمامها، جاءت نتيجة استخدامها منظومات السلاح، لذلك تتمادى إسرائيل عن وعي، في الاتجاهات الخطرة، وهي تعرف أكثر من غيرها، أن المشاكل والتهديدات التي تواجهها ليس بمقدور السلاح أن يحلها، وأن إمكانية حلها إلى أمد، قد تكون في مقاربة أخرى، بحماية السلاح وليس بفاعلية استخدامه!

وفي هذا المنحنى الخطر، تتردى إسرائيل بمأزق يتفاقم، كلما استخدمت سلاحاً أو فكرت في ذلك، وعلى صوت ما، أن يقول لها: لقد تغير الزمن يا إسرائيل، ولم يتغير العقل الحاكم فيك. وذلك أحد التجليات الكبرى لمآزقها. مأزق سيجعل منه المضي بالقوة نحو الأفق المجنون، كارثة لا تُحتمل لإسرائيل أولا وبالذات!
"السفير"